مدونة السلوك الوظيفي التي يسعى الحوثيون لفرضها على الموظفين هي صك عبودية
مدونة السلوك الوظيفي التي يسعى الحوثيون لفرضها على الموظفين هي صك عبودية

  أطلق الحوثيون الرؤية الوطنية لبناء الدولة اليمنية الحديثة عام 2018م بعد تفردهم بالسلطة لتؤكد أنهم برأسين؛ الأول يخاطب الأتباع والبسطاء ليدغدغ مشاعرهم بالثقافة القرآنية لتكوين جماعة جهادية ليكونوا وقودا للمعارك من أجل تثبيت سلطتهم وتحقيق المكاسب السياسية لهم. وأما الثاني فهو الذي يخاطب الدول، وهو الذي يمثل حقيقة الحوثيين؛ فهم جماعة علمانية تسعى عبر السلطة

0:00 0:00
السرعة:
January 10, 2023

مدونة السلوك الوظيفي التي يسعى الحوثيون لفرضها على الموظفين هي صك عبودية

مدونة السلوك الوظيفي التي يسعى الحوثيون لفرضها على الموظفين هي صك عبودية

أطلق الحوثيون الرؤية الوطنية لبناء الدولة اليمنية الحديثة عام 2018م بعد تفردهم بالسلطة لتؤكد أنهم برأسين؛ الأول يخاطب الأتباع والبسطاء ليدغدغ مشاعرهم بالثقافة القرآنية لتكوين جماعة جهادية ليكونوا وقودا للمعارك من أجل تثبيت سلطتهم وتحقيق المكاسب السياسية لهم. وأما الثاني فهو الذي يخاطب الدول، وهو الذي يمثل حقيقة الحوثيين؛ فهم جماعة علمانية تسعى عبر السلطة إلى تطبيق العلمانية بحذافيرها. ونظرة فاحصة لبنود هذه الرؤية نجد أنها رؤية علمانية تكرس فكرة الوطنية التي نجح الكافر المستعمر من خلالها بتمزيق جسد الأمة الإسلامية الواحد إلى أشلاء والمحافظة على هذا التمزق والانقسام إلى يومنا هذا.

كما أنها ركزت في أغلب بنودها على أن المشرع هو الإنسان، فهو الذي يحلل ويحرم، وهو الذي يحدد الفعل الحسن والفعل القبيح؛ وهذا تطاول على الله عز وجل ومنازعته في الألوهية فهو الإله الواحد الأحد الفرد الصمد، وهو وحده المشرع الذي يحلل ويحرم، وهو الذي يحدد الفعل الحسن والفعل القبيح، وهو وحده الذي يجب أن تنحني له الهامات وتنثني له القامات وتسجد له المخلوقات، قال تعالى: ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ والأمر هو التشريع.

وقد تضمنت هذه الرؤية إلى جانب التشريع الوضعي في مختلف الجوانب كيفية تنفيذها في الواقع العملي، فقد تم تكوين لجنة عليا لتنفيذها وقد أصدر القطاع الإداري للجنة العليا لإدارة الرؤية مدونة السلوك الوظيفي وأخلاقيات العمل في وحدات الخدمة العامة وهي مجموعة من القيم والقواعد السلوكية والأخلاقية والمهنية الملزمة لجميع الموظفين في جميع وحدات الخدمة العامة، والإطار المرجعي للمدونة قسمان:

الأول: المرتكزات الأساسية، وهي القرآن الكريم والهدي النبوي وعهد الإمام علي رضي الله عنه لمالك الأشتر ودروس ومحاضرات وخطابات الحوثي والهوية الإيمانية والآداب والأخلاق الإسلامية.

القسم الثاني: المراجع، وهي الدستور اليمني والقوانين والأنظمة ذات العلاقة، وثيقة الرؤية الوطنية لبناء الدولة اليمنية، واللوائح والعرف الإداري، والعادات والتقاليد الحميدة، ومدونات بعض الدول العربية.

وواضح من خلال الإطار للمدونة أن التشريع فيها هو للبشر وإن أوردت القرآن الكريم والهدي النبوي كمرتكزات أساسية لها فهو لذر الرماد في العيون، والمدونة تربط بين مدى الالتزام بأحكامها وقوانينها وإجراءات تقييم أداء الموظفين في أي موقع إداري، كما تهدف إلى المساءلة وتطبيق قانون الثواب والعقاب فيما يتعلق بالالتزام من عدمه بالمدونة، كما تسعى إلى إلزام الموظفين بتوقيع تعهد خطي بالالتزام بقوانينها وما جاء فيها من أحكام، ويحفظ ذلك في ملف الموظف كما جاء ذلك في أحد بنودها تحت عنوان ضمانات تطبيق المدونة والذي ينص على: (يقوم جميع الموظفين بتوقيع تعهد خطي بالالتزام بما جاء في المدونة وحفظه في ملف الموظف).

ويشمل التعهد الالتزام بما جاء في المدونة وأن يتحمل الموظف كامل المسئولية والإجراءات التأديبية المترتبة على مخالفتها، ولذر الرماد في العيون فإنها قد تضمنت آيات قرآنية في بعض صفحاتها، وعلى سبيل المثال فقد ورد في فصل المبادئ والقيم عند الحديث عن المبادئ الأساسية في أداء المسئوليات ذكر أن العبودية لله وإقامة القسط والتولي لله عز وجل ورسوله والمؤمنين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنواْ الَّذِينَ يُقِيمونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾.

وكذلك ورد الحديث عن القيم في أداء المسئوليات مع أدلتها من القرآن ومنها الرحمة والحكمة والرشد والإخلاص والإحسان والصبر والورع والصدق والأمانة والحلم والتواصي بالحق والتواصي بالصبر والعمل الجماعي والشورى والإتقان وإصلاح ذات البين واستشعار الرقابة الإلهية والإنصاف والبذل والتضحية والعفة والحشمة والوفاء بالعهد، ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ﴾ والتكريم للإنسان، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾.

وقد ذكروا على ما سبق أدلة من القرآن الكريم لإيهام القارئ أنها وثيقة شرعية لا تخالف الإسلام لتحريك مشاعر الموظفين نحوها فيسارعوا إلى التعهد بالالتزام بها والتقيد بما جاء فيها من قوانين وأحكام.

ونظرة خاطفة على بعض بنود المدونة يتبين أنها:

1- تكرس فكرة التشريع الوضعي وتمنح الإنسان حق التشريع ليحل ويحرم بينما التشريع هو لله وحده فهو الذي يحل ويحرم وهو الذي يحدد الفعل الحسن والفعل القبيح وهو الذي يثيب على الفعل الحسن ويعاقب على الفعل القبيح وهو وحده الذي يعلم ما يصلح الإنسان ويفسده في كل زمان ومكان. أما الإنسان فهو عاجز وناقص ومحتاج وعقله محدود لا يستطيع أن يحيط بكل ما يحدث حتى يضع التشريع المناسب الصحيح الذي يحل كل مشاكل الإنسان.

2- جعلت من المرتكزات الأساسية أقوال الأشخاص وآراءهم ومن المراجع الدستور والرؤية الوطنية والعادات والتقاليد والعرف والمدونات لبعض الدول العربية، ومعلوم غير مجهول أن الأسس التي تؤخذ منها أدلة الأحكام الشرعية هي القرآن الكريم والسنة النبوية وإجماع الصحابة والقياس الشرعي، فهذه الأربعة هي التي قامت الأدلة القطعية على كونها هي الأصول التي يبنى عليها غيرها وتؤخذ أدلة الأحكام الشرعية منها.

3- إنها صك عبودية لغير الله فهي تلزم الموظفين بالتوقيع عليها والتقيد بأحكامها والالتزام بكل ما جاء فيها حتى لو كانت بعض بنودها تخالف الأدلة القطعية وفيها سلب لإرادة الموظفين وجعلهم كالعبيد لا يخالفون لسيدهم أمرا ولا يرفضون له طلبا.

4- تمنح الحوثيين الحق في البطش بمن يخالفها بناءً على قانون المساءلة والثواب والعقاب وإسكات كل من يسعى للتمرد عليهم أو يحاسبهم على ظلمهم أو يأمرهم بمعروف أو ينهاهم عن منكر أو يرفض العمل لصالحهم خارج الدوام الرسمي.

5- إجبار الموظفين على الولاء لهم، وهذا يبين مدى ضعفهم وأن شعبيتهم متدنية للغاية وهم يتخوفون أن تشتعل شرارة الثورة ضدهم في أي لحظة فهم يحتمون بالقوة العسكرية والأمنية.

أيها الموظفون: إن المطلوب منكم هو رفض هذه الوثيقة التي تسلبكم الحرية الحقيقية (العبودية لله وحده) وتجعلكم عبيداً لبشر مثلكم، وأن تكونوا في مقدمة ثورة لها برنامج صحيح وواضح ومفصل ومشروع ينقل الناس جميعا إلى حياة كريمة يكون الناس فيها سواسية لا يستعبد بعضهم بعضا بل كلهم أحرار لأنهم جميعا عبيد لله وحده خالقهم. فإلى العمل الذي يؤدي إلى العزة والكرامة والنهضة الصحيحة ندعوكم، ولا يكون ذلك إلا بالعمل لإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة مع حزب التحرير لتحكم بشرع الله وتطبق ما أنزل الله فتخرج الناس جميعا من ظلمات الرأسمالية إلى نور الإسلام.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاشد قاسم – ولاية اليمن

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر