مِنْ وراء عملية نيوزيلندا الإرهابية... لاحت لنا في الأفق رومية
March 25, 2019

مِنْ وراء عملية نيوزيلندا الإرهابية... لاحت لنا في الأفق رومية

مِنْ وراء عملية نيوزيلندا الإرهابية... لاحت لنا في الأفق رومية

لا شك أن الرصاص الخارق لصدورنا والبراميل المتفجرة فينا والقنابل الفسفورية الحارقة لأجسادنا والغازات السامة التي تفنينا مثل الحشرات تؤلمنا وتحزننا وتبكينا، ولكن رصاصات هذا الإرهابي الأسترالي الذي هجم على مسجدين للمسلمين في نيوزيلندا وقتل منهم العشرات بدم بارد ألمها من نوع آخر، فهي بمثابة إبر التلقيح تؤلم في البداية ولكن بعد ذاك الألم تأتي بالشفاء من داء الشلل المزمن والجمود والكسل. نعم رصاصات هذا الإرهابي المجرم نعتبرها إبر تلقيح وأقراص تنشيط للذاكرة وتحفيز للهمة. لأنها تنشط الذاكرة الخاملة بتلكم الرموز والأسماء والتواريخ لوقائع وأحداث مرتبطة بالحقبة الصليبية والفتوحات الإسلامية، وتحفز الهمة لتنتهي بها حياة اللامبالاة فتنتبه الأمة إلى الخطر الذي يحيط بها، فتنهض من رقدتها وتفيق من غفلتها وتستعد لعدوها الذي يتربص بها الدوائر ويخطط للقضاء عليها بالكامل. فهذه حقيقة صارت مكشوفة ويؤكدها هذا الإرهابي الحاقد الذي لم ينس ماضي أسلافه ويخطط للمستقبل.

فهذه الحادثة الأليمة قد يراها البعض شرا أصاب المسلمين، وقد يراها آخرون خيرا لأنها من المنبهات لهم. وهكذا كل طرف سيحكم عليها بحسب نظرته لها. فمن ينظر إلى عدد الضحايا الذين سقطوا فيها سيحكم عليها بأنها شر. ومن ينظر إلى المكان الذي وقعت فيه العملية والرسائل التي وجهها هذا الإرهابي إلى المسلمين ليخيفهم ويردعهم ويكسر إرادتهم سيحكم عليها بأنها خير. فعقولنا القاصرة عن معرفة الغيب والاطلاع على حكمة الله وقدره قد تحكم بأحكام خاطئة على مثل هذه الأحداث. إذ ليس كل ما نكرهه هو شر وليس كل ما نحبه هو خير، كما أنه قد يكون فيما نحسبه شرا حكمة من حكم الله، وقد يكون فيما نحسبه خيرا ابتلاء واختبار من الله، قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]. فلو استبشرنا خيرا وتدبرنا في كتاب الله ونظرنا في آياته لنستقرئ ما يظهر لنا فيها من الحكم الإلهية لاكتشفنا بعضا من حكمه التي قد تغيب عنا ولا نتفطن إليها ساعة الصدمة.

فمثلا من حكمته سبحانه وتعالى استدراج العدو الكافر، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: 182-183]. ومن أمثلة هذا الاستدراج أن يمتلك العدو الظالم أسباب القوة فإذا ما امتلكها تحول إلى وحش فاقد للرحمة والإنسانية. ذلك أن المصابين بداء الكبرياء والاستعلاء إذا ما امتلكوا وسائل القوة والجبروت فرحوا بما أوتوا واغتروا بقوتهم وارتفعت فيهم شهية استعباد البشر والتسلط على من دونهم من المستضعفين. فتكون القوة التي في حوزة الظالم الغاشم المستكبر نوعا من أنواع الاستدراج له، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: 44]. ثم يتم استدراجه أكثر فأكثر حتى يكشف بنفسه عن وجهه القبيح، لأن الظالم المستكبر المتسلط بقوته وجبروته على البشرية مهما حاول أن يلعب دور المعلم والمرشد ويصطنع شخصية الإنسان الوديع المحب للسلام ليخفي حقيقة وحشيته، فإن شخصيته المتغطرسة تفقده في لحظة ما التحكم في كبت نفسه الشريرة فيبوح بما في صدره من بغض وعنصرية وكراهية وحقد وعداء فيعبر بلسانه على ذاك الذي بداخله بمصطلحات تهدم أوهام حقوق الإنسان والتعايش السلمي والتسامح الديني والحرية وكل الشعارات والقيم التي يدندن حولها، قال تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: 118]. وهكذا يكشف العدو الكافر عن خلفيته العدائية لأمة الإسلام ويتجرأ عليها ويعلن الحرب على إسلامها، وإذا ما حصل منه ذلك فقد وقع من حيث لا يشعر في فخ هذا الاستدراج؛ لأنه اصطدم مع الأمة وألقى بنفسه عليها ووقف في طريقها وتسلط عليها بمثل هذه العنجهية وهي الأمة الوحيدة التي تختلف عن باقي الأمم والشعوب، لأنها أمة تنام لحينٍ ثم تنهض وإذا ما نهضت كنست عدوها كنسا تاما حتى لا تبقي له أثرا، والتاريخ خير شاهد على ذلك.

ولو ربطنا الآن مصابنا الجلل في إخواننا بنيوزيلندا بماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، كما ربط هذا الإرهابي ماضي أمته وحاضرها ومستقبلها وحرر في ذلك عدة صفحات ورسائل ثم كتب ملخصها على سلاحه، وبدأنا بسرد قصة مصائبنا من بداية تأريخ الهجمة الاستعمارية الصليبية الغربية على ديارنا ثم هدم الخلافة وتقسيم بلادنا الإسلامية إلى دويلات هزيلة ونزع الحكم منا وتسليمه لشرذمة حقيرة من الخونة والعملاء ليتحكموا في مصيرنا بالنيابة عن المستعمر الكافر وما نتج عن ذلك من سلب ونهب لثرواتنا واستيلاء على مقدراتنا،... إلى أن نصل بقصتنا إلى حاضرنا المؤلم والمؤسف، لرأينا أنه منذ بداية ذاك التأريخ المشئوم الذي انهارت فيه حصوننا وأسقطت فيه خلافتنا ونحن نعيش خارج مناطق الأمان، فلا يوجد لنا اليوم بقعة جغرافية واحدة على وجه الأرض يمكننا أن نعيش عليها بأمان وسلام، سواء أكانت هذه الرقعة الجغرافية ضمن دويلات "سايكس بيكو" أم كانت ضمن البلاد الغربية صاحبة السيادة والنفوذ على العالم، لذا لا يتوهم الفارّ من بطش واضطهاد طواغيت بلده أنه سينعم بالعيش الآمن في بلاد الغرب صاحب الخلفية الصليبية الاستعمارية، الذي بسببه تغيرت أحوالنا إلى هذه الحال وتكدست علينا المصائب.

من هنا يجب أن نبدأ في التفكير الجاد بعدما وخزتنا إبر هذا الإرهابي كما قلت، لننظر بعمق في ملفاتنا ونقلب أوراقها التي فيها تفاصيل قضيتنا وندرسها دراسة تحليلية، التي كان من المفترض أن ندرسها من قبل أن تتضخم فينا المصائب، لكن للأسف قد غفلنا عنها فيما سبق ولم نكترث لها ولم نهتم بها كما يجب أن يكون الاهتمام؛ فعلينا اليوم أن نفكر بجد في الأسباب والمسببات التي أوصلتنا إلى هذا الواقع المخزي والمؤلم لنبحث له عن العلاج الجذري الذي ننهي به هذه الحياة الكارثية التي يسعد لها عدونا.

فبين أيدينا اليوم مئات الملفات، بعضها يحتوي على وثائق وشهادات وروايات للمجازر الدموية التي وقعت على الأمة، وهي ملفات لم تغلق بعد لأن المجازر ما زالت متواصلة ولم تنته، وبعضها الآخر يتضمن وثائق وتقارير وشهادات عن الحرب الشرسة التي تستهدف عقيدتنا وديننا.

فأما ملفات المجازر الوحشية فإنها توثق تواريخ كل المجازر التي حصلت فينا، وأسماء الذين استعملوا سلاحهم فينا قديما وحديثا، وأعداد المسلمين الذين قتلوا فيها، والبلدان التي وقع عليها العدوان والشعوب التي عانت من ويلاتهم. وهؤلاء الذين قاموا بهذه المجازر وعمليات التطهير العرقي بعضهم من الاستعماريين المعروفين مثل بريطانيا وفرنسا وأمريكا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا ولحقت بهم روسيا حاليا، وبعضهم من غير الاستعماريين لكنهم مارسوا وما زالوا جرائمهم علينا لأنهم يحقدون على الإسلام والمسلمين مثل الهند والصين والصرب وكيان يهود الذي يريد إبادة إخواننا في فلسطين. فكل تلك الدماء الزكية التي سالت على الأرض أنهارا في أفريقيا وآسيا وأوروبا هي دماء المسلمين التي لن ننساها.

وأما الملفات التي توثق الحرب التي تستهدف عقيدتنا وديننا وهويتنا فهي ملفات الداخل التي تذكر تقاريرها تفاصيل الحملة الشرسة على الإسلام والمسلمين، والعجيب في هذه الحملة المسعورة على الإسلام أن قائمة المنخرطين فيها لا تقتصر على الحفنة الحقيرة من العلمانيين واليساريين والإلحاديين الحاقدين وإنما أضيفت إليها مجموعة من كهنة معابد السلاطين من فئة الشيوخ المنحرفين الذين يتاجرون بالدين، ولذلك أخذت هذه الحملة بالتعاون مع أولئك الكهنة طابعا جديدا وخطيرا. فلقد خططوا لها عدة أساليب وطرق لإفساد العقيدة وطمس معالم الدين، حيث قاموا بتغيير مناهج التعليم وتنقيتها من روح الإسلام وتعاليمه، كما تم تزوير تاريخ الأمة فغيروا المصطلحات لينقلب الجهاد إلى عدوان غاشم، والفتوحات إلى غزو واحتلال، والخلافة الإسلامية إلى إمبراطورية استعمارية، وأما رجال الأمة المصلحون وقادتها وأبطالها المشهورون وعظماؤها الميامين فقد تم تجريمهم وتشويه سمعتهم، وأما الخلفاء فقد تم ربط تاريخهم وسلوكهم بالمكائد والمؤامرات على بعضهم البعض وبحياة البذخ والترف ومجالس الخمر والشعر والقانيات والمعازف وما إلى ذلك من الفسوق والمجون، حتى صرت حينما تقرأ عن تاريخهم وسيرهم وحكاياتهم كأنك تقرأ في كتاب ألف ليلة وليلة، وهكذا أخذت الحرب على الإسلام مجراها حتى شملت الطعن والتشكيك في الكنز الثمين لتراثنا الفكري والتشريعي والقضائي والسياسي والأدبي الذي سهر عليه جهابذة العلم وأساطينه واجتهدوا فيه أيما اجتهاد لتحصين هذه الأمة وحفظها من التلف والضياع، إلى أن وصل بهم الأمر إلى مهاجمة السنة الشريفة والتشكيك في البخاري ومسلم...

ذلك فيما يتعلق بالإسلام عقيدة ومنهاجا وتراثا. وأما ما يتعلق بالمسلمين أنفسهم، فقد عملت الدول الوكيلة عن الدول الاستعمارية الكافرة على قطع صلتهم بالماضي ومسخ هويتهم الإسلامية بتشكيل عقلياتهم على أساس الثقافة الأجنبية التي اشترطها الكافر المستعمر عليهم، ولذلك ترى الدول العميلة في كل دعوة تعمل على ربط حاضر المسلمين بماضيهم وتحث على التمسك بالهوية الإسلامية الخالصة؛ ترى فيها دعوة ضدها وانقلاباً على منهجها وبالتالي هي حركة ردة ورجوع إلى الماضي والويل ثم الويل لمن انخرط في هذه الدعوة المضادة لسياسة الدولة وتاب وتصالح مع الله وتردد على المساجد واحتك ببعض الجماعات فذاك بدأت تظهر عليه علامات هذه الردة والتطرف! ومن ثمة تبدأ أعين المخابرات تراقبه عن كثب وأذن المخبر تلتصق به، وتفتح في شأنه مباحث الدولة حسابا خاصا به تسجل فيه جميع حركاته وسكناته واتصالاته، وإذا ما أسعفه الحظ ونجّاه الله من سجونهم وحبال مشانقهم وشق طريقه نحو اللجوء إلى بلد آخر يظن فيه أمانه وسلامته وراحته؛ فإنه سيكتشف بعد حين أنه كان واهما، فهو في بلده يعتبر أصوليا متطرفا ومتشددا وأعين الدولة تراقبه عن كثب، وفي بلد اللجوء التي لا تخفي حكوماتها وأحزابها ومجتمعاتها كراهيتها للمهاجرين إليها - يعتبر إرهابيا وخلية نائمة تحت المراقبة الدائمة، وحادثة نيوزيلندا وما قبلها من حوادث مشابهة لها خير دليل على هذا الكره.

وكما ترون فإن قصتنا مؤلمة وموجعة أكثر بكثير من حادثة نيوزيلندا، لكن الميزة التي تميزت بها هذه الحادثة الأخيرة أنها جعلتنا نفكر في الحكمة الإلهية الخفية فيها، نعم فيها حكمة قلّ من يقف عليها ويتفطن إليها. فحكمة الله هذه المرة اقتضت أن يخرج علينا هذا الإرهابي بتلك الشعارات الصليبية الحاقدة ليحرك بها الماء الراكد ويهز بها المسلمين هزة تحرك همتهم وتلهب مشاعرهم فتشحن صدورهم بالغيرة على دينهم وإخوانهم. فالله سبحانه وتعالى يهيئ بمثل هذه الأحداث المستفزة والخطيرة نفسية المسلمين ويعدها إعدادا محكما لتكون من بعدُ على استعداد تام لاستقبال حدث ضخم وعظيم هي في انتظاره منذ عقود. فهذه الأمة تنتظر بحرقة المنقذ والمخلّص لها من هذا التخلف والبؤس والشقاء. ولذلك كلما ظهر لها شخص ما يزعم أنه المنقذ والمخلّص توسمت فيه الخير وتعلقت به، غير أنها سرعان ما تصاب بالخيبة فيه من بعد أن يكشفه الله على حقيقته فتتبخر أحلامها على أمل أن يظهر غيره، وما نراه اليوم من تعلق آمال بعض البسطاء بالدجال أردوغان ظنا منهم أنه منقذ هذه الأمة ومخلصها من هيمنة الكفار لهو خير دليل على ذلك. وهكذا كلما ضاقت الحلقة واشتدت الأزمة عادت الأمة إلى ربها واستغاثت به ليبعث فيها حاكما مثل عمر يحكمها بالعدل، أو ببطل مثل صلاح الدين ليحررها من مخالب سباع الاستعمار الغربي الصليبي، وهكذا كلما ازدادت فيها الفواجع والمصائب ازدادت معها شدة حرارة الشوق إلى هذا المنقذ. وبالتأكيد لن يكون هذا المنقذ ملكا ينزل عليها من السماء ولا هو المهدي المنتظر ولا الإمام الغائب صاحب السرداب ولا نسخة مطابقة لكذاب تنظيم الدولة، وإنما سيكون بإذن الله رجلا صالحا ومخلصا من هذه الأمة الذي يسعى العاملون للخلافة إلى تنصيبه. فلما يظهر هذا القائد المنقذ والسياسي المحنك وتقام على يديه الخلافة الحقيقية وينادي في الأمة وا إسلاماه حينها سترى العجب العجاب من هذه الأمة، وسترى كيف ستهب جموعها من الشرق والغرب لتلبي النداء، وسترى يومها تلك النفسيات التي أعدها الله بمثل هذه الأحداث المستفزة لعزتها وكرامتها أسمى البطولات وأغلى التضحيات، وعندها سيأتي الرد المزلزل من الأمة على رسالة هذا الإرهابي الأسترالي الذي دعا فيها بني قومه إلى أن يجندوا أنفسهم لاسترداد القسطنطينية من الأتراك لتقول له: "يا ابن الصليبيين تلك كانت بشرى الرسول الأولى وقد فاز بها أسلافنا فأوجعوكم بها فلا تحلم باستردادها منا فلن نفرط فيها إلى يوم القيامة ونحن الآن قادمون لفتح رومية لنفوز بالبشرى الثانية لرسولنا وقائدنا العظيم محمد عليه الصلاة والسلام"، فـعن عبد الله بن عمرو قال: بينما نَحنُ حولَ رسولِ اللَّهِ e نَكْتبُ إذ سُئِلَ رسولُ اللَّهِ e: أيُّ المدينَتينِ تُفتَحُ أوَّلاً: قُسطنطينيَّةُ أو روميَّةُ؟ فقالَ رسولُ اللَّهِ e: «مَدينةُ هرقلَ تُفتَحُ أوَّلاً يَعني قُسطَنطينيَّةَ». [أخرجه أحمد شاكر وأخرجه أحمد واللفظ له وإسناده صحيح، وابن أبي عاصم في "الأوائل"، والدارمي]. ونحن واثقون من وعد الله ورسوله وعلى يقين بأن الخلافة ستقوم وأن الإسلام سيعم الأرض ويدخل كل بيت رغم أنف الأعداء والحاقدين، عن تميم الداري قال: قال رسول الله e: «ليبلُغنَّ هذا الأمرُ مبلغَ اللَّيلِ والنَّهارِ، ولا يترُكُ اللَّهُ بيتَ مدرٍ ولا وبرٍ إلَّا أدخلَهُ هذا الدِّينَ بعزِّ عزيزٍ أو بذُلِّ ذليلٍ، يعزُّ بعزِّ اللَّهِ في الإسلامِ، ويذلَّ بِهِ في الكفر» وَكانَ تميمٌ الدَّاريُّ رضيَ اللَّهُ عنهُ، يقولُ: قد عَرفتُ ذلِكَ في أَهْلِ بيتي لقد أصابَ مَن أسلمَ منهمُ الخيرَ والشَّرفَ والعِزَّ، ولقد أصابَ مَن كانَ كافراً الذُّلَّ والصَّغارَ والجِزيةَ. [حديث صحيح على شرط الشيخين عند الحاكم في المستدرك]. وعَنْ أَبِي أَسْمَاءَ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e: «إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا...» [طرف من حديث رواه مسلم].

وبهذا الاستعداد النفسي والقيادة الحكيمة ستسترد الأمة في بضع سنين كل ما خسرته وضاع منها خلال هذه القرون السوداء، ويومئذ يتجلى لنا الشق الآخر من حكمة الله في تمديد عمر الهيمنة الغربية الصليبية على البلاد الإسلامية فندرك حينها أن ذاك التمديد ما كان إلا للمكر بهم من حيث لا يشعرون. ذلك أنه كلما طالت مدة هذه الهيمنة زاد المستعمر الغربي الصليبي اطمئنانا، لأنه يرى العالم الإسلامي في حالة سبات عميق وأنه على طول هذه الفترة لم ير منه أي خطوة جادة ذات وزن تهدد كيانه وتعمل على اقتلاعه من جذوره والقضاء على وجوده، فغرته حالة الجمود والكسل المتفشية فيه فظن أن أمر هذه الأمة قد انتهى ولن تعود إليها الحياة من جديد، ولن تقوم لها قائمة إلى الأبد، فاطمئن واستقر، وازدادت ثقته بنفسه وقدراته وعلوّه، فراح يتطاول أكثر فأكثر على المسلمين ويتمادى يوما بعد يوم في قتلهم واستفزازهم والسخرية منهم ومن دينهم ومن رسولهم وكتابهم، وبهذا الاستفزاز المتواصل والعدوان المستمر تزداد الأمة حنقا وغضبا وغليانا وتبدأ تلف وتدور وتتخبط وهي تبحث عن الحل؛ والحل محمول على ظهرها ألا هو إقامة الخلافة. وستبقى الأمة هكذا بين مطرقة الكافر وسندان العميل ما لم تخضع لهذا الحل الوحيد والفريد الذي لا خيار لها عنه، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «...ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ»، ولم يقل.. ثم تكون إمبراطورية أو ملكية أو جمهورية أو غير ذلك من أنظمة الحكم التي جربتها من قبل ولم تر منها إلا الذل والهوان والبؤس والشقاء. فإذا بدأت الأمة تفكر بجد في التغيير على أساس الإسلام والتزمت القيام بواجب العمل لإقامة الخلافة أو على الأقل نصرة ومساندة ومساعدة وحماية من يعمل لها وصدقت في ذلك وأخلصت النية لله حينها تتدخل يد الله لنصرتها فيُحدِث لها من أسباب النصر ما لم يخطر على بالها وما لم يحسب له الأعداء أي حساب، فتنقلب الأوضاع على الاستعماريين الصليبيين وتحل بهم الهزيمة النكراء، وينتصر المسلمون عليهم فيخسرون كل شيء وتنتهي هيمنتهم على البلاد الإسلامية إلى الأبد، وعندئذ تتفتت قلوبهم من شدة الحسرة على ما خسروا، وسيكون لتلك الحسرة طعم آخر مختلف عما سبق في الماضي أيام الحروب الصليبية، لأنها ستكون أشد وأقوى بحيث تكون هي القاضية والقاتلة. وكيف لا تكون كذلك بعد كل الذي بذلوه في هذا الدهر الطويل من جهود عظمى ومن طاقات بشرية ضخمة ومن أموال طائلة ومن تخطيط ومكر وكيد بالمسلمين بهدف القضاء عليهم نهائيا ثم يذهب كل ذلك هباء منثورا ويتبخر في الهواء، فحتما ستكون عليهم أشد مما يتصورون مصداقا لقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: 36].

والمتأمل الآن في حكمة الله والمدقق فيها يرى أن طول فترة هيمنة الكفار على البلاد الإسلامية لم تكن من قبيل القضاء والقدر الذي لا يمكننا رده وعلينا الاستسلام له والقبول به والصبر عليه، وإنما كانت بإرادتنا نحن، نعم نحن الذين مددنا في عمر هذه الهيمنة وفي علوهم علينا وذلك بسكوتنا عن الوضع الذي نحن عليه وبرضانا وقبولنا بتطبيق أنظمة الكفر علينا وبخضوعنا وركوعنا للحكام العملاء للغرب، أي لما تركنا تطبيق شرع الله وتوقفنا عن حمل رسالة الإسلام إلى العالم استعمل الله شرار خلقه من الكفار والمشركين والوثنيين والملحدين ليستفزونا ويذلونا ويقهرونا ويسلبونا ويبتزونا ويفعلوا بنا ما شاءوا من الأفاعيل حتى يردونا إلى الطريق الصحيح، والطريق الصحيح هو العمل للتغيير الجذري، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]. وعليه إن لم نتحرك ويدفع بعضنا بعضاً نحو هذا التغيير فإن الحالة ستستمر وتطول مهما صلينا وصمنا وتصدقنا وتهجدنا ودعونا... فكل ذلك غير كاف لأن القضية ليست قضية نصرة أفراد المسلمين وإنما هي نصرة دين الله ليهيمن على الدين كله، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 53]. فإذا ما انتصر دين الله وقامت دولة الإسلام حينها تقوم الدولة بنصرة أفراد المسلمين أينما كانوا.

تلك إذن حكمة الله في استعمال شرار خلقه لفترة يصرفون فيها طاقاتهم وأموالهم لخدمة المسلمين وهم لا يشعرون، وذلك بدفع المسلمين نحو التغيير الشامل والكامل، ولما ينهض المسلمون وتنتهي مهمة هؤلاء حينها سينتقم الله منهم بخراب بنيانهم وهدم حصونهم وذهاب ريح حضارتهم وتحرير العالم بأسره من قبضتهم لتنعم البشرية بعدل الإسلام ورحمته.

وبناء على ما تقدم أقول: من كان له قلب فيه بعض الغيرة على هذا الدين واستفاق بعد هذه الفاجعة المؤلمة من سباته وتدبر فيما ذكرته فإنه سيرى في الأفق من وراء هذه العملية الإرهابية أن رومية في انتظار الفاتحين فيحدث نفسه أن يكون منهم، لأن هذا الإرهابي أراد أن تكون عمليته الإجرامية نقطة انطلاق لاسترجاع القسطنطينية من المسلمين، فعلينا جميعا أن نرد عليه بصوت واحد: "يا ابن الكافرة إننا أحفاد الفاتحين وإننا على خطاهم وسيرتهم فانتظرنا على أبواب روما فنحن قادمون".

فخذوا يا إخوتي هذا الأمر مأخذ الجد ولا تظنوه مجرد أمنيات نسلي بها أنفسنا ونخفف بها عن أحزاننا فالمسألة مسألة صراع وجود، وقضية الإسلام قضية مصيرية، وقد حان الوقت لتجدّوا في العمل وتكدوا فيه وتقدموا التضحيات العظمى من أجل هذه القضية المصيرية لأن فيها عزة دينكم وعزة أمتكم وبناء مجدكم وتحرركم من الصليبي الحاقد، وفيها كذلك مسؤولية حمل رسالة الإسلام إلى العالم باستئناف الفتوحات. واعلموا أن هذا المشروع الضخم قد أعددنا له العدة وما زلنا نشتغل عليه، وقد أفنى فيه إخوانكم من حزب التحرير أعمارهم، فهو مشروع جاهز ومتكامل ولا ينقصه شيء إلا قيام الخلافة ومباشرة تنفيذه فضموا جهدكم إلى جهد العاملين واعملوا معهم لاستئناف الحياة الإسلامية ولا تخذلوهم.

وأنهي مقالتي هذه بالتحذير الشديد من ردة الأفعال الهمجية والأعمال العشوائية التي يحرمها الإسلام. فأي عمل متهور سواء أكان ماديا أو معنويا فإنه سيحسب على الإسلام ويتخذ حجة وذريعة لضرب المسلمين أينما كانوا. فعملنا نحو التغيير هو عمل فكري وسياسي بالطريقة السلمية ليس غير، وهذا أقوى من جميع الأسلحة على وجه الأرض لأنه يستهدف تغيير القناعات وتحويل وجهة الرأي العام لصالح قضيتنا. فإذا ما ساندتنا جماهير الأمة في قضيتنا التي هي قضيتها بالدرجة الأولى فقد سقطت الشرعية عن الأنظمة القائمة في بلادنا وذاك ما يخافه الغرب ونوابه وتلاميذه في بلادنا، فلا تفسدوا علينا هذا العمل الشريف واحذروا من المندسين بينكم الذين أوكلت لهم أجهزة المخابرات عملية تحميسكم وتشنيجكم وتحريضكم على القيام ببعض الأعمال الإرهابية المتهورة سواء أكان القيام بها ببلاد الغرب أو ببلاد المسلمين، فاحذروهم شديد الحذر فقد سبق أن وقعت بعض الجماعات في فخ هؤلاء المندسين الذين صنعتهم المخابرات ليتسللوا بين صفوفهم وقد تسللوا واستلموا منهم القيادة فأوردوهم المهالك، فاحذروا من هذا الكيد فإنه ليس بالجديد عليكم وقد خبرتموه من قبل، واعلموا أن العدو يتربص بكم الدوائر فاحسبوا يا أولي الألباب لهذا الأمر ألف حساب ولا تستخفوا به، فإياكم والمزالق التي تؤدي بنا وبكم إلى المهالك واعلموا أن الله ناصركم ومظهر دينه ومنفذ وعده، قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: 51].

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

خالد العمراوي

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر