مهرجان موازين وأمثاله من الفعاليات الماجنة  رقصٌ على جراح الأمة المكلومة
June 01, 2024

مهرجان موازين وأمثاله من الفعاليات الماجنة رقصٌ على جراح الأمة المكلومة

مهرجان موازين وأمثاله من الفعاليات الماجنة

رقصٌ على جراح الأمة المكلومة

بمجرد الإعلان عن انعقاد مهرجان موازين في نسخته الـ19 ما بين 21 إلى 29 حزيران/يونيو 2024، ضجت مواقع التواصل الإلكتروني برسائل الاستنكار والغضب، وانتشر هاشتاج #لا_ترقص_على_جرح_إخوانك، وبدا واضحاً أن الغالبية العظمى من الناس ناقمة على الدولة التي تصر على عقد هذه الفعالية الماجنة في ظل ظرفين استثنائيين:

  • الحرب الدموية المجرمة على غزة، ومناظر القتل والأشلاء التي تتفطر لها قلوب الناس العاديين فضلاً عن المخلصين،
  • الضائقة المادية الشديدة التي تعصف بالناس في ظل موجة الغلاء التي أصابت كل شيء، وجعلت الفقر والضنك حالة مزمنة يكتوي بنيرانها الكل.

منذ بدء هذا المهرجان سنة 2001، وفي كل سنة كان ينعقد فيها، كانت الأصوات تتعالى مستنكرة الإنفاق الباذخ على التنظيم والأجور العالية التي تدفع إلى ما يسمى الفنانين [كشفت مصادر إعلامية أن أجر المغنية الأمريكية ماريا كاري التي شاركت في مهرجان 2012 بلغ 830 ألف دولار، في حين بلغ أجر المغنية الكولومبية شاكيرا 772 ألف دولار (مقابل وصلة غنائية لمدة 30 دقيقة)، وبلغ أجر المغني البريطاني إلتون جون 594 ألف دولار، وذلك في دورات سابقة من المهرجان]، وفي كل مرة، كان المسؤولون إما يتهربون من الإجابة أو يدعون أن داعمي المهرجان هم من القطاع الخاص، وأن الإنفاق لا يتم من المال العام. ولكن الكل يعلم أن جزءاً كبيراً من الإنفاق هو قطعاً من المال العام، وأن حتى مساهمات القطاع الخاص إنما هي نتيجة للضغط الذي تمارسه الدولة على هذه الشركات، ولو خُيِّروا لما فعلوا، أو على الأقل ليس بهذا السخاء.

وفي هذا العام، وأمام هذا الارتفاع الصاروخي للأسعار ولتكلفة المعيشة، كان آخر ما ينتظره الناس أن يروا أموالهم تدفع في هذه التفاهات، ففي وقت ارتفعت أسعار المواد الغذائية بما يقارب الضعف أو يزيد، والحديث دائر عن رفع ثمن قنينة الغاز، كان المفروض أن تكون الدولة أحرص ما يكون على أي درهم بيدها، وألا يُنفق إلا فيما يجدي نفعاً، أو يفرج عن مكروب.

هذا عن غلاء الأسعار، أما أحداث غزة، فليس من أحد إلا وقلبه يتفطّر لمناظر دماء إخواننا وأشلائهم المتناثرة. إن ذوي الفطر السليمة يتحرجون من المتع المباحة، ومن تناول أبسط الأطعمة، بل ومن مجرد النوم على فراش مريح، وهم يرون إخوانهم لا يأمنون على أنفسهم، ولا يجدون كسرة خبز يسدون بها جوعتهم، فكيف تطيب نفسٌ بالرقص والغناء والتمايل؟! وكيف تطيب نفوس من يشاركون في تنظيم هذا وهو يبذرون أموال الأمة، ويهيئون لأبنائها لهوا محرماً يغرقهم في الإثم ويصرفهم عما خلقوا له؟

إن المتابع للأمر لا بد أن يستغرب إصرار الدولة على عقد هذا المهرجان 19 مرة في ظل هذا الاستنكار الشعبي الواسع له، فماذا تجني الدولة منه؟ وما هو هذا الهدف الاستراتيجي الذي يجعلها تفضل الاستمرار في عقد المهرجان والإنفاق عليه بسخاءٍ حتى وإن أدى إلى استعداء الناس؟

والسبب يعود في نظرنا إلى الأمور التالية:

  • مسؤولو الدولة في وادٍ، والأمة في وادٍ آخر. أما من حيث الإحساس بوطأة الفقر وغلاء المعيشة فمعظمهم نتيجة ارتفاع أجورهم واتساع امتيازاتهم لم تلسعهم نيران غلاء المعيشة إلا لماماً. وأما من حيث التفاعل مع أحداث غزة، فحتى من يحنّ لحالهم مقتنع أنه لا يملك لهم شيئاً، وأن عقد المهرجان أو إلغاءه لن يغير شيئاً في أوضاعهم، فَلِمَ الإلغاء إذن؟
  • معظم مسؤولي الدولة غربيو الهوى، فهم يستمتعون فعلاً بحضور هؤلاء المغنين، لذلك فهم يُحضرونهم لمتعهم الشخصية، ويستغلون تحكمهم في هذه الميزانيات لإرضاء نزواتهم،
  • إلهاء الناس غاية استراتيجية مقدسة، تنفق الدولة عليها بسخاء، وتُجلب على ذلك بخيلها ورجلها، فأي نشاط تافه غير منتج ويستطيع جذب أكبر عدد من الناس هو نشاطٌ مُرحَّبٌ به، بدءاً من مباريات كرة القدم والزخم الفظيع الذي يحيط بها، ومهرجانات الضحك والمسابقات والمهرجانات الغنائية ومسابقات الطبخ، والمهرجانات السينمائية ومهرجانات الرقص، وانتشار ظاهرة المؤثرين الساقطين في وسائل التواصل الإلكتروني،... والقاسم المشترك بين هذه كلها هو التفاهة وقتل الجدية في نفوس الناس وإشغالهم بالسفاسف. إن صرف الناس عن الاهتمام بالدين والاشتغال بالسياسة، بل وبالعلم النافع هو هدف استراتيجي، لأن ارتفاع مستوى الجدية عند الناس سيوصلهم بسرعة إلى الوقوف على مدى فساد حكامهم وضرورة العمل على تغييرهم، وهذا أخشى ما تخشاه الأنظمة.
  • إفساد الذوق العام ونشر الفاحشة وتجريء الناس على الاستهتار بالأحكام الشرعية هدف مقصود. إن الحرب على الإسلام وأفكاره ومقاييسه لم تعد سراً ولا أمراً خافياً، فالقاصي والداني يعلم ذلك ويقف عليه واقعاً وأثراً بشكل عملي. ولو لم يكن لهذا المهرجان إلا تشجيع الاختلاط المحرم، وتشجيع المجون، والاستهتار بحرمة الأعراض فإن هذا يكفي لإدخاله في أجندة النظام. تسير الدولة في هذا المخطط منذ زمن، وتسلك في ذلك دروباً متعددة (أحدها التغيير المرتقب لمدونة الأحوال الشخصية)، وتهدف من وراء ذلك بشكل واضح إلى صرف الناس عن اتخاذ الإسلام مقياساً لأعمالهم وجعلهم يتبنون فكرة الحريات بدلاً عنه وتحويل مفهوم السعادة عندهم من كونه نوال رضوان الله إلى جعله هو الانغماس في المتع والشهوات الجسدية، وكل هذا كي تسهل تغلغل العلمانية في نفوس الناس حتى توصلهم إلى مستوى لا يرون فيه أي حرج أن تكون كل القوانين المنظمة لتفاصيل حياتهم مستنبطة من خارج الشرع.
  • مخطط الإفساد الذي تندرج تحته أمثال هذه المهرجانات ليس عملاً محلياً نابعاً من بنات أفكار المسؤولين عندنا، وإنما هو مخطط عالمي عابر للحدود تقف وراءه جهات أمريكية وأوروبية نافذة، ويستهدف المسلمين بشكل خاص، بوصفهم آخر عقبة تقف في وجه الفكر الغربي العلماني بعد أن انهارت كل المبادئ والمجتمعات أمامه شرقاً وغرباً. نعم، لم يعد للفكر الغربي من عدو فكري يصارعه إلا مبدأ الإسلام، ويدرك الغرب أنه لا يقوى على هزيمة هذا الفكر العقائدي، لهذا هو يتجنب منابذته في ساحة الفكر لأنه سيكون هو الخاسر حتماً، وبدل ذلك يلتف عليه عن طريق صرف الناس عنه إلى الشهوات.

هذه هي أسباب إصرار الدولة على هذا المهرجان وأمثاله، وهي أسباب كلها ليس للخير والصلاح والحكمة فيها أدنى نصيب، وكلها تدل على أن حكامنا يتآمرون علينا مع أعدائنا، وأنهم ليسوا منا وإن تكلموا بألسنتنا وعاشوا بيننا، فهم بين منضبع بفكر الغرب تابع له، وبين مستفيد راتع فيما حرم الله.

أما الحل، فما نخاله عاد يخفى على أحد؛ خلافة راشدة على منهاج النبوة على أنقاض هؤلاء، تجتثُّهم من جذورهم، وتُحِلُّ محلهم رجالاً، يحبون الله ورسوله، ويحبهم الله ورسوله، يُحَكِّمون شرع الله ويُبطلون ما سواه.

واعلموا أن الأمر ليس أماني وأحلام يقظة تداعب الخيال، وإنما وعد الله ورسوله، يؤيده واقع محسوس يتجسد في عمل حزب جدي لم ينقطع عن العمل في الأمة ومن خلالها منذ عقود، ففتح الله له قلوب الناس، حتى عاد صيت ثمرة عمله يملأ الآفاق، ويوشك الله أن يفتح له قريباً، قلوب أهل القوة والمنعة في الأمة، فيؤتي العمل أكله ويفرح المؤمنون بنصر الله، فأدركوا أنفسكم بالعمل معه قبل أن يفوت الأوان، قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمد عبد الله

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر