من ولاية تكساس وتهديدها بالانفصال  إلى كاليفورنيا المضطربة ونذر الحرب الأهلية
July 15, 2025

من ولاية تكساس وتهديدها بالانفصال إلى كاليفورنيا المضطربة ونذر الحرب الأهلية

من ولاية تكساس وتهديدها بالانفصال

إلى كاليفورنيا المضطربة ونذر الحرب الأهلية

إن الدول الكبرى عندما تشيخ وتهرم تظهر فيها الأمراض، وأول تلك الأمراض هو التراجع الفكري المتعلق بالمبدأ، والذي بدوره يؤدي إلى حالة من الاضطراب عند الساسة فلا يقدمون أي خدمة للدولة، من الناحية الفكرية، وتظهر حالة التناقض الفكري والاتهامات المتبادلة، والطعن والتشكيك في المبدأ، بل الانحراف، وعدم القدرة على حل القضايا العالقة، فتهتز الثقة عند من بيدهم الأمور، وتتدحرج كرة الثلج إلى العامة، ويُرى ذلك في انعكاس وتدهور في الخدمات، والترهل في كل شيء، والسبب بأن مستوى القناعات الفكرية في الإطار العام والهيكلي للدولة قد تراجع، بحيث أصبحت المفاهيم عندهم لا تشكل قناعات قوية حتى يدافعوا عنها.

وتبعا لكل هذا تظهر عند الأمة العنعنات، فيطلقون بالونات اختبار، في شكل مظاهرات، وحالات تمرد وعصيان من حين لآخر، معبرين عن عدم رضاهم عن سير الدولة، فإذا نجحت الدولة وقويت فكريا تزول هذه الأعراض، وتعود كما كانت، أما إذا ظلت حالة المرض الفكري الناتج عن فساد المبدأ من أساسه، واستنفدت كل أشكال الترقيع الذي عاش به منذ قرون، فتتدهور حالة الدولة، إلى أن تصل مرحلة الانهيار الكلي، كما جرى للاتحاد السوفيتي سابقاً. أما إذا كان المبدأ صحيحا، منبثقا من عقيدة عقلية، ومعالجا للعقدة الكبرى؛ من أين جئنا؟ وإلى أين نذهب؟ ولماذا جئنا؟ ليصل الإنسان إلى وجوب وجود خالق لهذا الكون، وأن الله أرسل الرسل، فتصبح مثل هذه العقيدة مبدأ صحيحا، قادرا على معالجة قضايا الإنسان، بوصفه إنسانا. فالإسلام مبدأ للحياة بدولته الخلافة، قد حل هذه العقدة الكبرى. فإن غاب هذا المبدأ، فهو قادر على العودة إلى الحياة من جديد.

واليوم تعيش أمريكا نموذج المبدأ الفاسد، الذي استنفد ترقيعاته، وهو المبدأ الرأسمالي، وبدت الأمراض تظهر فيه من حين لآخر، معلنة بداية ونهاية السقوط المدوي لهذا المبدأ، وحالة الترنح التي بدأت منذ فترة.

فلنقف على حجم تلك التحديات الكبيرة، التي ظهرت في أمريكا من اضطرابات فكرية، واضطرابات تعبر عن سوء الرعاية. فعلى سبيل المثال، اندلعت احتجاجات واسعة النطاق في لوس أنجلوس في ولاية كاليفورنيا، يوم السبت 10 حزيران/يونيو 2025 بعد أن نفذت دائرة الهجرة والجمارك، عدة مداهمات في أنحاء المدينة، وتصاعد الموقف بسرعة، بعد أن نشرت إدارة ترامب الحرس الوطني، بالرغم من اعتراضات حاكم ولاية كاليفورنيا نيوسوم ومسؤولين آخرين في الولاية. وقال ترامب إنه سيرسل المزيد من قوات الحرس الوطني إلى كاليفورنيا إذا لزم الأمر، وشدد أنه لا يريد حربا أهلية، مضيفا "أشعر أنه لم يكن لدي خيار بشأن نشر الحرس الوطني في لوس أنجلوس، وأعتقد أني فعلت الشيء الصحيح".

وفي تطور لافت نقلت وكالة نوفا نيوز بتاريخ 2025/6/10 اتساع رقعة الاحتجاجات ضد سياسة ترامب بشأن الهجرة، واعتقال ثمانية متظاهرين في سياتل. وفي ولاية تكساس، تم حشد الحرس الوطني في مواقع عدة تحسبا لمظاهرات جديدة. ووفقا لما نقلته وكالة نوفا نيوز، قال وزير الدفاع بيت هيغسيث للكونغرس، إن الأمر الذي وقعه ترامب السبت، يدل على إرساء سابقة لتدخلات مماثلة، في ولايات أخرى. وأضاف أن الأمر يتعلق بالوقاية. إذا وقعت أعمال شغب أو تهديدات لسلطات إنفاذ القانون في أي أماكن أخرى فسنتمكن من التدخل بسرعة، منتقدا حاكم كاليفورنيا غافن نيوسوم بسبب تحفظه المزعوم، حتى النائب العام بام بوندي، وأكد أن الإدارة لا تخشى أن تذهب أبعد من ذلك، ما يعني استخدام قانون التمرد. ونقلت العربية الثلاثاء 2025/6/10 عن غافن نيوسوم، حاكم كاليفورنيا على اقتراح ترامب باعتقاله، على خلفية الاحتجاجات التي تشهدها الولاية، ومدن أخرى رفضا لسياسة إدارة ترامب بشأن الهجرة، واصفا الدعوة بأنها خطوة لا لبس فيها نحو الاستبداد. وقال نيوسوم في منشور على حسابه الرسمي عبر منصة إكس "دعا رئيس الولايات المتحدة للتو إلى اعتقال حاكم ولاية وهو في منصبه. هذا يوم تمنيت أن لا أراه أبدا في أمريكا". وقد اندلعت احتجاجات أخرى وفق وكالة نوفا نيوز، في سان فرانسسكو وشيكاغو ودالاس وفيلادلفيا وإنديانا بوليس وميلووكي وبوسطن وأتلانتا وواشنطن.

وفي العام الماضي، نقلت الشرق نيوز في شهر كانون الثاني/يناير 2024 أعلنت المحكمة العليا الأمريكية بأغلبية تصويت، بقطع وإزالة الأسلاك الشائكة التي أقامتها ولاية تكساس على طول الحدود مع المكسيك لمنع المهاجرين من العبور إلى أراضيها. وبعد تصويت أغلبية 5 مقابل 4 في المحكمة العليا، تزايدت دعوات ولاية تكساس لإعلان الاستقلال عن الولايات المتحدة، حيث أثار قرار المحكمة غضب سكان تكساس، الذين يؤيدون الإجراءات التي اتخذها الحاكم الجمهوري جريرج أبوت في أيار/مايو 2021 بأمر تركيب الأسلاك الشائكة، على الحدود الجنوبية للولاية لمكافحة الهجرة غير الشرعية، والتي شهدت تدفقا للأشخاص الذين يعبرون الحدود من المكسيك. ونقلت الشرق نيوز كذلك في تشرين الأول/أكتوبر 2021 خبر قيام المدعي العام في تكساس كين باكستون، برفع دعوى قضائية ضد إدارة بايدن، بسبب إزالة العملاء الفيدراليين للأسلاك الشائكة. وظهرت مئات المشاركات على موقع إكس، تحت هاشتاج "تكساس" الذي يشير إلى انفصال تكساس عن أمريكا. وكتبت إحدى مستخدمات إكس التي تطلق على نفسها، الجيل التاسع من تكساس، "باعتباري من تكساس أعتقد اعتقادا راسخا، أن الخيار الوحيد القابل للتطبيق في تكساس، للمضي قدما هو التصويت على الانفصال". وأصدرت حركة تكساس القومية بيانا يدين حكم المحكمة العليا قائلة "إنها تعتقد أن المحكمة الفيدرالية خذلت تكساس مرة أخرى". ويشار إلى أن قرار المحكمة العليا بإرسال عناصر من حرس الحدود الفيدراليين لإزالة الأسلاك الشائكة التي أقامتها حكومة ولاية تكساس قد أعاد القلق من حدوث فوضى محتملة وشبح الحرب الأهلية.

هذا هو الواقع الذي جرى في العام الماضي، وأحداث منتصف شهر حزيران/يونيو من العام الجاري، وما حمل من تحديات جسام، ومظاهر لا تنتهي فصولها بإذن الله تعالى، إلا بموت أمريكا من الداخل وفق مبدئها الفاسد. وهذا ما نقلته صحيفة رأي اليوم الإلكترونية بتاريخ 2025/6/12 حيث قالت "باحث تنبأ بانهيار أمريكا يقول: التفكك بدأ للتو"، حذر الأستاذ بيتر تورتشين أستاذ في جامعة كونيتيكت، من أن الولايات المتحدة، تتجه نحو عقد يتسم بعدم الاستقرار السياسي، بشكل متزايد. أجرت مجلة نيوزويك الأمريكية مقابلة مع تورتشين عالم البيئة الذي تحول إلى مؤرخ، في أعقاب الاحتجاجات المتصاعدة، ونشر قوات الحرس الوطني في لوس أنجلوس، في حملة ترامب على المهاجرين، وذكرت المجلة أن تنبؤات تورتشين، بشأن ما يحدث قد صدقت بدقة غريبة على ما يبدو. ففي تحليل نشرته مجلة "نيتشر" عام 2010 حدد تورتشين عدة علامات تحذيرية مثل ركود الأجور ووجود فجوة متزايدة في الثروة وفائض في النخب المتعلمة لا يقابلها وظائف تناسب مؤهلاتها وعجز مالي متسارع، وقال إن كل هذه الظواهر وصلت إلى نقطة تحول في السبعينات، واستند تورتشين في تنبؤاته إلى إطار عمل يعرف باسم النظرية الهيكلية الديمغرافية التي تضع نموذجا لكيفية تفاعل القوى التاريخية التي تتجلى في عدم المساواة الاقتصادية وتنافس النخبة، وسلطة الدولة لدفع دورات عدم الاستقرار السياسي، وفي المقابلة قال تورتشين الذي يعمل حاليا أستاذا فخريا في جامعة يوكون إن كل واحد من تلك المؤشرات ازدادت حدة. مشيرا إلى الركود الفعلي في الأجور وتأثيرات الذكاء الاصطناعي على الطبقة المهنية، والمالية العامة التي لا يمكن التحكم فيها بشكل متزايد. ويجادل المؤرخ أن العنف في الولايات المتحدة يميل إلى التكرار كل 50 عاما تقريبا لافتا إلى نوبات من الاضطرابات حدثت في الأعوام 1870 و1920 و1970 و2020. ويضيف أن أحد أوجه الشبه التاريخية عما يحدث الآن هو عقد السبعينات. فقد شهد ذلك العقد ظهور حركات راديكالية من حرم الجامعات وجيوب الطبقة الوسطى، ليس فقط في الولايات المتحدة ولكن في جميع أنحاء الغرب، وقال لمجلة نيوزويك إنه كان قد توقع في عام 2010 أن تشهد الولايات المتحدة فترة من عدم الاستقرار السياسي ثلاثية الأبعاد مع بداية القرن الواحد والعشرين مدفوعة بتفاقم الفقر الشعبي والإفراط في إنتاج النخب، والضعف في قدرات الدولة. ووفقا لنموذجه فإن صعود ترامب لم يكن سببا للأزمة السياسية في أمريكا، بل كان أحد الأعراض التي انبثقت من مجتمع متوتر بالفعل، بسبب اتساع نطاق عدم المساواة، وتشبع الدولة من أعداد النخب، وقال لقد ازدادت المنافسة بين النخب بشكل أكبر مدفوعة الآن في الغالب بتقلص المعروض من المناصب بالنسبة لهم.

وقد ردد هذه النظرية عالم الاجتماع في جامعة واين ستيت، جوكا سافولاينن، الذي جادل في مقال رأي نشر مؤخرا في صحيفة وول ستريت جورنال بأن الولايات المتحدة تخاطر بخلق طبقة فكرية راديكالية قوامها أفراد تلقوا تعليما عاليا جدا، وأُقصوا من مؤسسات الدولة. وحذر سافولاينن من أن سياسات عهد ترامب مثل تفكيك برنامج التنوع والمساواة والاندماج والبحوث الأكاديمية وتقليص المؤسسات العامة قد تؤدى إلى تسريع وتيرة الاضطرابات، التي حدثت في السبعينات، وأشار إلى أن سياسات الرئيس ترامب يمكن أن تزيد من حدة هذه الديناميكية. وبدوره يعتقد تورتشين المؤرخ أن النظام الأمريكي دخل ما يسميها الحالة "الثورية" وهي مرحلة تاريخية لم يعد من الممكن لمؤسسات الدولة، من خلال آلياتها ونظمها احتواء الظروف المزعزعة للاستقرار. وختم بالقول إن كل هذه المؤشرات تكتسب لسوء الحظ زخما متزايدا.

لعل الشاهد في واقع أمريكا، وما بدا فيها من حالات الانحدار الداخلي، تبعه انحدار في سياستها الخارجية التي أسقطت قيمها التي تنادي بها منذ دخولها حلبة الصراع الدولي، من حقوق إنسان وديمقراطية وغيرها، بما تتشدق به، وخدعت العالم به منذ سنوات تطاولت على الناس، فهي بعيدة كل البعد عن أي قيمة تنادي بها، فعندما نادت بحقوق الإنسان، كانت هي أول من قتلت الإنسان بدم بارد، بدءا بالهنود الحمر، وهضم حقوق الزنوج، وترحيلهم بطريقة قاسية تشبه معاملة الحيوان وليس الإنسان. وهي أول من استخدم القنبلة الذرية في اليابان، وما زالت آثارها باقية، وأخيرا وليس آخرا جرائمها ضد الإنسان والإنسانية، وتضامنها الفج ودعمها غير المحدود لكيان يهود في حربه على أهل غزة، وقد شهد أمريكان ومنهم طلاب الجامعات بسقوط قيمها عندما خرجوا منددين بجرائم دولتهم ضد أهل غزة، وتدمير المستشفيات ودور الإيواء وسياسة التجويع. فسقوط أمريكا وما تنادي به من قيم فهي قد سقطت منذ فترة، وما بقي لها إلا التشييع الأخير الذي ينتظره العالم كله بما أذاقت به العالم من جرائمها وويلاتها، وأسلوبها القذر، في استعمار العالم بأبشع الصور من افتعال للحروب وتجويع العالم وجعله في حافة الجوع والمسغبة، وصناعتها للأزمات المتلاحقة. فما يحتاجه العالم اليوم هو بروز مبدأ جديد يحل محل المبدأ الرأسمالي، الذي تدير به أمريكا العالم، وقد فشلت فشلا مدويا، والمبدأ الصحيح اليوم متوفر عند المسلمين، وهو مبدأ الإسلام العظيم. ولا يحتاج إلا لدولة تطبقه وتحمله إلى العالم بالدعوة والجهاد، وهي دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله تعالى.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الشيخ محمد السماني - ولاية السودان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر