محمد بن عبد الله ﷺ قدوة ونور
March 01, 2021

محمد بن عبد الله ﷺ قدوة ونور

محمد بن عبد الله قدوة ونور

لا يستغني الإنسان عن اتخاذ قدوة يحبه ويعجب به، وهي غريزة تظهر من السنوات الأولى وأنت ترى الطفل يقلد أباه، ثم تتطور هذه الغريزة مع تعطش الفطرة إلى معاني الشجاعة والقوة والنخوة والعطاء والحكمة، وغيرها.

ما من أمة إلا وتعرف أهمية القدوة، فالقدوات للأمم أعظم الكنوز؛ هم رموز مضيئة تنير طريق الأمة بل هم عنوان للأمة بهم تُعرف، وبآثارهم تشتهر، وعلى خطواتهم تسير، وبعملهم تستنير. لذلك أخذت الأمم تمجد هذه القدوات فيقيمون لها التماثيل ويصورونها لأجيالهم تصويرا مبالغا فيه.

فهذا نابليون رمز للفرنسيين وتاريخه تاريخهم، ولو نُظر للرجل بعين الإنصاف لعلم أن حاله لا يستحق كل هذه الهالة التعظيمية؛ فالرجل باختصار قاد بلاده للفوز في معارك وأخفق في أكثرها، وانتهى أمره إلى أن يموت منبوذاً منفيّاً، أما أخلاقه ومنهجه فيكفيه سوء صنيعه في مصر وفلسطين، وقتله آلاف الأسرى فيها، هذا ولم يعرف للرجل علم ولا فن اختص به، فكيف صار حاله كذلك؟!

لكن قومه يفتقدون القدوات الحقيقيين فصنعوا لأنفسهم وهماً وصدَّقوا هذا الوهم حتى صار يُدرَّس للأجيال، وفق إعلام قويّ يساعد على تأسيس مثل هذا الوهم وترسيخه في النفوس. والعجيب أنه في الوقت الذي تبحث فيه الأمم عن قدوات ليتبعوها، وعظماء ليظهروهم، نعمد نحن إلى عظمائنا فنهدمهم وإلى أبطالنا فنحطمهم!

درسنا في المدارس عن حملات نابليون بونابرت ولم نسمع شيئا يُذكر عن يوسف بن تاشفين وألب أرسلان ومحمد الفاتح وغيرهم. بل لم نعرف عن جيل الصحابة والتابعين إلا القليل! نُدرَّس تاريخ الآشوريين والفراعنة والكنعانيين والآراميين والبابليين والإغريقيين فترات تاريخية قبل الإسلام ثم عن أوروبا في العصور الوسطى والحديثة. وحين نسأل أبناءنا ما بالنا اليوم من قائد المسلمين في معركة تل حارم المفصلية في صد الصليبيين؟ لا يعرفون! من قائد المسلمين في معركة الزلاقة التي أخرت سقوط الأندلس قروناً؟ لا يعرفون! وعندما نسأل أبناءنا: كيف تتخذ من غاندي عابد البقر قدوة؟! غاندي الذي لمعته بريطانيا، وأعانته على إبراز الهندوسية على حساب طمس الهوية الإسلامية؟ كيف تتخذ من مانديلا النصراني قدوة؟! أتدرون ماذا يجيبون؟ يقولون: "بغض النظر عن معتقداتهم، فيهم جوانب حسنة، أليس من العدل أن نثني على الجوانب الحسنة في أي إنسان؟! يعجبني فيهما التحرر والصمود".

إن أعداء الأمة يكيدون للأمة ليلا ونهارا يستخدمون كافة الأساليب والوسائل للإساءة إلى قدوتنا. يقومون بكل هذا بهدف إفقاد الشباب القدوة الصالحة التي يتعلمون منها ويقتدون بها، وبالتالي يفقدون الثقة في مجتمعهم ويتحولون عن الدين ومبدئه، ولا شك أن الإعلام يسهم بشكل كبير في تفاقم المشكلة، حيث يظهر العلماء بصورة سيئة، فكثير من أعمال الدراما اليوم، تسيء إلى العلماء وإلى منظومة القيم والأخلاق التي تعلي من شأنها كل الرسالات.

وفي ظل كل هذه الفتن وهذه الحروب الفكرية القاسية، وفي ظل كون أماكن القيادة أعطيت للتافهين كي يقودوا الأمة إلى ما لا تحمد عاقبته من شبهات وشهوات، لا يخفى أن حاجة النشء للقدوة في الزمن الحاضر ملحة وضرورية.

لقد اهتم الإسلام الاهتمام البالغ بإبراز أثر النماذج بجميع أنواعها وصورها حين خاطب الله رسوله محمداً ﷺ ﴿أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾. فكان ﷺ يتذكر حين يُعادى ويؤذى صبر موسى عليه السلام، وحين يحج أو يعتمر يتذكر مرور إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وكثيراً ما كان يقص النبي ﷺ على أصحابه رضي الله عنهم من قصص إخوانه ومن سلف ليقتدوا بهم.

يقول الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. وفي تفسير هذه الآية، يقول ابن كثير: "إن إبراهيم قد جاء بالأوامر كلها وترك النواهي كلها وبلغ الرسالة على أتمها فاستحق أن يكون إماما وقدوة يقتدى به ويحتذى حذوه".

لا ريب أن أعظم القدوات قاطبة هم الرسل العظام والأنبياء الكرام عليهم السلام ولكن الله عز وجل خص الحبيب المصطفى والنبي المجتبى ﷺ بقوله سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾. نعم من كان يرجو الله واليوم الآخر فقدوته وأسوته محمد ﷺ الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، والذي رفع لواء الإسلام. محمد ﷺ الذي ديدنه الإحسان، محمد ﷺ الذي بعث إلى ملوك الأرض وزعمائهم أن أسلم تسلم، محمد ﷺ الذي فتح مكة، محمد ﷺ الذي قال: «لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا».

أتعلمون ما الفرق بين الصحابة وبيننا؟ أهي الصلاة أم الصيام أم قراءة القرآن؟ فهذا هو القرآن الذي بيننا هو هو الذي كان بين يديهم، وها هي السنة هي هي. فما الفرق إذا؟! الفرق أنهم اتخذوا حبيبنا وسيدنا محمداً قدوة فكانوا إذا رأوه صلى صلوا، وإذا قام قاموا، وإذا غضب غضبوا، وإذا أحب أحبوا، وإذا سعى سعوا، وإذا عمل لإقامة حكم الله عملوا. وها هو عمر بن الخطاب في قصته مع خالد بن الوليد، أتدرون من هو خالد؟ خالد الذي لم يهزم في معركة قط، أقاله عمر بن الخطاب، فقال سيدنا خالد: "لم أقلتني يا عمر؟" فقال: "والله إني أحبك" فيكرر سؤاله ثلاث مرات، فيجيبه عمر: "والله إني أحبك، ولكنني أخاف أن يفتتن الناس بك". لقد علم عمر وغيره أن سيدنا محمداً هو فقط خير قدوة ونور للأمم أجمعين.

نعم من كان يرجو الله واليوم الآخر فقدوته محمد ﷺ. وأما من كان يرجو الدولارات والمناصب ويرجو الدنيا فإن قدوته زعيمه وولي نعمته. قدوتهم هؤلاء الذين لم يقيموا عدلا ولم يحفظوا مقدسا ولم يحموا مسرى ولم يحرروا أسرى ولم يعيدوا منتهكا ولم يحرروا شبرا ولم يحفظوا عرضا. ثم تخيلوا أن هؤلاء الأراذل يريدون أن يكونوا قدوة لأمة محمد يؤلفون كتبا بعنوان: قدوتنا رئيسنا"! ويريد علماء السلاطين أن يكونوا على دينهم!

هؤلاء الذين ضيعوا البلاد والعباد يريدون أن يصبحوا لنا قدوة! ألا خسئوا وخابوا.

وهكذا يظن هؤلاء الطغاة في لحظة من اللحظات أنهم أصبحوا قدوة ويظنون أنهم إن ضللوا العامة وإن نسوا ما فعلوا وما اقترفوا، وكيف أنهم وقفوا أمام الإسلام، بل وهاجموا دعاته ومكنوا الكفار، يظنون أن الأمة تنسى فظنوا من أنفسهم قدوة.

نسي أبو جهل ماذا فعل بالمصطفى، نسي صده عن سبيل الله، ونسي أن محمدا مرسل. نعم نسي وتحدى رغم أنه كان يدرك أنه نبي مرسل وأن الملائكة تؤيده وتحميه وكان يدرك إعجاز القرآن الكريم. لكنه كان يضلل كل البشر ويصد عن سبيل الله. وفي لحظة من اللحظات ظن نفسه قدوة. وطُمِس على قلبه أتدرون متى ذلك؟ إنها معركة بدر قبل سويعات من هلاكه، وقف يدعو الله أن ينصره ونسي أنه عدو الله. وقف يدعو الله أمام جيش قريش الكافر وقف يدعو الله أن ينصر الذي يحبه أكثر ومن كان يصل الرحم أكثر. وقف أبو جهل ونسي نفسه وظن أنه قدوة. أراد أن يوهم الجيش أنه على حق وأنه يعمل الخير لهم وأنه متدين مخلص، كما فعل فرعون من قبله. وهكذا فعل الطواغيت من بعدهم؛ نسوا أنفسهم وظنوا أنفسهم قدوة يتكلمون عن الشرف والأمانة والإصلاح وهم ناهبون للمال هاتكون للأعراض مستبيحون للحرمات.

نعم يأتي ذلك الطمس في لحظاته الأخيرة من نهاية الطغاة وهلاك الظلمة. نسأل الله أن يكون هلاكهم قريبا غير بعيد.

لهؤلاء نقول إن أمة محمد عظيمة، لم ولن تنسى قدوتها، فقائدنا وقدوتنا للأبد سيدنا محمد ﷺ، وأبطالنا هم أبطال الأمة الإسلامية، الأبطال الفاتحون الذين فتحوا البلاد وكسروا إمبراطوريتي الشر في ذلك الزمن وكسروا ظهر فارس والروم، أبطالنا هم صلاح الدين الذي حرر بيت المقدس، وقطز الذي كبر وكسر المغول وكنسهم من بلاد المسلمين، فأين أنتم أيها الأقزام من هؤلاء الأبطال الأفذاذ؟ أين أنتم من عمر وخالد والفاتح؟

ليعلم كل الطغاة أن أمة محمد قلوبها تسكن فيها قدوتها، وتشتاق لدولة أسسها حبيبها وعانى ما عانى من أجل إقامتها. إنهم ينتظرون تلك اللحظات التي تعلن فيها إقامة الخلافة على منهاج النبوة. ينتظرون تلك اللحظة التي تفعل بها بطولاتهم ليقوموا ويضحوا من أجل الإسلام.

وفي الذكرى المئوية لهدم الخلافة نقول اعملوا لها أيها المسلمون تنالوا عز الدنيا والآخرة.

#أقيموا_الخلافة

#ReturnTheKhilafah

#YenidenHilafet

#خلافت_کو_قائم_کرو

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

دانا محمد – الأرض المباركة (فلسطين)

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر