مبادرة اليونيتامس  بين حبائل المستعمر وطوق النجاة
January 20, 2022

مبادرة اليونيتامس بين حبائل المستعمر وطوق النجاة

مبادرة اليونيتامس

بين حبائل المستعمر وطوق النجاة

في الثامن من كانون الثاني/يناير 2022م، أطلق المبعوث الأممي، رئيس بعثة اليونيتامس للسودان، الألماني الجنسية فولكر بيرتس مبادرة لجمع الفرقاء السياسيين في السودان إلى الحوار للخروج من الأزمة السياسية الحالية، وتهدف هذه المبادرة في نهايتها لاستعادة مسار التحول الديمقراطي وصولا لحكم مدني كامل في نهاية المطاف.

لقد وجدت هذه المبادرة فور الإعلان عنها ترحيبا كبيرا من دول عدة كأمريكا وبريطانيا ومصر والسعودية والإمارات ومنظمات دولية كالأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية.

إلا أن الوسط السياسي في السودان بدا منقسماً إلى مؤيد للمبادرة، ومرحب بها بشروط، وأيضاً رافضين باعتبارها شرعنة لانقلاب البرهان. أما المحللون والمراقبون للوضع فقد اختلفت رؤاهم حولها بين مشكك بفاعليتها لفك حالة الاحتقان للمشهد، وبين متفائل باعتبارها ستحدث ثقبا في أفق الانسداد السياسىي. على العموم هنالك العديد من الأسئلة المطروحة في الساحة التى تحتاج إلى إجابات بخصوص هذه المبادرة، ولكن قبل الخوض في تفاصيل البحث وحتى نضع الأمور في نصابها، نحتاج أولا إلى تثبيت بعض الحقائق المهمة التي ستعيننا على رؤية الواقع بشكل أوضح.

أولاً: إن جوهر الصراع اليوم في السودان ليس صراعا بين العسكر والمدنيين وإن كان قد تمظهر بذلك، وإنما هو صراع دولي على المصالح بين الدول الاستعمارية، وإن أدوات هذا الصراع هي الحكومات العميلة المرتبطة به والوسط السياسي المضبوع بثقافة الغرب الكافر، وإن الشعب هو وقود هذا الصراع. وما يؤكد هذا الأمر هو التدخل السافر من هذه الدول عبر المبعوثين والسفراء في إدارة شئون البلاد.

ثانيا: بما أن الصراع هو صراع دولي تديره الدول الكبرى أمريكا وبريطانيا من خلف الكواليس، فلا يمكن فهم تحركات الساسة والقادة بمعزل عن تحركات تلك الدول ومصالحها، لأن هؤلاء الحكام والسياسيين هم ظل هذه الدول وبيادق بيدها تحركهم كيف تشاء.

فأمريكا هي من تدعم العسكر وتقف وراءهم وإن كان موقفها المعلن خلاف ذلك، فالعسكر قاموا بعملية الانقلاب بعد ساعات من لقائهم بالمبعوث الأمريكي جيفري فيلتمان، وكذلك لم تعتبر أمريكا ما قام به البرهان انقلابا حتى لقد جاء على لسان المتحدث باسم البيت الأبيض نيد برايس: "إن أمريكا لا تعتبر ما قام به البرهان انقلابا عسكريا وإنما سيطرة عسكرية، فكلمة انقلاب تحتاج إلى تقييم قانوني".

وأما قوى الحرية والتغيير (المجلس المركزي) ونواته تجمع المهنيين، فإن بريطانيا هي من تقف خلفهم، بل وأمامهم أحيانا، فقد كانت ردة فعلها قوية على إجراءات البرهان، فقد صرح سفيرها بالخرطوم جايلز ليفر "أن بلاده تدين بشدة هذا الانقلاب"، بل ظهر بنفسه في مقطع فيديو بثته صفحة السفارة البريطانية في الخرطوم أدان فيه الانقلاب وحمل العسكر مسئولية المعتقلين ومسئولية إراقة الدماء. ويؤكد ما ذهبنا إليه تحركات السفير البريطاني السابق عرفان صديق في الاعتصام ولقاءاته المشبوهة مع قادة الحراك، وهو الذي استشاط غضبا عندما كشفت جهات خطاب حمدوك للأمم المتحدة لإرسال بعثة سياسية للسودان، كما أن بريطانيا هي من قدمت مشروع القرار للأمم المتحدة برفقة ألمانيا وغيرها. وهذا غيض من فيض لا يسع المقام لذكر المزيد لبيان عمالة الطرفين كل لسيده، وكل طرف يستخدم أدواته المحلية ويحركها من خلف الكواليس.

ثالثا: إن ما وصل إليه حراك أهل السودان، كان ولا يزال، نتيجة لغياب الوعي السياسي لدى الأمة، الوعي الذي يعني النظر للقضايا والأحداث والأمور من زاوية محددة، وهي زاوية الإسلام باعتباره عقيدة أهل البلد، لأن الوعي هو ما يعصمها من هفوات الغفلة والتضليل السياسي، وأن قمة هذا الوعي هو تحديد عدو هذه الأمة، وهم الكفار المستعمرون، فلا خير يرجى منهم ولا من أعوانهم وعملائهم.

فبعد استصحاب هذه الحقائق ووضعها نصب أعيننا، سنعيد قراءة المشهد، فنقول:

إن الباعث لهذه المبادرة هو حالة الاحتقان السياسي الحاد الذي وصلت إليه البلاد، هذه الحالة التي بدأت بشكلها الحالي منذ إجراءات الخامس والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر العام الماضي، حين قام البرهان بانقلاب عسكري أطاح بالمدنيين من الحكم، وأعلن حالة الطوارئ وجمد مواد من الوثيقة الدستورية، تلك التي وقعها مع قوى إعلان الحرية، والتي بموجبها تأسست شراكة حكم الفترة الانتقالية. فبعد هذه الإجراءات انفجر الشارع مجددا معيدا المشهد إلى نقطة الصفر، أي إلى ما قبل توقيع الوثيقة في آب/أغسطس 2019.

وبعد شد وجذب كبيرين أدرك العسكر أن الأمور لن تهدأ ولا يمكن استمرار الأوضاع بهذا الشكل، فأوعزت أمريكا للعسكر بإعادة حمدوك للمشهد لتهدئة الأوضاع، حيث التقت مساعدة وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الأفريقية مولي في بقادة البلاد "وحثتهم على الإفراج عن المسئولين الحكوميين والسياسيين المعتقلين بعد فرض الإجراءات الاستثنائية، وإعادة عبد الله حمدوك إلى منصبه"، وبالفعل بعد خمسة أيام أعلن عن الاتفاق السياسي الموقع في 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2021 بين البرهان وحمدوك وعاد الأخير بموجبه رئيسا للوزراء، لكن هذه الخطوة لم تفلح في تهدئة الشارع الذي اعتبر حمدوك خائنا ويعمل تحت إمرة العسكر، ورفع شعارات ثلاثة؛ لا شرعية ولا شراكة ولا تفاوض، فكان لا بد من إيجاد مخرج آخر.

وتحت ضغط الشارع وبإيعاز من بريطانيا أعلن حمدوك في بث متلفز في 2022/01/02 عن استقالته رسميا بعد أن كان يلوح بها لفترة، الأمر الذي أزم المشهد أكثر فأكثر، ما زاد الضغط بصورة أكبر على جنرالات الجيش عملاء أمريكا.

وبالرغم من محاولة العسكر ترويض الشارع بالقوة، ذلك الأمر الذي ظهر جليا في التعامل الدموي من الأجهزة الأمنية مع المتظاهرين في المواكب، حيث أعملوا آلة القمع العسكرية التي راح ضحيتها قرابة الـ65 قتيلاً حتى الآن - بين 25 تشرين الأول/أكتوبر حتى 13 كانون الثاني/يناير - إلا أنه رغم ذلك لم تخف حدة المظاهرات، بل زادت وتيرتها، فأصبح الوضع متدهوراً، فالعسكر رغم انفرادهم بالسلطة وسيطرتهم على مقاليد الأمور، إلا أنهم لم يسيطروا على الشارع، ولم يستطيعوا تكوين حكومة ولا الإتيان برئيس وزراء، ناهيك عن مجلس تشريعي أو إجراء انتخابات صورية مبكرة تعطيهم الشرعية.

ومع استمرار الوضع بهذا الشكل ودخول المشهد في نفق مظلم، كان لا بد من تحرك أمريكا لإخراج العسكر من مأزقهم، فقد صدر بيان من دول الترويكا (أمريكا وبريطانيا والنرويج) في 2022/01/04م، صرحوا فيه "لن تدعم دول الترويكا والاتحاد الأوروبي العمل الأحادي الجانب لتعيين رئيس وزراء جديد أو حكومة معينة دون مشاركة مجموعة واسعة من أصحاب المصلحة المدنيين. ولتجنيب مثل هذه النتيجة أي إدخال الدولة في صراع، نحث بشدة كافة الأطراف المعنية على الالتزام بحوار فوري بقيادة السودانيين وميسر دوليا"، وبعد هذا البيان بأربعة أيام أعلن فولكر عن هذه المبادرة.

ومن تدبر كل هذه الأمور نجد أن الهدف من المبادرة هو إلقاء طوق النجاة لعملاء أمريكا بقدر أكبر، وكذلك لعملاء بريطانيا، فالطرفان يسعيان للتهدئة والحوار، وما دل على ذلك، هو ما رشح من أخبار عن جلسة مجلس الأمن غير الرسمية، وذكرت مصادر أن فولكر قد أجاب عن تساؤل بخصوص نجاح المبادرة، قائلا "إن الطرفين نفسيهما يريدان مفاوضات غير مباشرة للمساعدة في حل الأزمة".

فالمبادرة بالنسبة للعسكر هي السبيل لفك الخناق عنهم وتخفيف ضغط الشارع عليهم، وبدرجة أكبر إضفاء الشرعية على موقفهم الراهن، باعتبارهم سلطة معترفاً بها من الأمم المتحدة وليست سلطة انقلابية.

أما بالنسبة للمدنيين فهم يدركون أنهم لن يستطيعوا الجلوس على كرسي الحكم عبر المواكب ولو استمرت الدهر كله، فالمواكب رغم استمراريتها، لكنها فقدت زخمها ودخلت نفق الروتين، فاستمرارها يسبب الإحباط واليأس وتزيد نقمة الشارع بسبب تعطيل معاش الناس وغلق الطرق والجسور، وخاصة مع تلويح العسكر بشيطنة الحراك وجره خارج إطاره السلمي، وأحداث الخميس وتصريحات المستشار الإعلامي للبرهان أبو هاجة تعتبر منعرجا خطيرا ودليلاً على الشيطنة، فزيادة أمد المظاهرات تشكل خطورة على موقف بريطانيا وعملائها، لذلك فالمبادرة هي أيضا طوق نجاة لهم، وبدرجة أكبر هي مدخل لعودة بريطانيا لمشاركة أمريكا في الحكم مرة أخرى، وفق قاعدة خذ وطالب، وما حالة التصعيد الثوري والرفض المعلن للمبادرة من عملائها إلا لرفع سقف التفاوض، ومحاولة إضعاف موقف العسكر لنيل أكبر قدر من المكاسب السياسية.

والخلاصة، إن هذه المبادرة هي حل وسط بين بريطانيا وأمريكا للوصول إلى وفاق لحظي، حتى يرتب كل طرف أوراقه ويستعد للمعركة القادمة. ومن هذا كله نخلص إلى حقيقة واحدة مفادها، أن هذه المبادرة تمثل طوق نجاة للعملاء من أزمتهم، لكن مثل هذه المبادرات المجربة أثبتت فشلها في كل من اليمن وليبيا وسوريا وغيرها ولن تخرج البلاد من أزمتها الحقيقية، إذن فما المخرج؟

إن المخرج الحقيقي وطوق النجاة لأهل هذه البلاد بل والعالم أجمع، يكمن حصريا وقولا واحدا في الإسلام، تطبقه دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة التي أظل زمانها، والتي سوف تقطع أيدي الكافرين العابثين في بلادنا، وتخلص البشرية جمعاء من فكرة الاستعمار الخبيثة وتقضي على المبدأ الرأسمالي النتن الذي ذاقت البشرية جراء تطبيقه الويلات، وتنشر نور الإسلام وعدله في أرجاء المعمورة بعد أن ملئت ظلما وجوراً، فإلى ذلك ندعوكم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أحمد رشاد – ولاية السودان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر