ماذا وراء شراء أوزبيكستان طائرات مقاتلة من فرنسا؟
November 27, 2023

ماذا وراء شراء أوزبيكستان طائرات مقاتلة من فرنسا؟

ماذا وراء شراء أوزبيكستان طائرات مقاتلة من فرنسا؟

بطبيعة الحال، ينبغي لأي بلد أن يضمن الأمان والحماية والرفاهية لمواطنيه. وفي هذا الصدد، بدأت الحكومة الأوزبيكية في شراء أسلحة باهظة الثمن من بعض الدول المتقدمة من أجل تعزيز الإمكانات العسكرية للبلاد. وبحسب المعلومات التي نشرها موقع Qalampir.uz في 21 تشرين الثاني/نوفمبر، فمن المتوقع أن تشتري أوزبيكستان 24 طائرة مقاتلة من طراز Dassault Rafale من فرنسا، حسبما نقل موقع TS2 Space. وأفيد في 2 تشرين الثاني/نوفمبر، خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى سمرقند، بأنه ظهر اهتمام ثنائي بعملية الشراء عالية القيمة. كما استعرضت الجهود التي تبذلها أوزبيكستان لتحديث معداتها العسكرية.

قبل أن نشيد بهذا القرار الذي اتخذته الحكومة أو ندينه، دعونا نتحدث عن طائرة Dassult Rafale المقاتلة؛ حيث يبلغ سعر النسخة الرابعة المحسنة من هذه الطائرة المقاتلة العسكرية عام 2023، 124.95 مليون دولار أمريكي. لكن بحسب الخبراء، لن تتمكن أوزبيكستان من شراء هذه الطائرات في المستقبل القريب، لأن الشركة المصنعة، Dassault Aviation للطيران، تلقت العديد من الطلبات من قطر وكرواتيا وإندونيسيا، كما أنها تتفاوض مع السلطات السعودية. ولذلك عرضت فرنسا مقاتلات Dassult Mirage-2000 على أوزبيكستان كبديل، وهي طائرة مقاتلة تم إنتاجها في سبعينات القرن الماضي، وبالتالي هي قطعة خردة بالنسبة لفرنسا، ويقال إن السعر الحالي لهذه "الخردة" حوالي 30 إلى 70 مليون دولار الأمريكي!

ولعل الخبراء في هذا المجال لا يجرؤون على القول بأن مثل هذه الاتفاقيات الحكومية - بالنسبة لأوزبيكستان التي تشهد توترات اقتصادية مختلفة - ليست مشاريع ناجحة واعدة. ويحاول رئيس الدولة أن يسمي هذه الخطوة، التي يقوم بها دون تفكير ملي، بأنها "جهد من أجل سلام شعبنا"، لكن لا بد لشعبنا أن يعرف الحقيقة كاملة عنها. ومن المعروف أن القوات المسلحة الأوزبيكية لا تزال تمتلك طائرات مقاتلة من طراز سوخوي SU-24 وSU-25 وSU-27، وبطبيعة الحال، تعتبر هذه الطائرات بالفعل معدات قديمة، وقد طورت روسيا الآن بدائل محسنة للطائرات المقاتلة التابعة لبلدان أخرى ذات صناعة عسكرية متطورة. ومع ذلك، يقول الخبراء: "تتخذ أوزبيكستان خطوات ملموسة لتحديث قوتها الجوية، التي تحتفظ في قواعدها حالياً بمجموعة متنوعة من الطائرات المقاتلة، بما في ذلك الطائرات الهجومية والطائرات المقاتلة SU-24 وSU-25 وSU-27. إن الإضافة المحتملة لطائرات رافال إلى الدفاع لن تكون قفزة تكنولوجية فحسب، بل ستكون أيضاً تحولاً جيوسياسياً كبيراً في المشهد العسكري في آسيا الوسطى"، لكن في الواقع، هذه الأفكار ليست أكثر من مجرد خطابة لا جدوى فيها، وبعبارة أخرى، وبصراحة أكثر، لا شيء أكثر من تضليل الناس.

دعونا نلقِ نظرة فاحصة على عواقب هذه الاتفاقيات المالية المحفوفة بالمخاطر. لنفترض أن الحكومة الأوزبيكية لم تشتر 24 طائرة مقاتلة من طراز داسو رافال من فرنسا، ولكن اشترت بدلا منها النفايات القديمة داسو ميراج 2000 التي عرضها ماكرون، فهل يستطيع قيادة هذه الطائرات طيارون عسكريون محليون؟ بالطبع لا! وهذه مجرد بداية المشكلة. بادئ ذي بدء، سيتم بناء حظائر للطائرات، وسيتم جلب المتخصصين من فرنسا لتدريس عمليات الإدارة والحفاظ على تلك "العرائس" غريبة الأطوار. وسيتم نقل عدة مئات من شبابنا إلى فرنسا لتدريبهم كطيارين لهذه الطائرات. إجارة المطارات وأجرة تدريب المتخصصين - باختصار سعر "الحمار" الذي كان بعشر عملات معدنية. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه الطائرات، التي يطلق عليها وصف "العروسة"، هي نماذج قديمة - مثل "سيدة عجوز" مزينة - وغالباً ما تحتاج إلى إصلاحات، ويتم جلب قطع الغيار بالطبع من فرنسا. وفي نهاية المطاف فإن كل هذا سوف يكون أكثر تكلفة بالنسبة لأوزبيكستان، التي تغرق في مستنقع الديون إلى مستوى قياسي. ولإعطاء مثال أقرب، في عام 2011، اشترت أوزبيكستان 10 طائرات إيرباص من طراز A320 مقابل 85 مليون دولار. وعلى الرغم من كونها طائرات نقل مربحة، إلا أن أسعار التذاكر لا تزال مرتفعة بسبب الاستعانة بمصادر خارجية لمتخصصي الصيانة وقطع الغيار الضرورية. بالإضافة إلى ذلك، ليس من الصعب تخيل التكاليف الهائلة التي تذهب إلى الطائرات المخصصة للحرب فقط. وإذا علمنا أن ديون أوزبيكستان زادت بنسبة 80% تقريباً منذ عام 2017 ووصلت إلى 31.5 مليار دولار، فمن الأسهل بكثير تخيل المخاطر الكامنة وراء مثل هذه الاتفاقيات باهظة الثمن.

وهنا نتساءل، ماذا وراء شراء الحكومة لمثل هذه الطائرات العسكرية الباهظة الثمن، والمسيرات التي يقال إنها مستوردة من تركيا، وسعر كل واحدة منها 5 ملايين دولار؟ بمعنى آخر، ما هي الأسباب والعوامل التي تدفع الحكومة إلى مثل هذه الاتفاقيات؟ وهذا بالتأكيد موضوع يتطلب تفكيرا جديا. فهل هناك خطر ما على سمائنا الصافية؟ هل يحاول أحد ما أن يبدأ حرباً على شعبنا المسلم المضياف والكريم؟ وإذا قلنا إن الصين تريد الغزو فهذا خطأ، لأنها بالفعل موجودة في بلادنا حتى بدون حرب! أما بالنسبة لروسيا، فلا تزال نخبها السياسية تعتبر بلادنا أرضا لهم منذ 100 عام، بل إن النخبة الحكومية لم تتخلص بعد من وجهات النظر القديمة بشأن القضايا الأمنية الموروثة من عهد كريموف، ولا تنوي التخلص منها أبدا؛ وهي وضع المسلمين في مركز الأهداف ومحاربة الإسلام دائما تحت ستار الإرهاب والتطرف، لأن هذا الرأي يُصبّ في آذانهم من جانب أسيادهم المستعمرين مثل أمريكا وروسيا، وتنفيذه مطلوب بصرامة. ولذلك، يقاتل هؤلاء القادة الدمى بإخلاص ضد دينهم وشعبهم من أجل بقايا العظام التي يلقيها أسيادهم. وها هو العالم كله يشهد أن حكام العرب والمسلمين، الدمى، يحمون الصهاينة اليهود المجرمين في الأحداث التي تجري في فلسطين بشكل أكثر وأوثق من "قبتهم الحديدية".

وعليه، فإن هؤلاء الكفار المستعمرين يؤلبون المسلمين ضد بعضهم بعضاً دائماً ويخلقون حروباً مصطنعة بينهم لبيع أسلحتهم العسكرية البالية ويهدفون إلى الحصول على فوائد اقتصادية كبيرة. والأمر الأكثر حزناً هو أنه قبل 100 عام فقط، تحولت الأمة الإسلامية، التي كانت جسدا واحدا؛ إخوة لبعضهم، تحولت إلى أعداء وتم إذلالها تحت أسماء مختلفة؛ سنة وشيعة وإرهابيين ومتطرفين ومعتدلين،... وإضافة إلى ذلك عندما يصبح الصراع حرباً حقيقية بين الإيمان والكفر، فقد أصبح من الواضح الآن للجميع أنه بينما لا يزال هؤلاء الحكام الدمى يقفون ضد الأمة، فإن مثل هذه الأسلحة التي تم شراؤها بأموال المسلمين لن تعمل لصالحهم أبداً.

قبل عشرين عاماً بالضبط، عندما غزت القوات الأمريكية وحلفاؤها العراق، تم تدمير العديد من الأسلحة الهجومية والدفاعية التي كانت في أيدي الجيش العراقي، بالكامل. وحتى الآن، في غزة، أرض فلسطين المباركة، لم تطلق القوات المصرية ولا التركية ولا الباكستانية أي مدفعية أو طائرات مقاتلة ضد كيان يهود الغاشم، وقد أصبحت هذه الحقيقة المؤسفة لا تحتاج إلى دليل. وبطبيعة الحال، فإن المصير المأساوي لهذه الطائرات المقاتلة، التي تشرع حكومة أوزبيكستان في شرائها بالمليارات من أموال شعبها، لا يمكن أن يكون مختلفاً. ومن الضروري جداً أن يعرف شعبنا هذه الحقائق، ولا شك أن حتى ذوي الوعي القليل قد أدركوا ذلك...

والحقيقة أن الأمة قد بدأت بالتحرك؛ فاليوم، تتجه أنظار الدول الكافرة كافة نحو منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى على خلفية الأحداث في الأرض المباركة فلسطين. وإن هتافات الأمة عقب طوفان الأقصى التي ثارت ضد يهود الذين يقتلون أحبابنا في غزة، قد وضعت حدا لنوم وسلام الكفار. وكذلك تمت إزالة الأقنعة عن وجوه الحكام الدمى بالكامل، وقد عرفت حقيقة من يحكمونها. وبسبب هذا القلق، نرى أن هؤلاء الحكام الدمى، قد بدأوا يبحثون عن الإجراءات الأخيرة، ويسافرون في أنحاء العالم ويعقدون الاجتماعات ومؤتمرات القمة. لقد ألهمت غزة المسلمين حول العالم وأظهرت عظمة الرجال، وأن الدنيا تافهة، وأثارت الرغبة في الاستشهاد، وبدأت الأمة تغير مفاهيمها الخاطئة والرخيصة. لقد أدركت تماماً أنه لا يوجد خيار آخر سوى تعبئة جيوش المسلمين في حدث عالمي حاسم مثل مجزرة اليوم في غزة، وأنه من أجل الاستخدام الصحيح والفعال لقدرات الجيش، لا بد من أمير للمؤمنين، مثل عمر، والمعتصم... ونشأ في الأمة رأي عام ونضج لديها أن طلب النصرة ليس حكما شرعيا يجب أداؤه فقط بل هي ضرورة حياتية واقعية. والآن، تنتظر الخطاب الأول لخليفتنا، الذي سيقودنا من حالتنا السيئة إلى عزنا السابق، وهذا وعد الله الحق. يقول الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

إسلام أبو خليل – أوزبيكستان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر