مغالطات فوكوياما في مقالة الظل الطويل 09/11
مغالطات فوكوياما في مقالة الظل الطويل 09/11

نشر موقع أمريكان بيربوس مقالاً للمفكر فرانسيس فوكوياما حول هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، وفشل أمريكا في تطبيق نموذج بناء الدولة الحديثة في كل من العراق وأفغانستان، ولا أريد التعرض لأبرز ما ذكره، بل أريد التعليق على مسألة بناء الدول، والتي تعرض لها في معرض رده على إخفاق أمريكا في بناء الدول التي احتلتها وهي العراق وأفغانستان،

0:00 0:00
السرعة:
September 20, 2021

مغالطات فوكوياما في مقالة الظل الطويل 09/11

مغالطات فوكوياما في مقالة الظل الطويل 09/11

نشر موقع أمريكان بيربوس مقالاً للمفكر فرانسيس فوكوياما حول هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، وفشل أمريكا في تطبيق نموذج بناء الدولة الحديثة في كل من العراق وأفغانستان، ولا أريد التعرض لأبرز ما ذكره، بل أريد التعليق على مسألة بناء الدول، والتي تعرض لها في معرض رده على إخفاق أمريكا في بناء الدول التي احتلتها وهي العراق وأفغانستان، ونذكر أبرز ما قاله: "كان للعديد من الدروس المستفادة من هذه الاحتلالات الطويلة علاقة بصعوبة بناء مؤسسات سياسية مستدامة، والتي يُعتقد أنها ضرورية لمنع عودة ظهور تهديد إرهابي، كانت هناك ثلاثة أهداف محتملة؛ أولاً: بناء دولة يمكن أن تمارس احتكار القوة الشرعية على أراضي الدولة، وثانياً: إنشاء دولة حديثة لديها القدرة على تقديم الخدمات الأساسية على أساس غير شخصي، وثالثاً: جعل تلك الدولة مسؤولة ديمقراطياً أمام مواطنيها. وكما اتضح فيما بعد كان هدف بناء الديمقراطية هو الأسهل القابل للتحقيق من بين الأهداف الثلاثة.

أجريت في كل من أفغانستان والعراق انتخابات أو (أحداث شبيهة بالانتخابات) وتم اختيار القادة السياسيين على أساس التنافس السياسي الحقيقي، وكان البلدان يعانيان من تفشي الفساد والاحتيال، لكن الانتخابات مع ذلك أسفرت عن نتائج عكست تقريباً إرادة الشعب في كل بلد"، وذكر أيضا: "إن بناء دولة حديثة ذات قدرة عالية ومستويات منخفضة من الفساد - وهو ما وصفته في مكان آخر بأنه (الوصول إلى الدنمارك) - ثبت أنه يفوق تماماً قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على تحقيقه. كل منظمة تنموية في العالم لديها شيء مثل الدنمارك في الاعتبار وهي تتابع برامجها في الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد، لكن الدولة الدنماركية الفعلية استغرقت حوالي ثمانمائة عام للوصول إلى المكان الذي هي عليه الآن، ولا ينبغي أن نتوقع ظهور نتائج مماثلة في أفقر الأماكن وأكثرها فوضى في العالم في أي وقت قريب".

ثم يعزو الإخفاق لعوامل عدة منها التاريخ والجغرافيا ولم تحقق الحكومة التي نصبها الأمريكيون في كابول أبداً الشرعية التي تحتاجها على الرغم من الانتخابات على حد قوله، ثم يتعرض للسؤال التالي الذي يطرح نفسه وهو: لماذا ارتكبت حكومة أمريكا هذه الأخطاء في المقام الأول؟ كان الجواب البسيط هو الغطرسة.

مما لا شك فيه أن مفكراً مثل فوكوياما صاحب عقلية كبيرة ومحل اعتبار ونظر عند الكثير من المفكرين على مستوي العالم، ولكن يبدو لي أنه أراد التقليل من تداعيات الحرب الأمريكية على البلاد الإسلامية وحجم الانتكاسات والإخفاقات والفشل نتيجة انطلاقها من الغطرسة آنذاك، وليس من خلال فكرة استراتيجية قابلة للتنفيذ كما قال كيسنجر في مقال له عن سبب إخفاق أمريكا في أفغانستان أنها "وضعت أهدافاً غير قابلة للتحقيق"، ولعلي انطلق من هذه الفكرة (وهي للعلم فكرة رائدة وصحيحة في مجالات الحياة كلها وليست في السياسة فقط) مفادها أن من وضع هدفاً غير قابل للتحقيق فمن الطبيعي جدا الإخفاق به مع الحذر الشديد هنا أن الأهداف لا أعني بها واقعية؛ بحيث يكون الواقع مصدر التفكير كما يتعامل الغرب من باب أن السياسة هي فن الممكن، بحيث يكون الواقع مصدراً للتفكير لا محلا للتغيير، مع الصحيح أن الممكن هو الممكن من حيث النظر وليس من حيث الواقع، فقد يكون الأمر مستحيلاً واقعياً لكنه من حيث النظر والتفكير هو الحل الذي يجب تغيير الواقع على أساسه، وإلا كيف نفهم مثلاً أنه في بداية الاحتلال الأمريكي لأفغانستان كانت فكرة الانسحاب والإخفاق مستحيلة واقعياً مع أنها واردة بقوة في مسألة النظر لا من حيث التمني؟ بل من حيث توفر أسباب ومقومات الفكرة مع إرادة التغيير في عمل جماعي، وبحث هذه المسألة قد يطول وليست هي محل البحث، لكن أريد مناقشة فوكوياما في مسألة بناء الدول والأهداف الواقعية وقدرة الدول المحتلة على إحداث تغيير فيها وبناء دولة نموذجية.

إن بناء الدول يعود إلى فكرة يؤمن بها مجموعة من الناس بحيث تصبح نظرتهم واحدة تنبثق عنها مشاعرهم، ويقيمون سلطة تطبق عليهم تلك النظرة التي جمعتهم أو يـَسكتون عمن أقام نفسه لحماية الفكرة وتطبيقها؛ فيصبح التفاف الناس حول الفكرة لأنها فكرتهم ونظرتهم للحياة ويصبح قبولهم بسلطة ما متعلقاً بمدى علاقة تلك السلطة بالفكرة، فإذا كان النظام منبثقاً عن فكرتهم كانوا معه مهما كانت المصاعب والمخاطر ولن يتخلوا عنه إلا إن جاءت قوة غاشمة أقوى منهم استطاعت أن تزيل النظام الذي يمثلهم وهذا هو عامل هدم تستطيع أي قوة غاشمة أن تفعله، لكن عامل البناء الذي نتحدث عنه لن يكون من خلال فكرة دخيلة على المجتمع لا يؤمن بها؛ بل لديه نظرة تخالفها جملة وتفصيلا، فكيف لمجتمع أن يتقبل فكرة جديدة وهو يؤمن بفكرة مغايرة؟ وكيف له أن يتقبل نظاماً أقامه مُحتل على فكرة تخالف نظرة الناس وعقيدتهم؟ فضلاً عن النظرة السلبية للمحتل وعملائه.

تستطيع أمريكا أن تقيم دولة حديثة لبلد احتلته في حالات منها:

1- إذا استطاعت تغيير نظرة الناس وفكرتهم بفكرة جديدة فيصبح المجتمع قابلاً للنظام الجديد وسلطته طبيعياً بلا شك.

2- إذا كان أهل البلد لا يحملون فكرة كلية شاملة عن الكون والإنسان والحياة، بل يحملون أفكاراً لا تنظر إلى الفكرة الجديدة نظرة العداء والمخالفة العقائدية أو يحملون فكرة المحتل نفسها، ولعل هذا السبب هو الذي دفع فوكوياما من خلال قراءته للواقع التاريخي في احتلال اليابان التي لم تكن تحمل فكرة كلية، بل كانت تحمل أفكاراً معينة لا تعارض الفكرة الجديدة، وكانت نهضة اليابان من كونها حملت الفكر الرأسمالي نهضت على أساسه، هذا من حيث الأصل. وأما ألمانيا فكانت تحمل الفكر الرأسمالي أصلاً ونهضت على أساسه، ولعل النجاح لأي محتل في بلد لا توجد فيه نظرة كلية شاملة مثل دول في أفريقيا هي من هذا الباب، وما مسألة فساد الطبقة السياسية إلا مسألة فرعية على خطورتها، وليست هي السبب الوحيد في بناء الدول الحديثة، لكن مع البلاد الإسلامية الأمر جد مختلف لأن أهلها يحملون فكرة وجوديةً كلية شاملة ونظاماً شاملاً للحياة يعالج كل أفعال الإنسان، فهم ليسوا بحاجة إلى فكر جديد ولا إلى علاقات وتشريعات جديدة، ولا إلى سلطة تخالف نظرتهم، ولولا تلك القوة الغاشمة وهي السند غير الطبيعي في ارتكاز العملاء على المحتل لما ثبت نظام عميل، والدليل ما حدث في أفغانستان أقرب مثال بحيث فـرّ النظام مع خروج تلك القوة الغاشمة.

لذا ما ذكرته أن فكرة بناء الدول لا تأتي من خلال القوة العسكرية، اللهم إلا إذا كانت مستندة إلى قوة غاشمة لكن لا يمكن لها البقاء مهما طالت، لأن أصل البناء الصحيح راجع إلى إيمان الناس بفكرة وجودية معينة، وليس من خلال فرض فكرة تخالف عقيدة الناس لذا كان الإخفاق في هذه المسألة، ومن هنا كان إخفاقاً حتمياً مهما كانت قوة المحتل وضعفت قوة الآخرين، فلا بد للناس طالما أن إيمانهم بفكرتهم ثابت وأصيل أن ينقضوا على الفكرة الجديدة ومن وراءها وأدواتها. فنجاح أمريكا صحيح في قدرتها على الهدم المؤقت كونها قوة غاشمة لكنها لا تملك فكرة البناء مع أمة تعتز بفكرتها ونظرتها وتتطلع إلى إعادة مجدها، ومن هنا كانت الأهداف غير قابلة للوجود بالذات مع الأمة الإسلامية، فكل الأفكار الدخيلة ستتحطم على قاعدة العقيدة الإسلامية، وكل محتل وأدواته سينتهون على يد هذه الأمة ولو بعد حين.

#أفغانستان       #Afganistan#     Afghanistan

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حسن حمدان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر