مدينة الخرطوم (الاجتماعية) معالجة الإفرازات بدل الجذور
March 25, 2019

مدينة الخرطوم (الاجتماعية) معالجة الإفرازات بدل الجذور

مدينة الخرطوم (الاجتماعية) معالجة الإفرازات بدل الجذور

أعلن معتصم السيد هاشم، المدير العام لوزارة التنمية الاجتماعية ولاية الخرطوم، عن افتتاح مدينة الخرطوم (الاجتماعية) يوم الاثنين المقبل، على يد رئيس الجمهورية عمر حسن أحمد البشير، الجدير بالذكر أن المدينة تستهدف فئات أهمها فاقدي الرعاية الوالدية بالتدريب والتأهيل والدمج، وأنشئت المدينة كمركز جامع للخدمات (الاجتماعية) تمتد مستقبلاً لاستيعاب عدد أكبر من المستفيدين. (2019/03/14 سونا)

لقيت هذه المدينة اهتماماً كبيراً من الدولة، وتتميز بالموقع الجغرافي الاستراتيجي الذي يحمل مواصفات قلّما توجد في المؤسسات السودانية المشابهة، وزيرة الرعاية الاجتماعية السابقة ولاية الخرطوم، أمل البيلي توضح سياسة الحكومة تجاه هذه المدينة فتقول في تصريح لها، إن مشروع المدينة الاجتماعية سيكون بذات المواصفات في بقية ولايات السودان، من خلال تخصيص مساحات بنفس الحجم، وشددت على ضرورة التغيير والتحول من سياسة الرعاية إلى التنمية، وصرحت أن الوزارة مسؤولة عن تقديم المهارات لفاقدي السند حتى يصبح هؤلاء المستهدفون، جزءاً أصيلاً من التنمية، ومن خلالها يتخرج هؤلاء المستهدفون باحترافية للمجتمع، ويستطيعون الدخول في سوق العمل باطمئنان كبير.

لا بد أن هذا الاهتمام الكبير لمثل هذا الصرح كان يجب أن يصب في اتجاه تجفيف منابع المشكلة التي تزداد يوماً بعد يوم، لأن الحكومة بتخليها عن تطبيق شرع الله في كافة المجالات هي المسؤول الأول والأخير عن تنامي هذه الظواهر في مجتمعاتنا، فبدلا من أن تصب اهتمامها كله في العناية الفائقة بهذه المدينة يجب أن تطبق شرع الله الذي هو العلاج الرباني لهذه الظواهر الدخيلة.

فمن أهم مقاصد شرع الله الحنيف، حفظ النسل من الضياع أو الاختلاط أو الانقطاع، فالناظر في الشريعة الإسلامية يجد الاهتمام البالغ بهذه المقاصد العظيمة، حتى إن المتأمل ليجدها غاية من وراء الأحكام والتشريعات الإسلامية التي تخص تنظيم علاقة المرأة بالرجل، نتلمسها في كل حكم وتوجيه شرعي أنزله الله سبحانه، لا تكاد تخفى أبداً، ولما كان لكل مقصد من مقاصد التشريع أهدافه الرامية إلى إصلاح العباد، فإن المراجع لمقصد حفظ النسل يجده يهدف إلى تحقيق أمرين اثنين هما: الأول: ضمان استمرار النسل دون انقطاع، وذلك من خلال سنة التزاوج بين ذكر وأنثى على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي سنة الأنبياء والمرسلين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النِّكَاحُ مِنْ سُنَّتِي، فَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِسُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»، والثاني: ضمان عدم اختلاط الأنساب، بحيث يلحق الولد بوالديه، فينسب لأبيه.

وهذا ما يُظهر بصورة جلية عناية الإسلام بهذا المقصد الشرعي العظيم، وإحاطته بالحدود الشرعية، والتعزيرات التأديبية التي يفتقدها مجتمعنا اليوم، وكل مجتمعات بلاد المسلمين، وهذا الشيء الأساس الذي أدى لانتشار فكرة دور الإيواء هذه بشكل متسارع. فقد بدأت المنظمة الدولية لقرى الأطفال اتفاقيتها مع حكومة السودان في العام 1974م وقبلها أنشأت (دار المايقوما) منذ الستينات وكانت تتبع في البداية لوزارة الصحة، وكان عدد الأطفال في البدء حوالي 17 طفلاً! وكان يجب أن تغلق أبواب الدار وتحول إلى حدائق أو مدارس، وذلك في نهاية السبعينات عندما تولت وزارة الرعاية الاجتماعية رعاية الدار، وخلال الثمانينات بلغ عدد أطفال المايقوما 100 طفل وفي العام 2000 بلغ عددهم 400 طفل، وخلال العام 2004 تفاقم العدد حتى أصبحت الطاقة الاستيعابية للأطفال غير كافية فأضافت داراً أخرى هي دار السلام.

لهذا الحد أصبح الوقوع في المحظور أمراً طبيعياً، بعد تغييب شرع الله الحنيف عن الدولة والمجتمع، ووقف العمل بحدود الله الرادعة، عندها اتسعت ساحة الفواحش، وكثر الواقعون فيها، وسهل تعاطيها لدرجة أصبح الإنترنت والإعلام بصفة عامة، يتخذون من المثيرات العاطفية في المجتمع تجارة رابحة، تثير الجنسين، وتذكي لهيب الشهوة بينهما، مما يدفع بالنساء إلى التبرج، والسفور، والاختلاط، ويثير الرجال فيقع الجميع في المحظور، ويعزى كذلك تفشي الظواهر المنحرفة التي تنتج اللقطاء إلى مسألة العولمة لأفكار الغرب، التي وجدت مجتمعات غير محصنة بشرع الله، تتلقف كل جديد، فالغزو الفكري وسهولة التواصل والحصول على المعلومة في ظل الإعلام المفتوح، فضلاً عن توفير خدمات مواقع (إباحية) متخصصة في توفير الأفلام والصور الخليعة، وكم هائل من المعلومات الطبية (للحد من تأثير العلاقات غير الشرعية على الصحة)، هذا النوع من الثقافات يعد دخيلاً على ثقافة أهل السودان المسلمين، كل هذه الوسائل لعبت دوراً في إدخال مفاهيم الرذيلة وسط الفئة الشبابية على وجه التحديد. ومما لا شكل فيه فإن تردي الوضع الاقتصادي لعب دوراً كبيراً في تفشي هذه الظاهرة، إذ إن هنالك العشرات ممن يتخذ من ممارسة الرذيلة مصدراً للرزق والدخل الحرام، الأمر الذي يظهر بصورة واضحة في زيادة معدل جريمة الزنا والإجهاض.

وشيئا فشيئا تخلت مناهج التعليم الموجه للسلوك العام عن إشاعة التربية الإسلامية الشاملة لكل جوانب الشخصية الإسلامية، وربطها برباط العقيدة القويم التي تعمر القلب بالإيمان، وتزين السلوك بالتقوى، بحيث يجد المسلم من نفسه واعظاً ورقيباً على سلوكه، استبدل بكل ذلك تحت إشراف منظمات الأمم المتحدة اليونسكو، ثقافة الغرب المادية التي لا تقيم وزنا للقيم والأخلاق، فضمنت الديمقراطية والحريات العامة حتى في مناهج التربية الإسلامية، (كتاب الصف الأول والثالث الثانوي)، كل ذلك مقابل الدعم المادي للتعليم.

حتى المجتمع في ظل التغلبات والأزمات الاقتصادية المتلاحقة، والتغيرات في مستوى المعيشة، قد تخلى عن السعي الاجتماعي الجاد في إعفاف الشباب من الجنسين، من خلال الزواج، وبناء الأسرة، وإشاعة ثقافة الزواج المبكر، وتقديم العون والمساعدة للأسر والشباب، التي كانت في الماضي سمة سائدة، ساعدت في تزكية المجتمع وطهره، ولكن أصبح الزواج المبكر مثار جدل في الإعلام للحركات النسوية بوق الغرب الاجتماعي.

نعم إن المجتمع لن يصبح في يوم من الأيام مجتمعا ملائكياً، ولكن يمكن أن يكون مجتمعاً تسوده الفضيلة وتصبح المشكلات الاجتماعية استثناء، بدلاً من أن تصبح من المسلمات، وتفتح لها دور اللقطاء، وتنفق عليها الميزانيات، ويمكن كذلك أن يصبح مجتمعاً تسوده قيم تنبع من الإسلام، بدلاً من القيم المستجلبة من مجتمعات التفكك الأسري والإباحية، وسيصبح المجتمع كذلك عندما يعمل أفراده على محاربة أصحاب الأجندة الشيطانية؛ من حركات نسوية ونافذين، الذين يعملون ليل نهار على ربط المجتمع بالغرب الكافر، باتباع أجنداته التي تحمل جاهلية القرن الواحد والعشرين، التي فاقت الجاهلية الأولى! فلا نخوة ولا كرامة، ناهيك عن القيم الروحية، التي لا إيمان بها... تحت دعاوى الليبرالية والديمقراطية والشيوعية، وغيرها من أمراض العصر الحديث.

إن حاجة مجتمعنا ماسة ومستعجلة لإقامة حدود الله تعالى، المقررة في الشرع، على من تلبس بها، وهي أقوى مهذِّب لسلوك البشر، فإن إقامة الحد على من يستحقه، كفيل بأن يطهر صاحبه، ويردع الآخرين، بل هو خير لأهل الأرض عموما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إقَامَةُ حَدٍّمِنْحُدُودِ اللَّهِ خَيْرٌمِنْمَطَرِ أَرْبَعِينَلَيْلَةً فِي بِلَادِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ». (صحيح البخاري 2537)، يصوّر هذا الحديث خير تطبيق الحدود بخير مطر أربعين ليلة، فكما أن المطر يتساقط على الأرض فيحييها ويجعلها خضراء تسر الناظرين، فإن تطبيق الحدود يحيي الناس ويرتقي بهم وينشر الطمأنينة والسرور بينهم، وهذا التشبيه ليس عبثاً، بل لتصوير عظمة الخير الحقيقي الذي يجلبه تطبيق أحكام الله في الأرض، وهنا تجب الإشارة إلى أن الحدود التي وضعها الله سبحانه وتعالى، وكذلك العقوبات التعزيرية، لا ينفّذها إلا ولاة الأمور الذين وكّلهم الناس ليحكموهم بشرع الله، وليس حكاماً يخصصون الميزانيات والتشريعات الوضعية لمدن اللقطاء، وهي إفرازات لعدم تطبيق حدود الله، بدلاً عن قطع المشكلة من جذورها بإقامة شرع الله الحنيف.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الأستاذة/ غادة عبد الجبار (أم أواب) - الخرطوم

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر