مكر أو انهيار في تركيا!
December 02, 2018

مكر أو انهيار في تركيا!

بسم الله الرحمن الرحيم

مكر أو انهيار في تركيا!

بقلم: أبو مصعب نبيل

 هل ما حدث في الآونة الأخيرة من أحداث متسارعة في تركيا هو عبارة عن حرب وانتقام من شخص الرئيس أردوغان كما يعلن عنه؟ أم يراد به المساس بالشخصية التركية المسلمة؟ أم هو غضب أميركي لأجل القس برونسون؟ أم هي نتاج كذبة تفنن الإعلام الخبيث في تزويقها ورميها بأجمل صورة ممكنة حتى تبهر الناظر قصير النظر وعديم البصر أنه إنجاز خارق لرجل لم تنجب مثله الأمهات؟ لنتبين ذلك سنقوم باستعراض سريع لحال تركيا الاقتصادي بعد هدم الخلافة العثمانية وتقاسم ثرواتها.

 يلاحظ أنه من فترة استلام مصطفى كمال وتشكيله حزب الشعب الجمهوري 1923م حتى عام 1929م تركَّز الاقتصاد التركي على تراكم الثروات الخاصة فقط. وبين عام 1929م أزمة الكساد العالمي إلى 1945م، والتي خلف بها عصمت إينونو مصطفى كمال تركَّز الاقتصاد على تراكم الدولة للثروة في الأزمات العالمية. ومن عام 1950م إلى 1960م تعاقب على الحكم كل من عدنان مندريس، وانقلاب الجنرال جمال جورسل 1960م، وعودة حكومة الائتلاف برئاسة عصمت إينونو، وبعدها فوز حزب العدالة بزعامة سليمان ديميريل، ثم فترة الفوضى العسكرية، يتبعها فوز حكومة أجاويد، حتى الانقلاب العسكري لصالح كنعان إيفرين... فقد تميزت هذه الفترة بإنتاج التجارة الليبرالية في السلع والخدمات وتعاملات أسواق المال، ولكن الاقتصاد كان متخلفًا يبحث عن التطوير والإصلاح معتمدًا على الاستدانة الخارجية؛ حيث وصل الدين عام 1980م حوالى 16.2 مليار دولار، أي أكثر من ربع الناتج المحلي الإجمالي، وتزايد الدين بعد ذلك. وبعد الانقلاب، أي عام 1983م، فاز تورغوت أوزال بأغلبية، وخلفه بعد وفاته سليمان ديميريل، ثم فاز نجم الدين أربكان بأغلبية عام 1995م مع حزب الرفاه، ثم انقلاب 1997م وسقوط حكومته، فتولى أحمد نجدت سيزر... فقد تميزت هذه المرحلة بتأثر الاقتصاد التركي من حرب الخليج؛ حيث أوقفت خط كركوك؛ وبذلك خسرت تركيا من 300 إلى 500 مليون دولار بدل رسوم عبور النفط، مع خسارة 3 مليارات دولار كتبادل تجاري مع العراق عام 1992م، فاستخدمت الحكومة تصنيفات وكالات التصنيف الائتماني لتركيا في الثمانينيات لجذب أموال لتغطية العجز، فبلغت صادرات السندات الدولية في تلك الفترة 7.5 مليار دولار، وفتح باب الاقتراض، ونتيجة لذلك ارتفعت الديون الأجنبية قصيرة المدى بشكل حاد، وعدمت الثقة في قدرة الحكومة على إدارة الديون، وفي عام (1993-1994)م خفض تصنيف تركيا في الوكالة لانعدام الثقة؛ مما أدى إلى هروب رؤوس الأموال معلنة انهيار العملة، ثم تلاها تعويم العملة عام 1999م حتى أصبحت الليرة التركية مقابل الدولار حوالي 1650000، وذلك في عهد نجم الدين أربكان وأحمد نجدت سيزر؛ حيث تميزت هذه المرحلة بالركود الحاد وارتفاع معدلات التضخم، وحدثت أزمة 21 شباط 2001م، والتي عرفت بأزمة الأربعاء الأسود؛ حيث اتهم أحمد نجدت سيزر حكومة أجاويد بالتقصير، فانسحب مع بعض الوزراء مخلفًا وراءه انهيارًا للعملة التركية؛ مما زاد الديون من صندوق النقد الدولي، وارتفع الدين الذي كان 38% في عام 2000م إلى 74% عام 2001م، وارتفع معدل البطالة من 65% عام 1999م إلى 10.4% عام 2001م. وفي عام 2002م، فاز حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان، فلم يستطع التولي لأنه كان ممنوعًا من ممارسة السياسة، فاستلم عبد الله غل، وعدل الدستور ليسمح بتولي أردوغان منصب رئيس الحكومة. وفي عام 2004م حذف ستة أصفار لتصبح العملة الجديدة اسمها الليرة التركية الجديدة التي تساوي مليون ليرة تركية، وهنا بدأ تزاوج القرار السياسي مع الثقافة الدينية متمثلة في حكم رجب طيب أردوغان. وفي عام 2007م، اختار حزب العدالة والتنمية عبد الله غل ليكون مرشحها الرئاسي، ولكن تم مقاطعة الانتخابات لتلغى الجولة الأولى بعدم حضور أغلبية الثلثين ليستلم بعدها رجب طيب أردوغان، وهو يعتبر أول رئيس يتم انتخابه من الشعب مباشرة، وفاز بنسبة 52% لتبدأ مرحلة جديدة في الاقتصاد التركي الوهمي؛ حيث إن للإعلام قوة جبارة في طمس الحقائق، وتزيين من تريد إظهاره، وهنا سوف نعرض بعضها بالأرقام.

في نهاية عام 2013م، بلغت المديونية الخارجية التركية حوالي 388 مليار دولار، في الوقت الذي تداول فيه تخلص تركيا من الدين الخارجي، فهل يعقل أن تنتج دولة مثل تركيا، والتي مرت في عدم استقرار سياسي طيلة هذه الفترة وكانت تعيش أوضاع سياسية متقلبة بحرب خفية بين عمالة أوروبا وخاصة بريطانيا وعمالة الولايات المتحدة الأميركية حتى جاء رجب طيب أردوغان، وببضع سنين استطاع على حد زعمه أن يوفي صندوق النقد الدولي وكل ديون تركيا، فكيف نفسر ذلك؟

 والحقيقة أنه نعم، إن تصريح أردوغان كان صحيحًا من حيث اللفظ، أي أنه تم تسديد آخر قسط من الديون المستحقة على تركيا لصالح صندوق النقد الدولي، ولا يشمل هذا الكلام ديون تركيا المستحقة عليها لصالح الحكومات الأجنبية والبنوك والمؤسسات المالية وغير المالية، كما لا يشمل السندات العالمية. وهكذا تم التلاعب بعقول الكثيرين. وطبعًا، هذا التصرف غير مقبول في الحالة العادية من قبل صندوق النقد الدولي وغيره من المؤسسات المالية إلا برضى وضغط أميركي، وطبعًا تم مضاعفة الفائدة لهذه الديون بشكل كبير جدًا، وساعدت أميركا بإلغاء الرسوم الجمركية على تركيا لصادراتها إلى الولايات المتحدة والدول التي تتبع لها؛ لذلك نجد صادرات تركيا في عام 2014م تعدَّت 152 مليار دولار، وهذا ليس دون مقابل؛ بل لوصول أميركا إلى غايتها في السيطرة على تركيا كاملة، وقرارها، وتغيُّر نظامها من برلماني إلى جمهوري، ولن يحقق لها هذا إلا بشعبية أردوغان الماكر، ناهيك عن استخدام تركيا وأراضيها للمخططات الأميركية، ورسم شخصية أردوغان لتكون منارة يهتدى بها لتطبيق العلمانية الحديثة التي تكلم عنها، على أنها تجربة ناجحة ووصفة سحرية؛ وبذلك تربعت تركيا في المرتبة 17 عالميًا، وبهذه الخلطة الماكرة، وما تبعها بالانقلاب إلا لتنظيف تركيا من كل ما لا يتبع سياسة أميركا بشكل نهائي، وهذا يدخل في خطة أميركا (تنظيف الشرق الأوسط من كل العمالات الأوروبية والبريطانية خاصة) وبعدها قبل أردوغان بتقديم موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وهذا التقديم لم يكن محض صدفة، بل مخطط له قبل أن تتقلص شعبيته وتدخل تركيا في محن اقتصادية كبيرة كما يحدث اليوم.

وفي أواخر عام 2016م، أعلن البنك المركزي التركي أن ديون الشركات التركية بالعملة الأجنبية بلغ نحو 210 مليار دولار، بينما بلغ معدل التداول أكثر من 160%، وهي نسبة تجبر جميع الشركات على مزيد من الاقتراض أو الإفلاس؛ لأن معدل التدوير يعني كل 100 دولار مستحقة على تلك الشركات تم اقتراض 100 دولار آخر، إضافة إلى 60 دولار أخرى إضافية؛ ولذلك نجد أن أكبر الشركات التركية لتصنيع الغذائيات (يلديز القابضة) التي يملكها أغنى رجل في تركيا (مراد أولكر) تعلن عن اتفاق لإعادة تمويل مبلغ وصل إلى 7 مليارات دولار مع مقرضيه.

وفي نهاية آذار 2018م أعلنت وزارة الخزينة التركية عن إجمالي الدين الخارجي لتركيا 553.2 مليار دولار، وهذا الرقم يتجاوز نصف الناتج المحلي الإجمالي، ونجد أن الحكومة هي التي تقود الشركات إلى مزيد من الاقتراض؛ مما أدى إلى انزلاق الاقتصاد التركي وعجز الميزان التجاري.

ولذلك نجد أن اعتماد الاقتصاد التركي على الأموال الساخنة (هي استثمار أجنبي غير مباشر، ويتضمن شراء غير المقيمين للأوراق المالية والمشتقات المالية القابلة للتجارة والتبادل في البورصات) تعد سياسة غير فعَّالة في مؤشرات الحساب الجاري والقطاع العقاري، ويجب على صانعي السياسة الاقتصادية أن لا يثقوا في حركة الأموال الساخنة ذات التمويل القصير، ناهيك عن أضرارها التي لا تحصى؛ لذلك نجد أن انهيار العملة التركية هو أمر عادي بعد بداية رفع الوصاية الأميركية. إذا كانت هذه كذلك، فقد لا تكون أصلًا رفع وصاية، بل خداع كما عهدناهم.  

- قد تكون ضد الاتحاد الأوروبي وعملته؛ لأن الليرة التركية لها تعلق بمنطقة اليورو؛ حيت لها قروض تزيد عن 150 مليار دولار في تركيا، وبذلك نلاحظ تعرض بنوك كل من إسبانيا وفرنسا وإيطالية لأزمة. وهذا لوحظ حيث انخفضت أسهم uncredit الإيطالية 5.6%، و BBVA  الإسبانية 5.5%، ومؤشر BNP Paribas %4.3، وDEVTSHE BANK %5.3، والجميع يعلم عدم قدرة تركيا على جلب النقود خلال الأوقات الصعبة لسداد ذلك الدين؛ وذلك أدى إلى انخفاض غير مسبوق لليورو أمام الدولار. وهنا يخطر سؤال: لماذا يتمسك أردوغان بعدم رفع الفائدة، ويمنع البنك المركزي التركي من ذلك، وهو الذي خفض الفائدة قبل الأزمة بأسبوع، فهل هي مفتاح انهيار اليورو؟ أو لإظهار عداء أميركا الجديد لتركيا لتنخرط مع أحد أطراف الحرب التجارية المنعقدة الرحى؛ لتكون عين وأذن الولايات المتحدة. وهذه التحالفات التي سوف تظهر قريبًا على الساحة الدولية سوف تحاول أميركا جرها عنوة إلى حرب عسكرية؛ وبذلك تخرج هي من الأزمة المالية ولم تنهك؛ لتعيد هيكلة النظام المالي الدولي من جديد بصيغة أخرى؛ ولذلك نلاحظ من تصريحات أردوغان أنه يتوجه إلى التحالف الروسي الصيني. 

وفي جميع الحالات، لا يخفى علينا ولا على العالم مكر الولايات المتحدة وخبثها. وإن العالم سوف يشهد تساقطًا لهيكل النظام المالي العالمي بدفع أميركي، وتحاول أيضًا افتعال قلاقل على جميع الأصعدة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية حتى تغرق العالم بحرب لا قبل لهم بها، وهذا كله من مفرزات هذا المبدأ العقيم الذي قام على الربا والاستغلال وفرض العبودية.

لذلك ليس هناك حل أمام العالم سوى الانصياع لما تخطط له الولايات المتحدة لأنهم ليس لديهم رؤية واضحة خارج هذا المبدأ المقيت؛ ولكن الإسلام قادم، ونسأل الله عز وجل أن يعجل لنا بظهور هذا المبدأ الرباني الذي يخرج العالم أجمع من هذا المأزق الكبير ويعيد الحقوق إلى أهلها، ويسير بالعالم إلى ما يحب الله ويرضى، ويخرج العباد من الظلم الواقع (منذ سقوط دولة الخلافة التي رآها العالم الغربي أنها عقبة أمام تقدم الجشع وسرقة أقوات العالم. وما نرى من رفاهية ومدنية في الغرب، ما هو إلا بسبب سرقة أرزاق العالم) إلى عدل الإسلام.

إن السعادة لا تتحقق بمزيد من الظلم والنهب وقلة الأخلاق، وإن الإنسان هو نفسه في كل العصور، وهو بحاجة إلى منهج رباني يحكم مفاصل الحياة فيه. فالله أعلم بنا من أنفسنا؛ لذلك نناشد كل المخلصين في هذا العالم أن يقفوا ويكبحوا تمرد هذا الظالم وليس المسلمين فقط، فإن وجود دولة كدولة الخلافة تضمن العدل وتحارب الاستغلال والظلم والجشع على العالمين.

ونقول لهذه الأمة غذي السير مع حزب التحرير، فهو الوحيد القادر على دك معاقل الظلم بمنهجه القويم، وحماية رجال هذا الحزب العظيم من بطش العملاء الخونة الذين باعوا الدين بالدنيا، وغرَّهم بالله الغرور. قال تعالى: ﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ124.

المصدر: مجلة الوعي – العدد 386 – ربيع الأول 1440هـ / تشرين الثاني 2018م

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر