ماذا خسر مسلمو آسيا الوسطى بفقدان الخلافة؟! غزو روسيا القيصرية لآسيا الوسطى
February 24, 2021

ماذا خسر مسلمو آسيا الوسطى بفقدان الخلافة؟! غزو روسيا القيصرية لآسيا الوسطى

ماذا خسر مسلمو آسيا الوسطى بفقدان الخلافة؟!
غزو روسيا القيصرية لآسيا الوسطى


لقد كانت عواقب فقدان الجُنة التي قال عنها رسول الله ﷺ: «إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ» كارثية جدا بالنسبة لجميع البلدان الإسلامية، بما فيها آسيا الوسطى وكازاخستان أيضا. من المعروف أن آسيا الوسطى وكازاخستان منطقة ذات أهمية استراتيجية كبيرة؛ لأنها تمتد من بحر قزوين غرباً إلى الصين ومنغوليا شرقاً، ومن أفغانستان وإيران جنوباً إلى روسيا شمالاً. هذه المنطقة لديها طبيعة مذهلة وموارد غنية، وهي منطقة غنية بالموارد البشرية والطبيعية. ومساحة أرضها 4 مليون قدم مربع. في هذه المنطقة، وفقاً للأمم المتحدة اعتباراً من آذار/مارس 2020، يعيش 74 مليون نسمة. حيث يعيش في أوزبيكستان 33.7 مليون نسمة، و18.6 مليون في كازاخستان، و9.1 مليون في طاجيكستان، و6.2 مليون في قرغيزستان، و5.7 مليون في تركمانستان. وتمتلك هذه المنطقة احتياطيات ضخمة من الذهب والفضة والنفط والغاز واليورانيوم والنحاس والزنك والفحم والموارد الطبيعية الأخرى. كما أن طبيعتها مواتية جداً لزراعة المنتجات الزراعية مثل القمح والأرز والقطن والشرانق والبطيخ والخضروات. وهناك 12.000 نهر يتدفق في هذه المنطقة. وهذا يجعل من الممكن إنتاج مليارات الكيلوات من الطاقة الكهربائية.


لذلك كانت هذه المنطقة مطمعا لكل دول الاستعمار الكافرة وأسالت لعابها. ولهذا بدأت الإمبراطورية الروسية الاستعمارية باحتلال المنطقة في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي. وقد أدى ذلك إلى كوارث مختلفة وويلات للمسلمين في المنطقة. والسبب أنهم لم يكن لديهم الجنة الذي يحميهم! لأن الخلافة العثمانية كانت ضعيفة في ذلك الوقت لدرجة أنها لم تستطع الدفاع عن هذه المنطقة. وعلى الرغم من أن خانات خوقند وخيوة وإمارة بخارى في المنطقة أبدوا مقاومة قوية للمستعمرين الروس إلا أنهم هزموا بسبب عدم تكافؤ القوات. وقد استخدم المحتلون الروس الكفار الإعدامات والإرهاب وأساليب وحشية أخرى لتحويل دماء المسلمين إلى نهر ودمروا المدن والقرى. وفيما يلي بعض الأمثلة على سفك الدماء ووحشية المستعمرين الروس:


أثناء احتلال طشقند في أيار/مايو 1865 بقيادة الجنرال الروسي تشيرنيايف سفك الجلادون الروس دماء 12 ألف مسلم!


وفي الأول من أيار/مايو عام 1861 أمر الجنرال فون كوفمان بقصف سمرقند وحرقها بالكامل وتحويلها إلى رماد. وفي 9 حزيران/يونيو قام هذا الجنرال بمجزرة مروعة في المدينة، وبناء على أوامره تم إطلاق النار على مئات المسلمين الأبرياء دون محاكمة أو استجواب وشنقوا وألقوا من المآذن.


في كانون الثاني/يناير 1876 اندلعت في مدينة أنديجان انتفاضة بقيادة بولاتخان (ابن ملا حسن) ضد المحتلين الروس. وأثناء قمع هذه الانتفاضة أطلق جنرال روسي آخر، سكوبيليف، النار على مدينة أنديجان بالمدافع وحوّلها إلى أنقاض. وعلى حد قوله هو نفسه ظل حوالي 3000 شخص تحت الأنقاض.


هذه مجرد قطرة في بحر من الأمثلة على إراقة الدماء من قبل الاستعمار الروسي.


حولت الإمبراطورية الروسية الاستعمارية آسيا الوسطى (آنذاك كانت هذه المنطقة تسمى تركستان) إلى قاعدة للمواد الخام لصناعتها، ونهبت القطن والشرانق المزروعة في المنطقة بأسعار زهيدة! على سبيل المثال: في عام 1885 كانت مساحة القطن 41.4 ألف هكتار وبحلول عام 1915 زادت إلى 541.9 ألف هكتار، أي زادت 13 مرة. وزادت الضرائب المحصلة من السكان خلال تلك السنوات بنسبة 40 بالمائة. ونتيجة لذلك تم تحويل الربح بمقدار 158 مليون روبل من هذه المنطقة إلى خزينة الإمبراطورية الروسية!


البلاشفة (الشيوعيون) الذين وصلوا إلى السلطة بعد الثورة الروسية عام 1917 هم أيضا تسببوا في الكثير من المتاعب والويلات لمسلمي آسيا الوسطى. فقد اضطر مليون و900 ألف مسلم إلى مغادرة بلادهم وتم نفي وطرد مليون و700 ألف مسلم إلى سيبيريا وأقصى الشمال وأوكرانيا وشمال القوقاز وأورال والشرق الأقصى ومناطق أخرى! ونتيجة لسياسة "الإرهاب الكبير" التي انتهجها الشيوعيون في أوزبيكستان وحدها من عام 1936 إلى عام 1937 سُجن 17700 شخص وأصيب أكثر من 3000 منهم بالرصاص. وفي عام 1939 هدم الشيوعيون 14.000 مسجد في تركستان!


كما حاول الشيوعيون إبعاد المسلمين عن اللغة العربية، لغة الإسلام! ففي عام 1926 بدأوا في تحويل الشعوب التركية من العربية إلى اللاتينية. وفي عام 1939 قام الشيوعيون بتغيير الأبجدية اللاتينية إلى الأبجدية الكريلية (السيريلية).


اتبع الشيوعيون سياسة "فرّق تسد"، ففي عام 1924 قسموا بلدان آسيا الوسطى إلى خمس جمهوريات هي: أوزبيكستان وكازاخستان وقرغيزستان وتركمانستان وطاجيكستان.


وفقاً للإحصاءات الرسمية مات أكثر من مليون شخص من الجوع في كازاخستان في عامي 1932 و1933 نتيجة للسياسة الشيوعية. لكن بعض الخبراء الكازاخيين وغيرهم غير موافقين مع هذه الإحصاءات الرسمية. فوفقا لهم فإن قيادة الاتحاد السوفياتي خفضت عمدا خسارة السكان بسبب الجوع، وخاصة في كازاخستان وأوكرانيا. ووفقا لهم فقد مات أكثر من 4 ملايين شخص في كازاخستان بسبب الجوع!!


وهذه قطرة من بحر جرائم الشيوعيين التي ارتكبوها في آسيا الوسطى فقط!


وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي أنشأت روسيا المستعمرة أنظمة دمى هناك لإبقاء آسيا الوسطى بين براثنها. حيث واصلت هذه الأنظمة أيضا محاربة الإسلام والمسلمين لإرضاء أسيادهم في موسكو والغرب. وعلى وجه الخصوص انتهج نظام الطاغية كريموف في أوزبيكستان سياسة قمعية قاسية تجاه الإسلام ومظاهره. وحارب بشكل خاص وبلا رحمة ضد حزب التحرير، لأن هذا الحزب بدأ في حمل الإسلام النقي إلى الأمة لإيقاظها؛ ما أقض مضجع أسياد هذه الأنظمة العميلة في موسكو والغرب. لذلك اتبع الطاغية كريموف بأوامر أسياده سياسة قمعية قاسية ضد الحزب، وبناء على أوامره تم سجن الآلاف من أعضاء هذا الحزب وتعرضوا لتعذيب شديد. وكان أقسى هذه السجون سجن جاسليك في الصحراء، حيث تعرض المئات من أعضاء الحزب للتعذيب الوحشي مثل غمرهم في الماء المغلي وخلع الأظافر والأسنان، وقتل العشرات من أعضاء الحزب.


واليوم الرئيس ميرزياييف الذي وصل إلى السلطة بعد موت الطاغية كريموف ينتهج سياسة "تفكيك الصمولة قليلاً" ويحاول خداع المسلمين وتنويمهم!! وهو أيضا يواصل الحرب على الإسلام السياسي الذي يمثله حزب التحرير تحت ذريعة: "مكافحة الإرهاب والتطرف".


كل هذا هو الثمار المرة لغياب دولتنا، دولة الخلافة التي هي جُنتنا!! لذلك فإن حزب التحرير يعمل ليل نهار لإعادة دولة الخلافة الراشدة علي منهاج النبوة رغم كل القمع والصعوبات. ونسأل الله أن نبايع في الأيام القريبة في ظل دولة الخلافة الراشدة أمير حزب التحرير العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة الخليفة الأول في دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة! وما ذلك على الله بعزيز.


﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾


#أقيموا_الخلافة
#ReturnTheKhilafah
#YenidenHilafet
#خلافت_کو_قائم_کرو

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
محمود الأوزبيكي

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر