July 10, 2014

مناهضة الأخونة أم حرب على "إنما المؤمنون إخوة"!


تزامن قصف يهود الغاشم على أهلنا في غزة مع حملة إعلامية دنيئة لأبواق الأنظمة المستبدة في بلاد المسلمين، تنوعت هذه الحملة بين التشكيك بأعمال المرابطين والأهداف التي وصلت لها القذائف والتنويه بضعف الإمكانات وقوة الخصم وحلفائه. احتفلوا بفشل المجاهدين ثم ما لبثت أن فضحتهم التصريحات الرسمية من الجانب الصهيوني وصور الصهاينة وهم في حالة خوف وهلع. وما أن فشل التشكيك في الأهداف انتقل الحديث إلى محاولة يائسة لكشف عبثية المقاومة وأن الخسائر البشرية والمادية في جانب كيان يهود محدودة بينما ضربات سلاحهم الجوي تفتك بأهل غزة زاعمين أن القيادة السياسية زجت بالناس في حرب غير متكافئة. ثم حاولوا أن يعزفوا على نغمة أخرى قديمة وهي تآمر أفراد وقيادات فلسطينية على القضية وأن هؤلاء المتآمرين هم أس البلاء إذ إنهم يكشفون الأهداف لليهود ويخونون بني جلدتهم. بدت هذه التحليلات كمن فسر الماء بعد جهد طويل بالماء ولمحوا لخيانة السلطة وبيعها للقضية وكأن الأمة تحتاج لشواهد بعد المعاهدات والمؤتمرات والمصالحات وعمل الأمن الفلسطيني علناً لتأمين المحتل، وسلطة تبحث عن أي بقعة تضع فوقها كرسياً وعلماً ملوناً. كتبوا عن تخاذل السلطة الفلسطينية وتغافلوا عن دور أنظمتهم في ترسيخ الاحتلال وسمسرة حكامهم لصالح العدو.


كثرت الادعاءات ولكن بيت القصيد فيها والخلاصة أن المقاومة تنتمي للإخوان ومن ناصرهم فقد ناصر الإخوان وغفل عن المبررات الكثيرة لعدم نصرة غزة. يدعون أنهم يستهجنون المطالبة بنصرة غزة في ظل واقع معقد وقيادات متآمرة وحرب خاسرة لا محالة. بل إن البعض بلغ به الحال أن رفض أن يسمي ما يجري بقصف واستأثر أن يطلق عليه عملية "تنظيف" وكأن الأمر يتم بتنسيق أمني معه شخصياً عبر خط ساخن لتحديد الأهداف. ومنهم من اصطف مع الكيان الصهيوني وتبنى زورا مقولة البادي أظلم وإن جنحوا للسلم.. مواقف هذه الأبواق المتصهينة تجسد قول المثل (يكاد المريب يقول خذوني). إنها نخب ابتليت بها الأمة، تختلق المبررات وترد عليها، وتدخل في جدال عقيم مع نفسها لكي ترفع الحرج عن أنظمة مكشوفة للعالم. لم تعد الأمة تعول على هذه الأنظمة التي تطيل من عمر الاستعمار أو تظن بهم خيرا، بل إن استنصار المستضعفين بالأنظمة بات يقارن بعبثية الاستنجاد بالأموات. لا يود المسلم سوى أن ينصر أخاه المسلم ويكون له كالبنيان يشد بعضه بعضاً.


لا ترتفع أصوات هذه الأبواق المتصهينة بالتهليل والتكبير إذا أفلح المجاهدون وسدد الله رميهم بل تراهم في غيظ وحيرة وتشكك وهم يسألون "من أين لهم هذا ومن أعطاهم السلاح وهم في حصار منذ زمن". تعلو أصواتهم في السؤال عن مصدر السلاح البعيد ويخرسون عند الحديث عن السلاح القريب الذي أكله الصدأ أو صفقات السلاح المشبوهة أو عن تبديد أموال الأمة والمشاريع الوهمية من حولهم ورائحة الفساد التي تزكم الأنفاس. يحاسبون المستضعفين على وقفة عز وكرامة ولا يحاسبون الفاسدين من حولهم أو يقولوا لهم "من أين لك هذا وماذا فعلت بأموال المسلمين؟" ولا عجب.. إنه هرم العلمانية المقلوب وعيون وقحة ترى العالم بعدسات مستعارة بالية ومتسخة. يروجون للأكاذيب ويطمسون الحق ويسدون آذانهم عن صرخات الحرائر وأنات اليتامى وخذلوا إخوتهم ثم تجدهم يتظاهرون بالعقلانية والتمدن ليرضى الغرب عنهم وعن منطقهم المعوج. إنه منطق من قصف العدو بيته وفقد كل أهله ثم صرخ من تحت الركام "قاتلكم الله حرقتم بدلتي الجديدة"!!


تخاذل الأنظمة أمر معروف وعمالتهم وتبعيتهم أمر ذو جذور ومتزامن مع اغتصاب الكيان الصهيوني لمسرى الرسول الهادي صلى الله عليه وسلم وهذه العمالة والتبعية التي تناقلوها كابراً عن كابر هي السبب الوحيد لبقاء دويلة الصهاينة ليومنا هذا. ولكن الجديد في الأمر هو ادعاء العداء لفصيل بعينه كمبرر لهذه العمالة وهذا التآمر. تعليقات وكتابات تطمس الفوارق بين ما يصفونه بمراهقة سياسية وتحركات غير محسوبة وبين استهداف الكيان المحتل للمدنيين العزل وقصف البيوت. إنها نظرة مجردة من البعد العقدي ولا ترى في أشلاء الأطفال سوى ضحايا مغامرة، نظرة مكيافيلية تستند لمقولة نيكولا مكيافيلي "لا يمكن تجنب الحرب لكن يمكن تأجيلها من أجل مصالح آخرين." إن هذه الحرب لا تعنيهم في شيء بل يرون أن لا ناقة لهم فيها ولا جمل، لا يغلي الدم في عروقهم لانتهاك الحرمات أو لمناظر الدم والجثث والأشلاء. لا يغضبون لاستهداف الأطفال والنساء والشيوخ. لا يستغفرون لخذلان الصائمين القائمين الركع السجود.. لا يأبهون لذلك لأنهم ليسوا منا ولسنا منهم.


الجديد في طريقة فصل الأمة عما يحدث في غزة هو الهوس بشبح الإخوان وغير الإخوان واستخدامه كشماعة لكل صغيرة وكبيرة تماما كما اتخذ الغرب الإرهاب وسيلة لتكميم الأفواه والسيطرة على البشر. حرب على الإسلام بعباءات ومسميات مختلفة. يستعجب البعض من لا مبالاة النخب والإعلام في بلاد المسلمين لمصاب المسلمين في أصقاع الأرض وينسون أن هذه النخب وكثيراً من الإعلاميين يبررون قتل المسلمين ويناصرون العدو، كيف لا وهي نخب استوعبت الدرس الذي جاء في كتاب الأمير لمكيافيلي "لا يفتقر الأمير أبداً للأسباب كي يكسر بوعده" أو في مثل هذه الحالة ليبرر تقصيره في التزاماته تجاه إخوته في الدين. إنهم يعادون الإسلام والأخوة في الإسلام ويستخدمون تشويه الجماعات الإسلامية كستار لهذا العداء والشواهد كثيرة.


إن محاولة فصل الأمة عما يحدث في غزة عبر الهوس بشبح الإخوان محاولة يائسة ومصيرها كمصير تهمة الإرهاب التي يستخدمها الغرب كشماعة لكل صغيرة وكبيرة لتكميم الأفواه والسيطرة على البشر. من يناصر الصهاينة في قصفهم لغزة ويبرر للمتقاعسين عن نصرتهم هم الكتاب المغرضون أنفسهم الذين يحاربون دين الله ويطعنون في الدعاة الغيورين على دين الله. إنها الأقلام ذاتها التي تثير الأقاويل على المسلمات القانتات فتصفهم بالأخونة كلما عجزوا عن الرد على الحجج والبراهين. ينظمون الحملات المغرضة ويسنون أقلامهم في الباطل خصوصاً إذا ما تعلق الأمر بنصرة قضايا الأمة أو تطبيق الأحكام الشرعية على وجهها الصحيح. وها هم الآن يتابعون تفاصيل ما يجري لأهل غزة ولسان حالهم يردد مقولة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق نيفل تشامبرلين الذي وصف الحرب التي شنها هتلر على تشيكوسلوفاكيا عام 1938 بأنها "حرب في بلاد بعيدة بين أناس لا نعرف عنهم أي شيء" بل ويضيفون لمقولة تشامبرلين أنها حرب خاسرة يقودها مغامرون ونحن في حل من التدخل فيها.


لقد سمع المسلمون في العريش دوي القصف في غزة كما سمع أهل تركيا من قبلهم آهات المسلمين في الشام.. سمعوهم ولكن لم يلبوا ولم يطالبوا بحقهم ولم يزلزلوا الأرض تحت أقدام الطغاة لتفتح لهم السبل لنصرة الأخ القريب.. سمعوهم ولكن منعتهم حدود المستعمر وذل الحكام ووسوسة شياطين الإنس من تلبية النداء. سمعوا القصف ولكن شاشات التلفاز منهمكة في اللهو واللغو. بينما جيوشنا تحيي ليلة العاشر من رمضان بمتابعة مباراة كرة قدم وتصرف وجهها عن قصف الأبرياء في غزة. سكت الجميع عن جرح ينزف ونطق السفهاء يبررون للعدو الصهيوني ويجندون أقلامهم لنصرة قضايا الكيان الصهيوني ولم يبقَ لهم سوى التباكي عليه.


هل يعقل أن يبلغ الهوان بالمسلم أن يصطف مع العدو الصهيوني ليبرر موقف من يعطيه حفنة من الدولارات ويبيع آخرته بدنيا فانية! ألم يتعظ القوم بقصص من ظلم من قبلهم وابتلاء الله لهم بزوال النعم وتقلب الحال ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾، أيأمنون مكر الله وهم يجاهرون بعداء الله ورسوله والمؤمنين؟ ألا يخشون أن يكون هذا الطفل اليتيم الجريح خصيمهم يوم القيامة.. ألا يستحيون من الله في الشهر الكريم.. ألا يعقلون؟!


ربنا إننا مغلوبون فانتصر، مظلومون فانتقم، متضرعون فاستجب، مستغيثون بك فأغثنا يا أرحم الراحمين.

﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾




كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أم يحيى بنت محمد

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر