محاربة الفساد بمنظومة الفساد نفسه أمر لا طائل منه
March 02, 2019

محاربة الفساد بمنظومة الفساد نفسه أمر لا طائل منه

محاربة الفساد بمنظومة الفساد نفسه أمر لا طائل منه

أصدر الرئيس السوداني عمر البشير يوم الاثنين 25 شباط/فبراير 2019م، أمر طوارئ بحظر الممارسات الفاسدة، ونص الأمر على عدم استخدام موظفي الدولة لسلطاتهم الوظيفية لتحقيق منافع شخصية، وحظر على الموظف إبرام التعاقدات أو الدخول في تعاملات ترتب التزامات على الدولة. كما نص على عدم استغلال الموظف لسلطة الوظيفة العامة، أو نفوذها لتحقيق أغراض أو مصالح، أو منافع شخصية غير مشروعة له، أو لأي أحد من أفراد أسرته، وحظر على أي موظف عام قبول أو طلب أي هدية أو مزية غير مستحقة من شخص له مصلحة مرتبطة بوظيفته. وحظر على أي موظف عام قيامه عمداً لصالحه، أو لصالح شخص آخر، باختلاس أو تبديد أو التصرف في أي ممتلكات أو أموال عامة أو خاصة أو أوراق مالية عامة أو خاصة أو أي أشياء أخرى ذات قيمة، عهد إليه بها بحكم عمله أو وظيفته.

عقود مرت على أهل السودان في ظل حكم الإنقاذ، ولم يُرَ فسادٌ يحل في الحكم مثلما حل في عهد هذه الحكومة، حيث استشرى الفساد وتعددت صوره وأشكاله وأنواعه، ولعل من المفسدات العظيمة، السلطة المطلقة، واستغلال الوظيفة أو السلطة في تحقيق النفع لصاحبها أو للمقربين والموالين، والاختلاس، والرشوة، والظلم، ومحاباة بعض الناس على حساب ظلم الآخرين، وعدم احترام وقت العمل، وضعف الإنجاز، والتشاغل أثناء العمل بما ليس منه، والعزوف عن المشاركة الفاعلة، والإسراف في استخدام المال العام فيما لا فائدة منه، وسوء توظيف الأموال، وإقامة مشاريع وهمية، والعبث بالمناقصات والمزايدات والمواصفات، نجملها في تعطيل الأحكام الشرعية.

وبعد ثلاثين عاما من حكمه، يصدر البشير قرارات الطوارئ، في الوقت الذي تشهد فيه البلاد احتجاجات دامية، راح ضحيتها شباب في مقتبل العمر، مع تواصل القبضة الأمنية بالاعتقالات التعسفية، والإهانة والضرب والسحل للطالبات... لقد خلفت هذه الأحداث غضبا شعبيا كبيرا وامتعاضا شديدا من الناس، وقد شهدت البلاد تحركات احتجاجية ليلة خطاب الرئيس في أحياء عدة بالعاصمة الخرطوم في تحدٍ صريح لقانون الطوارئ الذي لا قيمة له ولا قداسة. في هذه الأثناء تدعي الحكومة إعلان الحرب على الفساد بإصدار قانون مكافحة الفساد ضمن قانون الطوارئ سعيا منها لإسكات المحتجين بإعطائهم جرعة من المسكنات، لكن يبدو أنها منتهية الصلاحية... نذكر الحكومة بأن ملاحقة الفساد المعلنة سابقا لم تُجدِ نفعا بل تركت المفسدين يسرحون ويمرحون، وذلك لحقيقة أن الفساد لا تحاربه منظومة الفساد نفسها.

نذكر الحكومة أيضا أن الفساد باض وأفرخ في عهدها وهو الذي أحالنا إلى مزيد من التدهور، وضيق المعيشة، وثروات البلد تعطى بالمجان للمستثمرين، ناهيك عن الخصخصة وتأجير الأراضي لأزمنة طويلة! هذا الباب الواسع من الفساد توصده الحكومة عمدا وترفض فتحه، لأن الفساد داخله يطال النظام بأكمله، لكنه سيفتح يوماً ليرى الناس حجم فساد لو خالط ماء البحر لأفسده، ولو قسم لأهل الأرض لوسعهم!

أعلن البشير، قبل هذا القرار، الحرب على الفساد مرات عدة، وأنشئت آلية سميت (آلية محاربة الفساد)، وتداول الناس بعض قضايا الفساد؛ مثل قضية الأوقاف، وقضية الأقطان، وفي زمن وجيز فهم الناس أن الحرب على الفساد، هي مجرد ذر للرماد في العيون، لأن الفساد نراه يسرح ويمرح ليل نهار، ويتلون بألوان مختلفة.

وهنا بعض الأخبار الموثقة عن الفساد، وتعد هذه الأخبار غيضاً من فيض، وتعد تقارير المراجع العام كل سنة دليل إدانة للنظام والحكومة وأن وزارة المالية متسترة على الفساد وتحمي المفسدين، وقد وردت كثير من الوقائع المثبتة، التي حدث فيها اعتداء للمال العام، ولم يتم فيها محاكمة المجرمين، والمقالات من الصحف بها الكثير من تحقيقات الفساد التي أيضاً، لم تجد من يحقق فيها إلى النهاية ومحاكمة الفساد المالي والإداري الذي تشير إليه، هذا غير ما يتسرب من الكثير من قصص الفساد، من بعض الأفراد، إلى الصحف أو المواقع السودانية الإلكترونية.

ففي صحيفة سودانيل وردت تقارير المراجع العام لسنة 2010م، كما يلي: (لاحظت المراجعة أن حسابات بنك السودان المركزي تظهر في نهاية العام المالي 2010 مديونية باسم الحكومة قدرها 2.7 مليار جنيه ولا أثر لها بحسابات وزارة المالية والاقتصاد الوطني (صحيفة الوطن 2011/10/16م)

اعترافات المتهم علي محجوب قضية الأقطان (صحيفة التيار 2011/08/3م)

الفساد في الهيئة العامة للحج والعمرة رشوة للتيار لتغيير مجرى التحقيق.

(صحيفة السوداني 2 شباط/فبراير 2012 أكثر من 300 مليون دولار قيمة الأراضي التي بيعت من المدينة الرياضية).

وفي صحيفة الانتباهة 15 كانون الثاني/يناير 2012 تحت عنوان: (قيادي بالوطني: "إبليس سيستغرب من ضخامة الفساد بالسودان")

أيضا (كشف تقرير اللجان المتخصصة بالبرلمان السوداني عن تجاوزات مالية في عدد من الوزارات والمؤسسات الحكومية خلال العام 2010-2011، شملت تجنيب المال العام لحوالي أربع عشرة وحدة حكومية، من بينها بعض الوزارات السيادية)!!

وفي صحيفة (الجريدة) الصادرة بتاريخ 2013/7/23 قضايا الفساد، تصريح رئيس آلية مكافحة الفساد.. إجراءات رفع الحصانة بالغة التعقيد!! 71% نسبة الزيادة في الاعتداء على المال العام تموز/يوليو 2013!

صحيفة سودانيل يوم 2013/01/24 (كشفت تقارير للمراجع العام عن صرف دستوريين بعدد من الولايات السودانية مبالغ دون وجه حق بلغت 55 مليون جنيه، وأكد أن استحداث بدلات ومخصصات غير واردة بقانون مخصصات الدستوريين أدى لضياع المال العام).

كل هذه القضايا وغيرها، لم تسفر جدلياتها عن عدالة وقطع ليد الفساد، بل هناك قضايا فساد معروفة يعتبر الخوض فيها من الممنوعات، وكثير من الشخصيات التي يتردد ذكرها عند العامة لم تشملها الإيقافات الأخيرة، وثبت أنها فوق المحاسبة، خاصة أقارب الرئيس وإخوانه، وكثيرة هي القوانين التي تم تمريرها في البرلمان في وضح النهار، وهي تشرع للفساد صراحة، كقانون الثراء الحرام المواد (6-7-13-14) من قانون الثراء الحرام والمشبوه. تنص المادة (15) من قانون الثراء الحرام لسنة 1989م (يعاقب كل شخص يثرى ثراءً حراماً بالسجن لمدة لا تتجاوز عشر سنوات أو غرامة لا تتجاوز ضعف مبلغ المال موضوع الثراء الحرام أو العقوبتين معاً)، بهذا النص تمت معاقبة رموز النظام المايوي السابق، وتم إيداعهم في السجن، وذلك عقب انقلاب الإنقاذ، واستبشر الناس بأنْ وداعاً للفساد والمفسدين... ولكن كما عودتنا الإنقاذ أن القوانين توضع بأهواء البشر وكلٌّ يغني على ليلاه عند التطبيق، بل توضع مواد تبطل مواد أخرى، وتسهل على المجرم الإفلات من العقوبة، ما يوجد تناقضاً مزرياً، فقانون الثراء الحرام هذا جاء فيه الآتي: نص المادة "13" الفقرة "1" والتي تُقرأ (يجوز لكل شخص أثري ثراءً حراماً أو مشبوهاً أو ساعد في الحصول عليه أن يحلل نفسه هو أو زوجه أو أولاده القصر في أي مرحلة قبل فتح الدعوى الجنائية ضده، "2" لأغراض البند "1" يتم التحلل بـ "أ" بردّ المال موضوع الثراء الحرام أو المشبوه وبيان الكيفية التي تم بها الإثراء، أو "ب" ببيان الكيفية التي تم بها الإثراء بالنسبة إلى الشخص الذي ساعد في ذلك). وقد طبقت هذه المادة في قضية مكتب الوالي مبلغ (17.8) مليار جنيه بعد قبول المدانين بمبدأ التحلل من المال الحرام! الشيء الذي أكدته لجنة التحقيق، وقالت إن المتهميْن قبلا مبدأ التحلل من المال الحرام حسب قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه المادة (13)، بدفعهما المبلغ 17835000 مليون جنيه شملت استرداد (9) قطع أراضٍ و(5) عربات تم تحويلها باسم حكومة السودان بجانب توريد مبلغ (2900000) مليونين وتسعمائة ألف جنيه للخزينة العامة.

حتى المحاكمات التي تمت لما يسمى رموز الفساد، هم في الأساس من الذين موّلوا حزب المؤتمر الوطني الحاكم، وهؤلاء يعتبرون خطراً على المال العام، ولن يقضى على الفساد إلا بحل هذا الحزب، وتقديم أعضائه لمحاكمات عادلة، فهل تستطيع الحكومة فعل ذلك لتقطع يد الفساد حقيقة؟

إنّ الفساد المستشري في السودان، لا يتمثل في بضعة أشخاص قد يُضحى بهم في مشهد درامي، أو في إطار تصفية حسابات شخصية بين أعمدة الفساد، بل هو منظومة لا زالت قائمة متربعة في سدة الحكم، تسعى للتلون في كل أزمة تستنسخ نفسها بوجوه جديدة، إذ هي منظومة تقوم على نظرة في الحكم تستمد أساسها من الرأسمالية الفاسدة، فصل الدين عن الحياة، وتستمد دعمها من أمريكا التي تفرض أجنداتها على البلاد علانية، ومنظمات الكفر الدولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، اللذين يستنزفان البلد بمديونية الربا الفاسدة، فعن أي فساد تتحدث هذه الحكومة، وهي قوام كل الفساد وأصله وفصله؟!!

لمحاربة الفساد يجب أن يكون تطبيق قانون رب العالمين، الذي لا يجامل أحداً، ولا يحابيه مهما كان منصبه، وهو قانون معد لينطبق على الجميع لا على الضعفاء، أو من انتهت صلاحيتهم من الأقوياء، دون وجود خطوط حمراء أو أشخاص فوق المحاسبة، وهو ما نفتقده بشدة حيث إن أي شخص فوق مستوى الشبهات طالما أنه في السلطة، يبقى فقط معرضاً للمساءلة إذا فقد هذه السلطة، أو أصبح من المغضوب عليهم.

لذلك تبقى دعوات هذه الحكومة لمحاربة الفساد، مجرد شعارات جوفاء، وعبارات خرقاء، ثم يمارس الفساد في وضح النهار، ويعاقر، ويُستمرأ الظلم، فأولئك عاقبتهم الخسران في الدنيا والآخرة: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى في الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّـهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾. إن الفساد لا يحارب إلا بدولة مبدئية على أساس عقيدة الإسلام، دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، التي تجعل رضوان الله هو غاية الغايات، وتسهر على تحقيق العدل طاعة لله، فيكبح جماح الفساد، وينعم الناس بحياة كريمة.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

غادة عبد الجبار – أم أواب

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر