July 04, 2013

ماذا وراء الهجمة البوذية ضد المسلمين

تروي الأسطورة المشهورة قصة إمبراطور مغرور ومغرم بالملابس الجديدة والغريبة والذي أدت به عنجهيته لأن يقع فريسة لمحتاليْن أقنعاه بحياكة بدلة جديدة فريدة من نوعها، فحاكا له من الهواء بدلة لا يراها إلا العباقرة. ألبس الإمبراطور نفسه الزي المزعوم، فخرج أمام الناس عاريا كيوم ولدته أمه. فتعجبت الرعية من ملك يسير عاريا بين أفراد شعبه من الرجال والنساء. وكلٌ يخفي دهشته وراء صيحات الثناء والنفاق بينما الملك يمشي بخيلاء!! صفق المنافقون والظلاميون له أولا فتبعتهم الجماهير إلى أن صاح غلام شجاع قائلاً: "انظروا للملك إنه عار فردد وراءه الناس نعم إنه عارٍ. نعم إنه بلا ملابس. ثم هجموا على الملك، وأسقطوه.


أكاذيب الطغاة كثيرة وأساطيرهم متداولة ولها أقلام تضعها موضع الحقيقة والواقع ومن هذه الأساطير أن البوذية دينٌ مسالم وإيجابي وخالٍ من مظاهر العنف والسيطرة، دين يحافظ على كل أشكال الحياة ويقدسها. يردد ملوك الأساطير وأتباعهم على مسامع الناس متباهين بتبني البوذية لما يطلقون عليها الحقائق النبيلة والتلبس بالفضيلة والحكمة والتأمل، مادحين حث البوذية لأتباعها على القضاء على الأصول الثلاثة للشرور: الشهوانية، والحِقد والوَهم. وبالرغم من هذه المزاعم عن الديانة (أو بالأصح الفلسفة الوضعية البوذية والتي تعتبر ديانة غير إلهية قائمة على اتباع تعاليم بوذا ومن بعده رهبان ادعوا الزهد والفضيلة وأَلَّهُوا أنفسهم ليتبعهم الآخرون اتباعاً أعمى) بالرغم من هذه المزاعم فقد استيقظ العالم على وجه البوذية الشرس مع بدء أزمة المسلمين الروهينجا وعمليات التصفية العرقية التي تنفذ ضدهم بشراسة ووحشية منذ عام ونيف في ميانمار. وقد لفت أنظار الكثيرين انتشار موجة العنف البوذي بحيث تجاوز ما وصفه الإعلام الغربي على أنها نزاعات طائفية بين الأقلية المسلمة والأغلبية البوذية في ميانمار، فما هي إلا أشهر منذ بدء الهجوم على الروهينجا حتى لحق بهم مسلمو سريلانكا واستهدفتهم أيادي الشر عبر مسيرات تهديد واستفزاز بقيادة الرهبان البوذيين ومنظمة "بوذا بالاسينا" المتطرفة وبتأييد من الحكومة السريلانكية منددين ببيع اللحوم الحلال ولبس المرأة المسلمة للزي الشرعي والوجود الإسلامي في المنطقة. يحاربون دين الله ولا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة.


أصبحت هذه الاعتداءات على المسلمين متكررة وما أن ينخفض لهيب النيران في منطقة حتى يتصاعد الدخان في منطقة أخرى، هدأت الأوضاع في سريلانكا وسرعان ما تجددت الانتهاكات بحق الروهينجا في ميانمار مما أدى لفرار المزيد منهم من آلة القمع الوحشية إلى دول الجوار بقوارب الموت عبر البحر. وما إن وصل اللاجئون الروهينجا لسواحل تايلاند حتى قوبلوا بالحقد العنصري نفسه الذي تدعمه الدولة البوذية في تايلاند والتي تنكل بالمسلمين وتضيق عليهم سواء كانوا من إقليم باتاني (تايلاند) أو من الأقاليم الأخرى مدعية أنهم أجانب من الملاويين وليس لهم أي حق في البلاد فما بالك بمن جاءهم لاجئاً فاراً من البوذيين أمثالهم!! إن حال اللاجئين الروهينجا كالمستجير من الرمضاء بالنار وقد سلطت منظمة الهيومن رايتس ووتش الضوء الأسبوع الماضي على حالات الترويع والإيذاء والاغتصاب والاتجار بالبشر التي يتعرض لها اللاجئون الروهينجا وبخاصة النساء المحتجزات في مراكز الإيواء التايلاندية. وفي نهاية شهر مايو من هذا العام، قامت وسائل إعلام دولية بتصوير سري لأكثر من 276 محتجزاً من الرجال الروهينجا في زنزانتين كانتا مجهزتين لاستيعاب 15 شخصاً فقط في كل منهما في مركز احتجاز المهاجرين في إقليم فانج نجا بتايلاند. تعجز الكلمات عن وصف هذه المشاهد البائسة التي تنتهك إنسانية وكرامة البشر وتعد من أبشع أنواع التعذيب الجماعي الذي يتنافى مع الفطرة السليمة. مئات الرجال مكتظون في قفصين لا يقوون على الحراك وممنوعون من الخروج خارج القفص وظروف بيئية يعجز المرء عن وصفها أدت لإصابة النزلاء بتلوث الدم.


هذا الحقد البوذي تناولته مجلة التايم العالمية في عددها الأخير بتاريخ 1/7/2013 الذي حظرته حكومة ميانمار بسبب وضع صورة الراهب المتطرف "أشين ويراثو" زعيم حركة "969" البوذية المتطرفة على غلافها وكتبت عليها عبارة "مواجهة الإرهاب البوذي" مما أثار حفيظة الحكومة في ميانمار وأدى بها لحظر ومصادرة العدد. وما أن صدر العدد ولفت الأنظار للعنف البوذي دافعت الحكومة وبشكل رسمي عن الراهب المذكور وأكدت على أنه رجل دين وداعي سلام. وقد أثار العدد دهشة الملايين عبر العالم ممن لم يروا في البوذية سوى الزهد والسلام وضبط النفس. لم يتخيل الكثيرون أن يصدر من الراهب "أشين ويراثو" أو غيره دعوة لعنف لأن البوذية ارتبطت عندهم بالسلام بينما أصبح الإسلام بنظرهم رديف العنف. وكان الراهب قد وصف المسلمين بأنهم "وباء يهدد بورما" و"آكلو لحوم البشر" يهددون النقاء العرقي والأمن القومي في البلاد وأنه لا أمان للبوذيين طالما بجوارهم نمر مفترس (يقصدون بذلك الأقلية المسلمة في إقليم أراكان). يقول الراهب البوذي هذا عن أقلية أذاقوها أصناف العذاب من قتل وترويع وحرق لمنازلهم وجثثهم وتضييق عليهم في العبادة والعمل والكسب حتى إن هذه الجماعة المتطرفة اكتسبت شهرتها عبر حملة علنية لمقاطعة تجارة المسلمين ومحلاتهم. هذا التصريح يصدر من الرهبان الذين تسببوا قي قتل المئات وتشريد الآلاف. يعيثون في الأرض فساداً ولا يجرؤ شخص على مخالفتهم، وقد حكمت محكمة في ميانمار على مسلم بالحبس سنتين لأنه أزال إعلان عن الجماعة المتطرفة "969" من محل تجاري بذريعة أنه أهان الديانة البوذية (حسب وكالة رويترز). إن وجود بلطجية "969" في البلاد أمر يبرره الرهبان والحكومة الديموقراطية، بل حتى المعارضة الليبرالية التي رفع الغرب من شأنها وصورها على أنها قدوة في احترام حقوق الآخرين والخيار الأمثل للبلاد، وكثير من أعضاء المعارضة من مؤيدي "أشين ويراثو" وجماعته الحاقدة على المسلمين وقد عبرت رئيسة المعارضة (أونج سان سوتشي) عن نفس العنصرية بترديدها أنها "لا تعلم إن كان الروهينجا مواطنين بورميين!!" مؤيدة بذلك الانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها الروهينجا. يدعي بأن الروهينجا نازحون من بنجلادش بالرغم من وجود قرابة الـ 270 قرية مسلمة في راكاين فيها 2033 مسجد و 1549 مدرسة تسعى الحكومة البوذية لتطبيع سياسة تهجير واستيطان للبوذيين وتحديد للنسل وطمس للهوية الإسلامية فيها.


أصدرت وزارة الشؤون الدينية في ميانمار بياناً رسمياً تندد فيه بعدد التايم وتدافع عن الراهب الحاقد مؤكدة للرأي العام الغربي أن البوذية "كما هو معلوم للعالم دين سلمي لا علاقة له بالعنف". وبالرغم من إصرار الإعلام الغربي على إظهار حرق البوذيين لمنازل الروهينجا أو عمليات التهجير أو القتل على أنها نزاعات عرقية بين طائفتين إلا أن الكثيرين يستغربون من مجرد تورط رهبان في نزاعات من أي نوع!! ذكر الكاتب الأمريكي مايكل جيريسون مؤلف كتاب "الحرب البوذية" في مقال نشر على موقع رليجس دسباتشس تحت عنوان "الرهبان المسلحون: اكتشاف العنف البوذي" ذكر الكاتب أن الصورة المتداولة عن الرهبان أنهم دعاة السلام أبعد ما يكون عن الواقع. وذكر أن هذا التصور منافي لتسلح الرهبان أنفسهم وخوضهم في صراعات دموية من أجل البقاء والسيطرة والصورة المثالية عن البوذيين المسالمين نتجت عن جملة من الكتابات البوذية والغربية في القرن المنصرم كما نتجت عن ترويج بعض النماذج الشعبية في ثورة الهيبيز في الغرب (التحرر والانحلال) لمشاهير جذبتهم ديانات الشرق الأدنى "حتى إنه بحلول 1960 أصبحت الثقافة العامة الأمريكية تصور البوذية على أنها مثيرة وغريبة بدلاً من بدائية." كما أن تزييف تاريخ البوذية كان له أثر، حيث وُضِع لها قناعٌ من السلام وحب الحياة بالرغم من أن تاريخ إقليم تبت حافل بصراعات دموية بين البوذيين أنفسهم حول خلافات فلسفية واعتقادية ناهيك عما قام به البوذيون من مجازر وجرائم وحشية ضد المسلمين عندما احتل البوذيون بورما عام 1784م. ولعل الأسباب وراء تزييف حقيقة البوذية متعددة ومتشعبة ولكن المؤكد أن الغرب لم ير في البوذية تهديداً حقيقياً أو بديلاً يمكن أن ينافس المبدأ الرأسمالي، لم ير الغرب أي خطر في هذه الفلسفة الظلامية التي تعتمد على حث الشخص على التميز عن أقرانه ليعيش موهوماُ بأفكار مبهمة تتركه فريسة لأهوائه وتشغله بأبحاث فلسفية معقدة عما وراء المحسوس. بالرغم من فشل البوذية في جذب المسلمين إلا أنها أصبحت ملاذاً لبعض الغربيين الهاربين من الخواء الروحي والمادية التي أنتجتها الرأسمالية المهيمنة على حياتهم، ولا غرابة في ذلك لأن هذه الفلسفة الوضعية هي بمثابة الوجه الآخر للعلمانية (اللادينية) المتنصلة من المسؤولية والاحتكام للشرع.


مثل هذه المِلل الباطلة تترعرع في كنف إمبراطوريات الشر وتزدهر تحت مسمى الديموقراطيات والتعددية الدينية. وكلما تمادت الحكومة البوذية المجرمة في ميانمار في غيها صفق لها الغرب ودعمها وجمل صورتها فتارة يزورها أوباما لتهنئتهم على المجازر وتارة تسقط عنها ألمانيا أكثر من نصف مليار يورو من الديون لدعم مشاريع التنمية مع تزايد موجات التهجير والإبادة العرقية ضد المسلمين (سكاي نيوز 22/6/2013) هذه الديموقراطية الازدواجية التي تدعو للشيء وضده حتى بان للقاصي والداني أنها قناع خبيث لكل ما هو سلبي. وخير مثال لهذا الهند أكبر ديموقراطيات العالم وأكثر الأماكن امتهانا للقيم الإنسانية. هل يعقل أن يوصف البوذيون الذين أخذوا تراث الناس ونهبوا ميراثهم بأنهم مسالمون محبون لحفظ الحياة؟ إنها تسير على خطى دويلة الشر الصهيونية فتستولي على تراث غيرها وتنكر وجودهم وتمحو أثرهم ثم تجد لها أبواقاً في الإعلام الغربي. البوذية بنفوذها الحالي على الأنظمة في منطقة الشرق الأدنى هي أبعد ما يكون عن الصورة السلمية المتداولة ويسعى الرهبان لإيجاد دول علمانية ذات صبغة دينية عنصرية يهيمنون عليها وتستمد قدسيتها منهم وغالباً ما يدفعون أتباعهم باتجاه العنف والنداء للعصبيات والتصفية العرقية. كيف يأمن المسلمون على أرواحهم مع هيمنة من يكفر بوجود إله ولا يؤمن بآخرة ولا عقاب وثواب بل على النقيض من ذلك يؤمن بالعودة الكارمية (العاقبة الأخلاقية)، أي أنه عائد باستمرار إلى العالم بإعادة الميلاد فيموت ليعود كفيل أو يعود حياة أخرى على هيئة دودة.


إن معضلة البوذيين الكبرى هي اعتناقهم لمعتقد منافٍ للطريقة العقلية في التفكير وتقيدهم بولاء وراثي لحفنة من الرهبان يعيشون في أوهام ويسعون جاهدين لتحقيق التوازن الروحي والارتقاء الإنساني الذي وعدهم به الوثن بوذا بينما يرون بأم أعينهم المسلمين وما هم عليه من أجواء إيمانية وثقة بالله وسكينة. المسلمون الروهينجا بالرغم من فقرهم وبؤس حالهم وما هم عليه من ويلات ينعمون بهذا الإيمان والتوازن الذي لا يجده الرهبان في صوامعهم. ثقتهم بالله الواحد القهار وإيمانهم به لا يزعزع ولم يزدهم طول الطريق وشدة المحن والترويع والحرق إلا ثباتاً ويقيناً فنراهم يُحرَقون ويرددون أحد أحد فردٌ صمد، لم يرتدوا عن دينهم ولم يقبلوا بغير الإسلام منهاجاً وكلما ازدادوا في ثباتهم ازداد الموهومون في غيهم وتنكيلهم حسداً من عند أنفسهم. يحقدون على قلوب أنارها الله بنور الإيمان ووجوه عليها آثار الدخان وقهر الظلم والكمد على خيانة وتهاون الإخوة في الدين ولكن صامدون حامدون مؤمنون وكأن هذا الإيمان مربوط بحبل من الله لا ينقطع وكأنهم يتطلعون للسماء ويرون بأعينهم ملائكة الرحمن تأتي لتنقذهم مما هم فيه وما هي إلا سويعات. إن مشكلة البوذيين في الشرق الأدنى هي رفض المسلمين بأن يقبلوا بغير الله دينا.


((أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ))


يا أهل النصرة والمنعة، أين أنتم من قول الله تعالى (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ)!! إن خذلانكم لإخوتكم وهم يحرقون أمام أعينكم لهو خزي الدنيا وعذاب الآخرة، ماذا أنتم قائلون لربكم حين يسألكم عن نساء المسلمين اللواتي يتاجر بهن في تايلاند أو تنتهك أعراضهن في ميانمار؟ إن الله حَييٌ كريمٌ غيورٌ ويُحبُ الغَيُورين وإن أعراضكم كأرواحكم أفلا تهبّون لنصرة أخواتكم المستضعفات؟! وإن كان منكم من فسدت فطرته ولا غَيرة عِنده فباطنُ الأرضِ أولى بهِ من ظهرها ونياشين الكون لن ترفع شأن من استصغر نفسه وفرط في عرضه وإن الله لسائلكم ومحاسبكم. اللهم هل بلغنا، اللهم فاشهد اللهم فاشهد.

((فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)) [الحجر: 92-93]


كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أم يحيى بنت محمد

المزيد من القسم سياسة

يا علماء الأزهر: الشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار!!

ذكرت جريدة اليوم السابع في 26/10/2015م، أنها حصلت على نسخة من تقرير مهم لمرصد الأزهر الشريف أكد فيه "أن التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة "جائزة"، ما دامت ليست من قبيل الاستعانة بالمشركين على المسلمين طلبا لخذلان المسلمين، كما ذكر أن من مقاصد الشريعة عمارة الكون ولتحقيقها تمت الاستعانة بهم في نواح عديدة، منها الإدارية والصناعية والكتابية والقتالية وغيرها، واستدل بأن الرسول r استعان حينما هاجر إلى المدينة برجل مشرك ليدله على الطريق، وكان له غلام يهودي يخدمه بالمدينة، ولما قدم إلى المدينة كتب معاهدة بين المسلمين واليهود جاء فيها: (وأن بينهم النصر على من داهم يثرب)، ولما توجه رسول الله إلى مكة عام الحديبية ووصل إلى ذي الحليفة أرسل عينا له من خزاعة يأتيه بخبر قريش، وكان ذلك الرجل مشركا"، ليختم قائلا: "أما التحالف مع غير المسلم في مواجهة جماعة متطرفة تهدد أمن المجتمعات وسلامتها فعلينا هنا أن نفرق بين من يستعين بالمشركين على المسلمين طالبا خذلان المسلمين، قاصدًا هدم دولتهم، هادفًا إلى إضعاف شوكة الإسلام، كارها مبغضا لهذا الدين وأهله، فهذه الحالة نهى عنها ربنا تبارك وتعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وبين من يفعل ذلك ردا لعدوان فئة باغية لا يستطيع رد عدوانها وحده، مع احتفاظه بسيادة دين الإسلام في بلده ظاهرا غالبا، فلا مانع له أن يستعين بغير المسلمين تحقيقا لمصالح المسلمين؛ ولضرورة أمن المجتمع وسلامته".

من الواضح جدا أن الوضع في الشام يلقي بظلاله على المنطقة كلها، وأن هناك ترتيباً وتحضيرات لكي تصبح مصر مخلبا من مخالب أمريكا في الشام بإدخالها إلى حلبة الصراع كما فعلت في ليبيا من قبل، كجزء من حلف أمريكا في حربها الصليبية الجديدة بعد أن أوشكت روسيا على الفشل، وحتى لا يغضب أبناء الكنانة لتحرك جيشهم تجاه إخوانهم في الشام، ويكون هناك مبرر لقمع من يظهر الغضب منهم، فلا بد من مبرر قوي وفتوى شرعية لخداع أهل الكنانة وأبنائهم في الجيش حتى لا يؤرقهم فيما بعد تلوث أيديهم بدم إخوانهم في بلاد الشام، وبدلا من أن يصدر مرصد الأزهر وعلماء الكنانة بيانا وفتاوى تحرم تلك التحالفات على أبناء الأمة وتجرم الدخول فيها، وتبين وجوب نصرة أهل الشام وأهل فلسطين وغيرهم ورد كيد أعداء الأمة من أمريكا ويهود والغرب الكافر، أصدر المرصد تقريرا أجاز فيه التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة، ما دامت ليست من قبيل خذلان المسلمين، وكأن قتل المسلمين ليس خذلانا لهم أو أنه قد أصبح أحد مقاصد الشريعة، ولا ندري من أين أتى المرصد بهذه الفتوى وما دليله عليها؟! ولا عن أي شريعة وأي مقاصد يتحدث؛ فمقاصد الشرع تحفظ النفس المسلمة لا تقتلها بتحالف مع عدو الله ورسوله وعدو الأمة، والمعلوم من قول رسول الله r «إنا لا نستضيء بنار المشركين» ورده على المشرك الذي لحق بالجيش «إنا لا نستعين بمشرك»، أما الاستعانة في الأمور الإدارية فلم يرد تحريمها، وهي تختلف جملة وتفصيلا عن الاستعانة في القتال فضلا عن قتال المسلمين، والأصل فيها الإباحة ولا يجوز قياسها على قتال أهل البغي من المسلمين بأي حال من الأحوال، فهي ليست من الأمور الإدارية وإنما هي أحكام شرعية لأفعال الأصل فيها التقيد بأحكام الشرع المستنبطة من أدلتها، وما أتى به النص الصريح هنا في قتال طائفتين من المؤمنين ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّه﴾ فالأصل في قتال طائفتين من المؤمنين أن نعمل على الإصلاح بينهما ثم يقاتل المسلمون، والمسلمون فقط دون غيرهم، الفئة الباغية طالما بقيت على بغيها حتى تعود عنه، ولا يجوز لهم أن يستعينوا بكافر على إخوانهم بعدوهم أبدا، فكما في الصحيحين «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وحتى نفصل في الفتوى يجب أن نستعرض واقع الأمة اليوم؛ حيث لا وجود لدولة إسلامية بالمفهوم الشرعي بل كلها بلاد إسلامية يسكنها مسلمون، يحكمها حكام ضرار مغتصبو سلطة وضعهم الغرب الكافر على رؤوس البلاد والعباد لرعاية مصالحه ولقهر الأمة واستعباد شعوبها للغرب الكافر، وكل من حاول الانعتاق من التبعية والتملص من ربقة الغرب يتسلطون عليه بسلاح ثمنه من أموال وأقوات الأمة واصفين كل من حاول الانعتاق بكل أوصاف التطرف والإرهاب والخروج.

وهنا مع هذا الواقع يكون واجب الأمة خلع هؤلاء الحكام وتنصيب خليفة واحد تكون رئاسته عامة لجميع المسلمين ويحصل الحكم ببيعة شرعية صحيحة ويحكم الأمة بالإسلام كاملا شاملا غير منقوص، ويكون له وحده حق تبني الأحكام الشرعية وسنها دستورا وقوانين، بهذا فقط يكون لدينا دولة إسلامية من حقها وحدها قتال البغاة والخارجين، أما هؤلاء الحكام وعلماؤهم وعملاؤهم فهم مغتصبون لسلطان الأمة محاربون لله ورسوله وأوليائه، وهم آخر من يقيم للإسلام وأحكامه وزنا أو احتراما في بلادنا ولا علاقة لهم لا بالشرع ولا بمقاصده، وأول من يدرك ذلك هم العلماء قبل عوام الناس من أهل الكنانة وغيرها، فلا يجوز لهم أن يبرروا ويشرعنوا خياناتهم في تجارة بالإسلام واستغلال واضح لجهل الناس بأحكامه لصالح حكام السوء ومن خلفهم الغرب الكافر عدو الإسلام والمسلمين، والذي يبررون الآن التحالف معه لوأد ثورة الأمة في الشام وغيرها، في محاولة يائسة لمنع عودة الخلافة على منهاج النبوة والتي أصبح نجمها يعلو في الأمة بعمومها والشام خاصة، والتي فضحت العملاء وعلماء السوء وأبت إلا أن تكشف كل متلون مخادع، ولن يبقى ثابتا إلا من يستحقون بحق أن يكونوا كأمثال الصحابة وأن تقام على أكتافهم دولة خلافة على منهاج النبوة يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض.

يا علماء الأزهر الكرام وأحفاد العز بن عبد السلام سلطان العلماء، لا تكونوا أكثر الخاسرين فتبيعوا دينكم بدنيا غيركم، ولن ينفعكم حكام السوء أو يغنوا عنكم من الله شيئا، فكونوا مع الحق الذي تعلمون وطالبوا أهل مصر الكنانة وجيشها بخلع حكام السوء وإعلانها خلافة على منهاج النبوة، ونصرة أهل الشام وفلسطين وسائر المستضعفين من أبناء الأمة، فهذا دوركم ودورهم، فأنتم ورثة الأنبياء وهم جند الله ورسوله ودرع الأمة وحماة الإسلام فحرضوهم على نصرة الله ورسوله تفوزوا وإياهم ويكون لكم وللكنانة السبق في ركب الجنة.

يا أهل الكنانة وعلماءها وجيشها، يا من كنتم للإسلام درعا وحصنا وكان للإسلام بكم عزٌّ ومنعة من للإسلام، إن لم يكن أنتم من ينتصر لحرمات المسلمات غيركم من يحرر الأقصى دونكم، إن الأقصى والشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار وخلف عدو من أعداء الله ولخدمة الغرب الكافر ولفرض نفوذه ومخططاته ومنع عودة الحياة الإسلامية من خلال خلافة على منهاج النبوة، وإنما تنتظركم أنتم جند صلاح الدين تحت راية رسول الله r، تنتظركم ناصرين فاتحين محررين كما عهد بكم، تنتظركم بأسا شديدا على أعداء الله ورسوله وعزا لدينه ومددا لأنصاره، واعلموا أن نصر الله قادم لا محالة، فليكن بأيديكم أنتم وليكن لكم السبق للفردوس الأعلى مع أنصار الأمس فإنها الجنة، والأيام القادمة أيام فاصلة فانحازوا فيها لما يحب الله ويرضى وانصروا إخوانكم في حزب التحرير واحملوا معهم مشروع الأمة المنبثق عن عقيدتها خلافة على منهاج النبوة تنهي التبعية للغرب الكافر وتعيد عز الإسلام وأهله وتعيد بلادنا سيدة الدنيا كما كانت، اللهم اجعله قريبا واجعله بأيدينا.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله عبد الرحمن

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

نعمة الأمن والأمان في الأردن

نتغنى في الأردن بالأمن والأمان، وإذا ما تكلم بعضنا بوجوب نصرة الشام والأقصى رد علينا آخرون بقولهم أنتم تريدون إشاعة الفوضى في البلد والقضاء على الأمن والأمان، ألا ترون ما حدث لأهل سوريا ومصر وليبيا واليمن وغيرهم؟

أقول لمثل هؤلاء: إن نعمة الأمن والأمان والرخاء الاقتصادي كان يتنعم بها أهل مكة، فقد آمنهم الله من الجوع والخوف بينما كانت القبائل من حولهم يغير بعضها على بعض فيقع فيهم القتل والأسر، قال تعالى مذكرا إياهم أنهم كانوا في أمان بينما غيرهم يعيش في خوف ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ فماذا حدث لأهل مكة؟ هل استمر الأمن والأمان؟ هل حافظوا على نعمة الأمن والأمان؟ قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾.

أطعمهم من جوع: أمان اقتصادي... كانت خيرات الجزيرة العربية والشام واليمن تجبى إليهم في رحلتين سنويتين، رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام، وآمنهم من خوف: كانت القبائل تسعى إلى ودِّهم لأنهم أهل الحرم،كما أن الرحلة في الصحراء إلى اليمن جنوبا والشام شمالا دليل على الأمن الذي تنعَّم به تجار مكة.

ولما بعث رسول الله r إليهم طلب منهم أن يحافظوا على هذه النعمة، كيف؟

اسمعوا قوله تعالى ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ

إذن المحافظة على الأمن والأمان تكون بطاعة الله عز وجل، وتنفيذ أوامره سبحانه في الحياة العامة، في الحكم والاقتصاد والاجتماع والتعليم والسياسة الخارجية، وليس الاقتصار على تنفيذ أمر الله في العبادات والأخلاق والمطعومات والملبوسات فقط، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ أي نفذوا أحكام الإسلام كلها، فلا يجوز أن نقصر الإسلام على جزء منه ونترك الباقي خوفا من أمريكا وأوروبا وغيرهما من دول العالم.

فحتى نحافظ على الأمن والأمان يجب تغيير الدستور إلى دستور إسلامي وتغيير النظام الحاكم من نظام علماني إلى نظام إسلامي، وأن تسترد الأمة سلطانها وتختار حاكمها لتبايعه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله r... وفي ذلك تحقيق لعبادة رب البيت.

وأما عصيان الله وإعلان الحرب على أحكامه الشرعية فهو خسران الأمن والأمان، والحكم بغير ما أنزل الله خروج عن طاعة رب البيت، والتنسيق مع روسيا في حربها على المسلمين في الشام خروج عن طاعة رب البيت، والمشاركة في التحالف الصليبي خروج عن طاعة رب البيت، وإباحة الربا باسم الحرية الاقتصادية، وإباحة التعري والسفور والاختلاط والمثلية الجنسية باسم الحرية الشخصية خروج عن طاعة رب البيت، وترك قطعان يهود يمارسون عربدتهم في الأقصى خروج عن طاعة رب البيت، وتأييد نتنياهو في تركيب كاميرات التجسس خروج عن طاعة رب البيت، وخذلان أهل سوريا وتركهم لبشار وروسيا وإيران وحزبها في لبنان خروج عن طاعة رب البيت، وإرسال الجيش الأردني ليحارب المسلمين بدلا من توجيههم لمحاربة يهود وتحرير الأقصى وفلسطين منهم هو خروج عن طاعة رب البيت...

أهل مكة رفضوا دعوة الله فخسروا الأمن والأمان.

انقسم المجتمع إلى مؤمنين وكافرين... أصبح الأخ يعادي أخاه والابن يعادي أباه والزوجة تعادي زوجها والعبد يعادي سيده. عصا العبيد أسيادهم، وعصا الشعب حكامه، وسموا زعيمهم أبا الحكم بأبي جهل. وأمر الله نبيه والمؤمنين بتهديد أبي جهل ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ ثم أمره أن يعلن الوصف الحقيقي لأبي جهل ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ ثم يستأنف التحدي والتهديد والوعيد ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ثم أمر رسوله والمؤمنين بعصيان الحاكم المجرم وإعلان التمرد على دستوره ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.

لو دخل أبو الحكم في الإسلام وعبد ربَّه الذي أعطاه الأمن من الجوع والأمن من الخوف لما فرق مجتمعه، ولو آمن زعماء مكة لحققوا شرفا ما بعده شرف، ولظل ذكرهم معطراً خالدا، ولكنهم رفضوا الشرف واستغربوا وعد الرسول r بالانتصار على فارس والروم، واتهموه بالجنون، ففقدوا الأمن والأمان وقُتلوا في معركة بدر، أين هم الآن؟!.. في الجحيم والعياذ بالله وقانا الله وإياكم ذلك المصير. أما أولادهم الذين آمنوا بدعوة الإسلام فقد حافظوا على نعمة الأمن والأمان وأصبحوا قادة البشرية.

ونحن في الأردن إذا لم نعِ الدرس وندرك أن الحفاظ على الأمن والأمان لا يكون إلا بعبادة رب البيت... فسنخسر الدنيا والآخرة.. نعوذ بالله من ذلك... وها نحن نرى بعض البوادر في فقدان نعمة الأمن والأمان من انتشار العصابات والعنف في الجامعات والعشائر وفساد الدولة ونهب المال العام والفقر والبطالة... وإذا لم نعد إلى ديننا عودة حقيقية فسيستمر الخسران حتى نجد أنفسنا مشردين لاجئين كأهل البلاد من حولنا... لا قدر الله.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نجاح السباتين – ولاية الأردن