مكافحة (الإرهاب) والجريمة  وفق الالتزامات الدولية ومواثيق الأمم المتحدة، لمصلحة من؟
April 23, 2018

مكافحة (الإرهاب) والجريمة وفق الالتزامات الدولية ومواثيق الأمم المتحدة، لمصلحة من؟

مكافحة (الإرهاب) والجريمة

وفق الالتزامات الدولية ومواثيق الأمم المتحدة، لمصلحة من؟

أجاز المجلس الوطني يوم الثلاثاء الماضي في جلسته الدورية، تقرير لجنة الأمن والدفاع الوطني بالمجلس حول مشروع قانون التصديق على اتفاقية التعاون الأمني بين حكومة السودان وحكومة تركيا للعام الماضي، وقال نائب رئيس لجنة الأمن والدفاع بالمجلس الوطني، الفريق إبراهيم أحمد، وفق وكالة السودان للأنباء إن الاتفاقية تهدف إلى تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين تحقيقاً للمصالح المشتركة في مجال التدريب والتبادل الأمني ومكافحة (الإرهاب) والجريمة المنظمة، وفق الالتزامات الدولية وميثاق الأمم المتحدة. شبكة الشروق 2018/4/17.

من المعلوم بداهة منذ نشأت البشرية أنه لا يتم أمر الناس فيما بينهم، ولا تنتظم مصالحهم، ولا تجتمع كلمتهم ضد عدوهم إلا بالتعاون، ولا شك أن هذا من أهم الواجبات الإسلامية والفرائض اللازمة، وقد نصت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة على أن التعاون بين المسلمين أفراداً وجماعات أمر واجب، ومن الواجبات التي لا بد منها لمجتمع المسلمين، ولإقامة دينهم وحل مشاكلهم، وتوحيد صفوفهم، وجمع كلمتهم ضد عدوهم، ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله سبحانه، وإرشاد الناس إلى أسباب السعادة والنجاة، وما فيه صلاح أمر الدنيا والآخرة، ويدخل في ذلك تعليم الجاهل، وإغاثة الملهوف، ونصر المظلوم، ورد الظالم عن ظلمه، وإقامة الحدود وحفظ الأمن...

وفي هذا الصدد سنحاول تطبيق هذه المفاهيم الشرعية على أمر التعاون والتدريب والتبادل الأمني ومكافحة (الإرهاب) والجريمة المنظمة، وفق الالتزامات الدولية وميثاق الأمم المتحدة بين السودان وتركيا الذي أجازه البرلمان السوداني.

قبل الخوض في موضوع الحرب على (الإرهاب) لا بد أن نعطي لمحة تاريخية سريعة لما يسمى بالالتزامات الدولية وميثاق الأمم المتحدة لنقف على الأسس التي بنيت عليها هذه الالتزامات والمواثيق، ومن ثم نرى هل هي التزامات ومواثيق تصلح لتعاون المسلمين في ما بينهم كما أمر رب العالمين؟ وهل للمسلمين أي مصلحة منظورة من هذه المواثيق؟ وهل حققت أي تعاون ملموس على أرض الواقع يزيد من لحمة الأمة ويحقق مصالحها؟

لا يخفى على أحد جرائم الحربين العالميتين الأولى والثانية من القوى المتصارعة التي أبادت من البشرية الملايين، وبحلول عام 1945 تغيرت الخارطة السياسية والعسكرية في العالم، وأصبحت الدول المنتصرة في الحرب وهي الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وبريطانيا وفرنسا أعضاء دائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة التي أُنشئت حينها لتعزيز التعاون الدولي فيما بين هذه الدول ومنع الصراعات في المستقبل.

ثم تم تشكيل حلف شمال الأطلسي "الناتو" عام 1949 بزعامة أمريكا، وتبع ذلك إنشاء حلف وارسو 1955م لمواجهة التهديدات الناشئة من أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو) فنشأت الحرب الباردة مدة أربعين سنة بينهما اكتشفت خلالها الأسلحة النووية الأكثر فتكا بالبشرية، ثم تبع ذلك سباق تسلح وتجييش الجيوش وإنشاء القواعد العسكرية وزرع الألغام وغيرها من الأسلحة التي جعلت العالم كله قنبلة موقوتة تشتعل فيها الحروب بين الفينة والأخرى إلى يومنا هذا ويتلظى البشر من ويلاتها.

رغم ذلك الإرهاب والخطر المحدق بالعالم أجمع، لم يؤرخ أي مؤرخ في كل العالم لمفهوم (الإرهاب والتطرف) أو لأي حرب دارت بين الدول المتصارعة ولم نسمع بتحالفات لمحاربة ما يسمى الإرهاب ولا حتى كمصطلح، فمن أي رحم وُلِد هذا المصطلح السياسي الذي لا يكاد يفارق أسماعنا هذه الأيام صباح مساء في كل وسائل الإعلام حول العالم، حتى أصبحت كل الحروب تشن ضد (الإرهاب) بمعنى معين هذه الأيام، بل إن الأغرب من هذا وذاك أن الحرب على (الإرهاب) منذ أكثر من عقدٍ من الزمان لا تُشنُ إلا على المسلمين كما في فلسطين والبوسنة والهرسك والشيشان وأفغانستان والعراق وسوريا واليمن...الخ، فكيف نشأ مصطلح (الإرهاب)؟ ومن هو المستفيد الأول من هذه الحرب ومن المتضرر الأول؟

في أيلول/سبتمبر من عام 2001 تم ضرب برجي التجارة العالمية في أمريكا فخرجت أمريكا تستهدف المسلمين في عقيدتهم وثرواتهم بوصفهم العدو الذي طالما بحثت عن ذرائع لوضع يدها عليه، فثارت ثائرتها وأعلنت حربا استئصالية على تنظيم القاعدة في أفغانستان، ومن هنا ظهر مصطلح الحرب على (الإرهاب) وتم تداوله بكثافة.

ثم اتضح الأمر جليا ما هو (الإرهاب) الذي أعلنت الحرب عليه؛ ففي تصريحات مسؤولين غربيين لا حصر لها تحدث الجميع عن أن (الإرهاب) هو الإسلام بوصفه أنظمة حياة تطبقه دولته الخلافة، فمثلا في مؤتمر صحفي في البيت الأبيض في 2006/10/11م ذكر بوش فقال: إن وجود أمريكا في العراق هو من أجل منع "إقامة دولة الخلافة التي ستتمكن من بناء دولة قوية تهدد مصالح الغرب"، وإن المتطرفين المسلمين يريدون نشر "أيديولوجيا الخلافة" (أي فكر الخلافة) التي لا تعترف "بالليبرالية ولا بالحريات" وأنهم يريدون حسب زعمه "إرهاب العقلاء والمعتدلين وقلب أنظمة حكمهم وإقامة دولة الخلافة"، وأن "مغامرة الرحيل عن العراق ستمنح (المتطرفين) الفرصة للتآمر والتخطيط ومهاجمة أمريكا واستغلال الموارد التي ستمكنهم من توسيع رقعة دولة الخلافة". وهذا يعني بالضرورة أنهم ما جاءوا لاحتلال العراق بحثاً عن أسلحة دمار شامل كما كذبوا على العالم كله، وقد نشر موقع أخبار البيت الأبيض بتاريخ 2006/10/20م عن جورج بوش قوله "هؤلاء الأصوليون يريدون إقامة دولة الخلافة كدولة حكم، ويريدون نشر عقيدتهم من إندونيسيا إلى إسبانيا"، وقال أيضاً "تخيلوا وضع العالم الذي يقوم فيه هؤلاء (المتطرفون) بإسقاط الحكومات المعتدلة ويستولون على المنطقة التي سوف يهددوننا منها ويبتزوننا بامتلاكهم للنفط".

وهذا "ويسلي كلارك" الجنرال الأمريكي المثير للجدل خرج في أحد شطحاته الإعلامية سنة 2007، قائلا: "من كان يظن أننا خرجنا لأفغانستان انتقاما لأحداث 11 أيلول/سبتمبر فليصحح خطأه، نحن خرجنا لقضية اسمها الإسلام، لا نريد أن يبقى الإسلام مشروعا حرًا يقرر فيه المسلمون ما هو الإسلام، بل نحن نقرر لهم ما هو الإسلام"، فهل بعد هذا الوضوح من شيء؟!

أما توني بلير رئيس وزراء بريطانيا الأسبق فقد قال في المؤتمر العام لحزب العمال بتاريخ 2005/7/17م "إننا نجابه حركة تسعى إلى إزالة دولة (إسرائيل)، وإلى إخراج الغرب من العالم الإسلامي، وإلى إقامة دولة إسلامية واحدة تحكم الشريعة في العالم الإسلامي عن طريق إقامة الخلافة لكل الأمة الإسلامية"، وحذر في حديث آخر من أن "تحكيم الشريعة وإقامة خلافة واحدة في بلاد المسلمين وإزالة نفوذ الغرب منه هو أمر غير مسموح ولا يمكن احتماله مطلقا".

أصبحت السلطة الحاكمة فى كل بلاد المسلمين تستخدم مصطلح (الإرهاب) كفزاعة وتسمي أغلب العاملين في ميدان التغيير من الإسلاميين خاصة بأنهم (إرهابيون) ولو كان عملهم في التغيير بالكلمة فقط. و(الإرهاب) والحرب عليه أصبح هو الأغنية النشاز التي صُمّت بها آذان الناس صباح مساء، وامتلأت السجون والزنزانات!

والآن تقع كل بلاد المسلمين بين مشروع الهيمنة الغربية بكل أشكالها في السياسة والاقتصاد والاجتماع والفكر وبين رغبة الأمة في التحرر من ربقة الاستعمار وتلك الهيمنة، وإن اختلفت رؤية شعوب الأمة لسبيل الخروج من ربقة تلك الهيمنة، لكن السواد الأعظم في الأمة يرى سبيل الخروج من تلك الهيمنة لا يتم إلا بالإسلام والإسلام وحده، فهو القادر على إسقاط الهيمنة الغربية وإعادة الأمة لأن تمتلك زمام أمرها. ولأن الغرب يدرك ذلك جيدا فهو يجتهد في الكيد للأمة كي يصرفها عن مشروع نهضتها وهو استئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الخلافة الثانية على منهاج النبوة ولكن هيهات هيهات ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

غادة عبد الجبار – أم أواب

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر