September 15, 2013

مقالة أمريكا والخيارات المتاحة لها في مصر

لقد ظنت أمريكا - دولة الاستعمار الأولى في العالم - أنها قد امتلكت زمام الأمور في مصر، نتيجة هيمنتها وسيطرتها الطويلة على نظام الحكم فيها من خلال المؤسسة العسكرية التي سيطرت عليها منذ الإطاحة بحكم الملك فاروق والمجيء بالضباط الأحرار إلى سدة الحكم، وتركيز تلك الهيمنة بعد اتفاقية كامب ديفيد التي من خلالها استطاعت أن تربط الجيش وقياداته بها تمويلا وتسليحا وتدريبا.


ولعل هذا الظن جعلها تتصرف في مصر تصرف المطمئن الذي يرى الأمور كلها تحت السيطرة والمفاتيح كلها في يده، خصوصا وأن الوسط السياسي في البلاد يكاد أن يكون في الدائرة الأمريكية المغلقة، فأغلب السياسيين والإعلاميين ورجال الأعمال وأصحاب النفوذ تربطهم مصالح وعلاقات مشبوهة بأمريكا ودوائر مخابراتها، التي تكاد تلمس لها وجودا فاعلا ومؤثرا في كل مفاصل الحياة في مصر، في السياسة والاقتصاد والإعلام. ومن السخف الشديد إنكار ذلك التأثير الأمريكي في مصر، بل أقول تلك الهيمنة الفاضحة على مفاصل القرار السياسي في أرض الكنانة.


لقد تخلت أمريكا مرغمة عن عميلها المخلص وسمسارها الأول في المنطقة حسني مبارك، ولم تفكر كثيرا في البديل لأنه كان حاضرا وبقوة، فقد نقل مبارك سلطاته للمجلس العسكري، وليس لرئيس المحكمة الدستورية كما كان ينص الدستور حينها، في خطوة عنجهية من أمريكا وثقة منها في قدرتها على احتواء الثورة ولو بخرق الدستور، وكذلك لم تتردد كثيراً عندما أدارت ظهرها لمحمد مرسي - الرئيس المنتخب، بأن سلمت الدولة للجيش، ولكن بطريقة غير مباشرة هذه المرة تحت ستار حكم مدني، ومن خلال رئيس المحكمة الدستورية الذي أصبح رئيسا مؤقتا دون أن يملك سلطاناً فعلياً للحكم.


ولعل الذي جعل أمريكا تلجأ لهذا الأسلوب تعلمها من الدرس الذي تلقنته عندما وضعت المجلس العسكري في الصورة مباشرة، فالمجلس العسكري لم يستقر له الأمر وظلت المظاهرات تخرج بشكل أسبوعي ترفض حكم العسكر رفضا تاما، مما ورّط العسكر في صدامات مع الناس وإن كانت من خلال الشرطة، لكن الذي تحمل وزرها ولُطِّخ جبينُه بدمائها كان المجلس العسكري، ولهذا كان لا بد من أن يختفي من صدارة المشهد ولو مؤقتا... وعندما يعود فلتكن عودته من وراء ستار حركة شعبية.


ومن المفارقات العجيبة أن تكون هناك قناعات وتسليم مطلق عند كثير ممن كانوا يسمون أنفسهم بالثوار، بقدرة المؤسسة العسكرية وعلى رأسها السيسي على إدارة شئون البلاد، بعد أن خرجوا في ثورتهم الأولى في 25/1 ضد هيمنة هذه المؤسسة تحديداً على شئون الحكم والسياسة، والتي كانت قائمة منذ انقلاب يوليو سنة 1952، وطالبوا حينئذ بملء فمهم عدم تدخل الجيش في شئون السياسة وضرورة إبعاده عن الحكم! أقول من المفارقات العجيبة أن تسمع شخصا كحمدين صباحي، الذي كان يقاتل من أجل أن يكون أول "رئيس مدني" للجمهورية، حتى لو تطلب ذلك منه "التحالف مع الشيطان" كما كان يقول، أن تسمعه يصرح أنه لا يمكن أن يكون منافسا للفريق السيسي في الانتخابات الرئاسية إذا قرر السيسي الترشح لها.


نعم لقد قررت أمريكا التخلص من حكم الإخوان لعدم قدرتهم على إحداث الاستقرار الذي تحتاجه أمريكا في مصر لتحافظ من خلاله على مصالحها، ولقد ظهر عدم الاستقرار هذا من خلال ما يلي:


1- خرجت في ميادين مصر في فترة حكم مرسي 13 مليونية، أي بمعدل مليونية كل شهر.


2- لم يستطع مرسي استيعاب المخالفين له وظل الصراع بينه وبين المعارضة ممثلة في جبهة الإنقاذ مشتعلا.


3- إصرار مرسي على استمرار هشام قنديل رئيسا للوزراء، برغم فشله الواضح في حل أي مشكلة واجهتها حكومته، وبرغم ضعفه السياسي الواضح، وكان الأولى به بحساباتهم البراغماتية أن يرمي الكرة في ملعب المعارضة، ويعرض عليهم رئاسة الحكومة ويضع أي فشل في أعناقهم...، لكنه لم يفعل.


4- كانت هناك بالفعل محاولة لأخونة مؤسسات الدولة كما كانت المعارضة تتهم مرسي، ظهر ذلك في تعيينات المحافظين وبعض الإدارات في الدولة، وقد كان هذا قصر نظر من الإخوان، إذ إنهم قاموا بذلك في أماكن لا قيمة لها، وتركوا مفاصل الحكم الأساسية وهي الجيش والشرطة والقضاء تحت هيمنة الدولة العميقة، التي كان لها الأثر الأكبر في خلعه.


5- لم يستطع مرسي وجماعته كسب ولاء الجيش والشرطة. فالجيش لديه عداء تاريخي للإخوان منذ عهد عبد الناصر، والشرطة بكل أجهزتها كانت الأداة لتعذيب الإخوان، فأصبحت اليوم تحت إمرتهم، وهذا ما لم تقبل به، وكان أعضاء جهاز الشرطة يقولون إنهم "في إجازة لمدة أربعة أعوام"، أي طوال فترة حكم مرسي، بل قاموا بالكيد له أكثر من مرة، ومنها عدم دفع الاعتداء عن قصر الاتحادية.


6- رغم قيام الجيش بعملية "نسر" ضد الجماعات الجهادية في سيناء بأوامر من مرسي بناءً على التزامه أمام أمريكا بأمن إسرائيل، إلا أنه لم يستطع أن يحقق الأمن المطلوب لكيان يهود.


7- لم يستطع مرسي أن يؤثر تأثيرا قويا في الإعلام، يجعله أداة في يده كما كان يفعل مبارك، فإذا بالإعلام ينفلت من يده تماما، ما عدا بعض القنوات الهزيلة التي لا قيمة لها كقناة مصر25، وقناة الحافظ، واستطاع أن يقوم هذا الإعلام بتجييش الناس ضد الإخوان بشكل خاص وضد التيار الإسلامي بشكل عام، يسفِّه الرئيس وكل قراراته. وتحريض الإعلام بهذه الطريقة أدى إلى زيادة التذمر عند الناس بشكل كبير وإلى وجود حالة عدم استقرار واضح لم يكن بالإمكان السكوت عليه.


8- التخبط في اتخاذ القرارات من قبل مرسي وحكومته، فقد كان يتخذ القرار في الصباح ويتراجع عنه في المساء، مثال ذلك قرار رفع الأسعار ورفع الدعم عن بعض السلع، فقد اتُخذ القرار ثم تم تجميده مباشرة تحسبا لإثارة الناس...، خصوصا وأن الاستفتاء على الدستور كان وشيكًا. كذلك تراجعه عن الإعلان الدستوري الذي يحصِّن قراراته. ثم قراره بتعيين النائب العام عبد المجيد سفيرا لمصر في الفاتيكان وتراجعه عنه. وفشله في إدارة موضوع النائب العام بشكل لافت.


9- عملية حصار المحكمة الدستورية لتمرير الدستور وتحصينه، قبل صدور قرار متوقع من المحكمة بعدم دستورية اللجنة التأسيسية. وهو عمل يسقط هيبة الدولة، ويسبب عدم استقرار في أهم مؤسسات الدولة المصرية.


ناهيك عن إدراك أمريكا أن الجيش المصري هو حائط الصد المنيع للمحافظة على مصالحها، وأن ولاء قياداته لها مضمون، وأنه قادر على إزاحة الإخوان والسيطرة على زمام الأمور من خلال أدوات الدولة العميقة التي تدين له بالولاء.


نحن لا نقول أن ما تخطط له أمريكا وما ترسمه كائن لا محالة، بل نقول هذا ما تريده أمريكا، فهي تريد استقرارا لم يستطع الإخوان إحداثه، وهي تراهن على قدرة الجيش والمعارضة - وهما في يدها - على إيجاد هذا الاستقرار، لكن ليس بالضرورة أن يتم لها ما أرادت...


فحتى الآن لم يستطع الانقلابيون إحداث هذا الاستقرار إلا في أذهانهم وإعلامهم المضلل، الذي يتجاهل بشكل واضح المسيرات التي تخرج في مختلف المحافظات منددة بالانقلاب العسكري، والتي تميزت بزخم قوي في أيام الجمع بشكل خاص، كما أن الأمور تزداد سوءا في سيناء التي يخوض فيها الجيش المصري حربا ضروساً على الجهاديين بتنسيق وتعاون واضح مع كيان يهود، ويتم الأمر بعيدا عن الإعلام وضجيجه، ومما لا شك فيه أن مثل هذه الحملة التي لا تفرق بين أهل سيناء، ستزيد من حالة العداء والكراهية لأهل سيناء تجاه النظام الحاكم، فالذي كان ينتظره أهل سيناء هو الاهتمام بهم من وجه آخر غير الوجه الأمني، ورعاية شئونهم بإزالة حالة التهميش السائدة، وعدم المبالاة بوضعهم الاقتصادي والإنساني، فهم على هذا الحال من التهميش واللامبالاة منذ خروج يهود من سيناء بعد اتفاقية كامب ديفيد.


كما أنه لا يمكن للنظام الحالي إحداث استقرار في ظل وضع اقتصادي متدهور يزداد سوءا يوما بعد يوم، برغم الوعود الخليجية بالوقوف بجانب الانقلابيين، وسخائهم المالي الكبير. هذا الدعم الخليجي لا يمكن أن يستمر إلى الأبد كما عبر عن ذلك وزير خارجية السعودية في مقابلة مع قناة فوكس نيوز في الرابع من شهر سبتمبر الحالي، فكثير من المصانع والشركات الكبرى العالمية أغلقت أبوابها في مصر، كما تم تسريح عدد كبير من العمال والموظفين، حتى على صعيد المشاريع الصغيرة، فمنذ الانقلاب قامت العشرات من الشركات العالمية بإغلاق أفرعها في البلاد وإجلاء عامليها. فقد نقلت صحيفة نيويورك تايمز في 20 أغسطس الفائت عن "بروس مكايندو"، مدير بشركة تقدم الخدمات الأمنية والصحية للشركات العالمية في مصر قوله: "قبل دخول الصيف كان لنا في مصر آلاف العملاء، تبقى منهم الآن حوالي 200 شخص، معظمهم عمال شركات يقيمون في مواقع على أطراف القاهرة، حيث يشعرون هناك بخطر أقل من وجودهم في فنادق العاصمة". وأضاف: "نطالب الآن الجميع بعدم إرسال الناس إلى هنا إن لم يكونوا موجودين بالفعل، حتى الآن معظم الذين غادروا خرجوا في رحلات تجارية عادية، لكن الآن أصبح الوضع أكثر تعقيدا بسبب حظر التجوال". وأوضحت الصحيفة أنه منذ الانقلاب أغلقت كبرى الشركات مكاتبها في مصر مثل Royal Dutch Shell وجمدت تقريبا نشاطها في البلاد، في حين نقلت الشركات التي واصلت نشاطها عمالها إلى مناطق أكثر أمنا، بجانب إغلاق بعض أفرع مصانع غبور للسيارات.


وأوضحت الصحيفة أن مطار القاهرة الدولي الذي يستقبل 16 مليون سائح سنويا، يشهد ارتباكا كبيرا في مواعيد رحلاته وصلت في بعض الحالات لـ12 ساعة تأخير، مشيرة إلى أن شركات الحراسة المتعاقدة مع تلك الشركات تقوم بنقل الموظفين في شوارع القاهرة داخل عربات مصفحة إلى المطار.


وهذا ينبئ بكارثة اقتصادية ستقع على رؤوس الانقلابيين إن لم يتم تدارك الوضع سريعاً، خصوصا في ظل تنامي الدعوات للعصيان المدني من طرف الجهات الرافضة للانقلاب وما ترتب عليه من نتائج.


ولهذا لا بد من التساؤل عن الخيارات المتاحة أمام أمريكا في مصر في ظل هذه المتغيرات، هل ستستعجل أمريكا الاستقرار الذي تنشده فتعيد حساباتها تجاه قادة الانقلاب ومن ثم تبحث عن بدائل، أم أنها ليست في عجلة من أمرها؟


الذي يبدو أن أمريكا ليست في عجلة من أمرها، طالما أن القتل والذبح والملاحقة والاعتقال يطال المسلمين، وخصوصا من يحمل همّ المشروع الإسلامي في مصر، فلا ضير في ذلك، وطالما أن الوضع تحت السيطرة ولم تظهر قوى فاعلة على المسرح السياسي المصري تهدد نفوذ أمريكا بشكل جاد فالأمر مطمئن لها، خصوصا وهي تعاني مأزقا كبيرا في سوريا يتعلق بعدم قدرتها حتى الآن على حسم الأمور لصالحها، فهي تواجه قوىً كبيرة على الأرض تنادي صراحةً بمشروع الدولة الإسلامية - دولة الخلافة، التي يكاد يرفع لواءها جميع الفصائل المناهضة لحكم آل الأسد وحزبه البعثي الكافر.


ليس أمام أمريكا خيار في مصر سوى المضي قدما في تثبيت أركان الانقلاب والخروج من المأزق بإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية بعد إقرار دستور يعيد شكل الدولة المدنية التي صدعت رؤوسنا بالحديث عنها منذ 25 يناير وحتى الآن، وليس أمام المخلصين من أبناء الأمة في مصر من خيار سوى التصدي بقوة لهذا المشروع وتقويض أركانه ومن ثم إسقاطه من خلال عمل دءوب يركز على محوري الأمة والجيش على حد سواء، فالأمة تحتاج إلى مجهود جبار لإحداث الوعي الكافي عندها على مشروع الخلافة المنقذ لها، وهذا لا يقدر عليه سوى الحزب المبدئي الذي يحدد غايته بشكل واضح ويعرف طريقه للوصول لتلك الغاية، والجيش هو مصدر القوة والمنَعَة التي يجب العمل على كسبها، لتنحاز وبقوة لمشروع الخلافة العظيم وتتبناه وتعمل لقلع نفوذ أمريكا من مصر نهائياً وتقضي عليه بالضربة القاضية.

شريف زايد
رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير ولاية مصر

المزيد من القسم سياسة

يا علماء الأزهر: الشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار!!

ذكرت جريدة اليوم السابع في 26/10/2015م، أنها حصلت على نسخة من تقرير مهم لمرصد الأزهر الشريف أكد فيه "أن التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة "جائزة"، ما دامت ليست من قبيل الاستعانة بالمشركين على المسلمين طلبا لخذلان المسلمين، كما ذكر أن من مقاصد الشريعة عمارة الكون ولتحقيقها تمت الاستعانة بهم في نواح عديدة، منها الإدارية والصناعية والكتابية والقتالية وغيرها، واستدل بأن الرسول r استعان حينما هاجر إلى المدينة برجل مشرك ليدله على الطريق، وكان له غلام يهودي يخدمه بالمدينة، ولما قدم إلى المدينة كتب معاهدة بين المسلمين واليهود جاء فيها: (وأن بينهم النصر على من داهم يثرب)، ولما توجه رسول الله إلى مكة عام الحديبية ووصل إلى ذي الحليفة أرسل عينا له من خزاعة يأتيه بخبر قريش، وكان ذلك الرجل مشركا"، ليختم قائلا: "أما التحالف مع غير المسلم في مواجهة جماعة متطرفة تهدد أمن المجتمعات وسلامتها فعلينا هنا أن نفرق بين من يستعين بالمشركين على المسلمين طالبا خذلان المسلمين، قاصدًا هدم دولتهم، هادفًا إلى إضعاف شوكة الإسلام، كارها مبغضا لهذا الدين وأهله، فهذه الحالة نهى عنها ربنا تبارك وتعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وبين من يفعل ذلك ردا لعدوان فئة باغية لا يستطيع رد عدوانها وحده، مع احتفاظه بسيادة دين الإسلام في بلده ظاهرا غالبا، فلا مانع له أن يستعين بغير المسلمين تحقيقا لمصالح المسلمين؛ ولضرورة أمن المجتمع وسلامته".

من الواضح جدا أن الوضع في الشام يلقي بظلاله على المنطقة كلها، وأن هناك ترتيباً وتحضيرات لكي تصبح مصر مخلبا من مخالب أمريكا في الشام بإدخالها إلى حلبة الصراع كما فعلت في ليبيا من قبل، كجزء من حلف أمريكا في حربها الصليبية الجديدة بعد أن أوشكت روسيا على الفشل، وحتى لا يغضب أبناء الكنانة لتحرك جيشهم تجاه إخوانهم في الشام، ويكون هناك مبرر لقمع من يظهر الغضب منهم، فلا بد من مبرر قوي وفتوى شرعية لخداع أهل الكنانة وأبنائهم في الجيش حتى لا يؤرقهم فيما بعد تلوث أيديهم بدم إخوانهم في بلاد الشام، وبدلا من أن يصدر مرصد الأزهر وعلماء الكنانة بيانا وفتاوى تحرم تلك التحالفات على أبناء الأمة وتجرم الدخول فيها، وتبين وجوب نصرة أهل الشام وأهل فلسطين وغيرهم ورد كيد أعداء الأمة من أمريكا ويهود والغرب الكافر، أصدر المرصد تقريرا أجاز فيه التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة، ما دامت ليست من قبيل خذلان المسلمين، وكأن قتل المسلمين ليس خذلانا لهم أو أنه قد أصبح أحد مقاصد الشريعة، ولا ندري من أين أتى المرصد بهذه الفتوى وما دليله عليها؟! ولا عن أي شريعة وأي مقاصد يتحدث؛ فمقاصد الشرع تحفظ النفس المسلمة لا تقتلها بتحالف مع عدو الله ورسوله وعدو الأمة، والمعلوم من قول رسول الله r «إنا لا نستضيء بنار المشركين» ورده على المشرك الذي لحق بالجيش «إنا لا نستعين بمشرك»، أما الاستعانة في الأمور الإدارية فلم يرد تحريمها، وهي تختلف جملة وتفصيلا عن الاستعانة في القتال فضلا عن قتال المسلمين، والأصل فيها الإباحة ولا يجوز قياسها على قتال أهل البغي من المسلمين بأي حال من الأحوال، فهي ليست من الأمور الإدارية وإنما هي أحكام شرعية لأفعال الأصل فيها التقيد بأحكام الشرع المستنبطة من أدلتها، وما أتى به النص الصريح هنا في قتال طائفتين من المؤمنين ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّه﴾ فالأصل في قتال طائفتين من المؤمنين أن نعمل على الإصلاح بينهما ثم يقاتل المسلمون، والمسلمون فقط دون غيرهم، الفئة الباغية طالما بقيت على بغيها حتى تعود عنه، ولا يجوز لهم أن يستعينوا بكافر على إخوانهم بعدوهم أبدا، فكما في الصحيحين «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وحتى نفصل في الفتوى يجب أن نستعرض واقع الأمة اليوم؛ حيث لا وجود لدولة إسلامية بالمفهوم الشرعي بل كلها بلاد إسلامية يسكنها مسلمون، يحكمها حكام ضرار مغتصبو سلطة وضعهم الغرب الكافر على رؤوس البلاد والعباد لرعاية مصالحه ولقهر الأمة واستعباد شعوبها للغرب الكافر، وكل من حاول الانعتاق من التبعية والتملص من ربقة الغرب يتسلطون عليه بسلاح ثمنه من أموال وأقوات الأمة واصفين كل من حاول الانعتاق بكل أوصاف التطرف والإرهاب والخروج.

وهنا مع هذا الواقع يكون واجب الأمة خلع هؤلاء الحكام وتنصيب خليفة واحد تكون رئاسته عامة لجميع المسلمين ويحصل الحكم ببيعة شرعية صحيحة ويحكم الأمة بالإسلام كاملا شاملا غير منقوص، ويكون له وحده حق تبني الأحكام الشرعية وسنها دستورا وقوانين، بهذا فقط يكون لدينا دولة إسلامية من حقها وحدها قتال البغاة والخارجين، أما هؤلاء الحكام وعلماؤهم وعملاؤهم فهم مغتصبون لسلطان الأمة محاربون لله ورسوله وأوليائه، وهم آخر من يقيم للإسلام وأحكامه وزنا أو احتراما في بلادنا ولا علاقة لهم لا بالشرع ولا بمقاصده، وأول من يدرك ذلك هم العلماء قبل عوام الناس من أهل الكنانة وغيرها، فلا يجوز لهم أن يبرروا ويشرعنوا خياناتهم في تجارة بالإسلام واستغلال واضح لجهل الناس بأحكامه لصالح حكام السوء ومن خلفهم الغرب الكافر عدو الإسلام والمسلمين، والذي يبررون الآن التحالف معه لوأد ثورة الأمة في الشام وغيرها، في محاولة يائسة لمنع عودة الخلافة على منهاج النبوة والتي أصبح نجمها يعلو في الأمة بعمومها والشام خاصة، والتي فضحت العملاء وعلماء السوء وأبت إلا أن تكشف كل متلون مخادع، ولن يبقى ثابتا إلا من يستحقون بحق أن يكونوا كأمثال الصحابة وأن تقام على أكتافهم دولة خلافة على منهاج النبوة يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض.

يا علماء الأزهر الكرام وأحفاد العز بن عبد السلام سلطان العلماء، لا تكونوا أكثر الخاسرين فتبيعوا دينكم بدنيا غيركم، ولن ينفعكم حكام السوء أو يغنوا عنكم من الله شيئا، فكونوا مع الحق الذي تعلمون وطالبوا أهل مصر الكنانة وجيشها بخلع حكام السوء وإعلانها خلافة على منهاج النبوة، ونصرة أهل الشام وفلسطين وسائر المستضعفين من أبناء الأمة، فهذا دوركم ودورهم، فأنتم ورثة الأنبياء وهم جند الله ورسوله ودرع الأمة وحماة الإسلام فحرضوهم على نصرة الله ورسوله تفوزوا وإياهم ويكون لكم وللكنانة السبق في ركب الجنة.

يا أهل الكنانة وعلماءها وجيشها، يا من كنتم للإسلام درعا وحصنا وكان للإسلام بكم عزٌّ ومنعة من للإسلام، إن لم يكن أنتم من ينتصر لحرمات المسلمات غيركم من يحرر الأقصى دونكم، إن الأقصى والشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار وخلف عدو من أعداء الله ولخدمة الغرب الكافر ولفرض نفوذه ومخططاته ومنع عودة الحياة الإسلامية من خلال خلافة على منهاج النبوة، وإنما تنتظركم أنتم جند صلاح الدين تحت راية رسول الله r، تنتظركم ناصرين فاتحين محررين كما عهد بكم، تنتظركم بأسا شديدا على أعداء الله ورسوله وعزا لدينه ومددا لأنصاره، واعلموا أن نصر الله قادم لا محالة، فليكن بأيديكم أنتم وليكن لكم السبق للفردوس الأعلى مع أنصار الأمس فإنها الجنة، والأيام القادمة أيام فاصلة فانحازوا فيها لما يحب الله ويرضى وانصروا إخوانكم في حزب التحرير واحملوا معهم مشروع الأمة المنبثق عن عقيدتها خلافة على منهاج النبوة تنهي التبعية للغرب الكافر وتعيد عز الإسلام وأهله وتعيد بلادنا سيدة الدنيا كما كانت، اللهم اجعله قريبا واجعله بأيدينا.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله عبد الرحمن

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

نعمة الأمن والأمان في الأردن

نتغنى في الأردن بالأمن والأمان، وإذا ما تكلم بعضنا بوجوب نصرة الشام والأقصى رد علينا آخرون بقولهم أنتم تريدون إشاعة الفوضى في البلد والقضاء على الأمن والأمان، ألا ترون ما حدث لأهل سوريا ومصر وليبيا واليمن وغيرهم؟

أقول لمثل هؤلاء: إن نعمة الأمن والأمان والرخاء الاقتصادي كان يتنعم بها أهل مكة، فقد آمنهم الله من الجوع والخوف بينما كانت القبائل من حولهم يغير بعضها على بعض فيقع فيهم القتل والأسر، قال تعالى مذكرا إياهم أنهم كانوا في أمان بينما غيرهم يعيش في خوف ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ فماذا حدث لأهل مكة؟ هل استمر الأمن والأمان؟ هل حافظوا على نعمة الأمن والأمان؟ قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾.

أطعمهم من جوع: أمان اقتصادي... كانت خيرات الجزيرة العربية والشام واليمن تجبى إليهم في رحلتين سنويتين، رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام، وآمنهم من خوف: كانت القبائل تسعى إلى ودِّهم لأنهم أهل الحرم،كما أن الرحلة في الصحراء إلى اليمن جنوبا والشام شمالا دليل على الأمن الذي تنعَّم به تجار مكة.

ولما بعث رسول الله r إليهم طلب منهم أن يحافظوا على هذه النعمة، كيف؟

اسمعوا قوله تعالى ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ

إذن المحافظة على الأمن والأمان تكون بطاعة الله عز وجل، وتنفيذ أوامره سبحانه في الحياة العامة، في الحكم والاقتصاد والاجتماع والتعليم والسياسة الخارجية، وليس الاقتصار على تنفيذ أمر الله في العبادات والأخلاق والمطعومات والملبوسات فقط، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ أي نفذوا أحكام الإسلام كلها، فلا يجوز أن نقصر الإسلام على جزء منه ونترك الباقي خوفا من أمريكا وأوروبا وغيرهما من دول العالم.

فحتى نحافظ على الأمن والأمان يجب تغيير الدستور إلى دستور إسلامي وتغيير النظام الحاكم من نظام علماني إلى نظام إسلامي، وأن تسترد الأمة سلطانها وتختار حاكمها لتبايعه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله r... وفي ذلك تحقيق لعبادة رب البيت.

وأما عصيان الله وإعلان الحرب على أحكامه الشرعية فهو خسران الأمن والأمان، والحكم بغير ما أنزل الله خروج عن طاعة رب البيت، والتنسيق مع روسيا في حربها على المسلمين في الشام خروج عن طاعة رب البيت، والمشاركة في التحالف الصليبي خروج عن طاعة رب البيت، وإباحة الربا باسم الحرية الاقتصادية، وإباحة التعري والسفور والاختلاط والمثلية الجنسية باسم الحرية الشخصية خروج عن طاعة رب البيت، وترك قطعان يهود يمارسون عربدتهم في الأقصى خروج عن طاعة رب البيت، وتأييد نتنياهو في تركيب كاميرات التجسس خروج عن طاعة رب البيت، وخذلان أهل سوريا وتركهم لبشار وروسيا وإيران وحزبها في لبنان خروج عن طاعة رب البيت، وإرسال الجيش الأردني ليحارب المسلمين بدلا من توجيههم لمحاربة يهود وتحرير الأقصى وفلسطين منهم هو خروج عن طاعة رب البيت...

أهل مكة رفضوا دعوة الله فخسروا الأمن والأمان.

انقسم المجتمع إلى مؤمنين وكافرين... أصبح الأخ يعادي أخاه والابن يعادي أباه والزوجة تعادي زوجها والعبد يعادي سيده. عصا العبيد أسيادهم، وعصا الشعب حكامه، وسموا زعيمهم أبا الحكم بأبي جهل. وأمر الله نبيه والمؤمنين بتهديد أبي جهل ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ ثم أمره أن يعلن الوصف الحقيقي لأبي جهل ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ ثم يستأنف التحدي والتهديد والوعيد ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ثم أمر رسوله والمؤمنين بعصيان الحاكم المجرم وإعلان التمرد على دستوره ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.

لو دخل أبو الحكم في الإسلام وعبد ربَّه الذي أعطاه الأمن من الجوع والأمن من الخوف لما فرق مجتمعه، ولو آمن زعماء مكة لحققوا شرفا ما بعده شرف، ولظل ذكرهم معطراً خالدا، ولكنهم رفضوا الشرف واستغربوا وعد الرسول r بالانتصار على فارس والروم، واتهموه بالجنون، ففقدوا الأمن والأمان وقُتلوا في معركة بدر، أين هم الآن؟!.. في الجحيم والعياذ بالله وقانا الله وإياكم ذلك المصير. أما أولادهم الذين آمنوا بدعوة الإسلام فقد حافظوا على نعمة الأمن والأمان وأصبحوا قادة البشرية.

ونحن في الأردن إذا لم نعِ الدرس وندرك أن الحفاظ على الأمن والأمان لا يكون إلا بعبادة رب البيت... فسنخسر الدنيا والآخرة.. نعوذ بالله من ذلك... وها نحن نرى بعض البوادر في فقدان نعمة الأمن والأمان من انتشار العصابات والعنف في الجامعات والعشائر وفساد الدولة ونهب المال العام والفقر والبطالة... وإذا لم نعد إلى ديننا عودة حقيقية فسيستمر الخسران حتى نجد أنفسنا مشردين لاجئين كأهل البلاد من حولنا... لا قدر الله.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نجاح السباتين – ولاية الأردن