مقاطعة انتخابات المجالس المحليّة في تونس  ونُذُر موجة ثانية من الثّورة
February 10, 2024

مقاطعة انتخابات المجالس المحليّة في تونس ونُذُر موجة ثانية من الثّورة

مقاطعة انتخابات المجالس المحليّة في تونس

ونُذُر موجة ثانية من الثّورة

أغلقت مراكز الاقتراع في تونس مساء يوم الأحد 2024/02/04 أبوابها مع انتهاء عملية التصويت في الدور الثاني من انتخابات المجالس المحلية المخصصة لاختيار أعضاء الغرفة الثانية للبرلمان، بنسبة مشاركة ضعيفة بلغت 12.44%.

ولم تختلف نسبة المشاركة المتدنية كثيرا عن نسبة الإقبال خلال الدورة الأولى (بالكاد تجاوزت المشاركة 11% من جسم انتخابي يفوق 9 ملايين ناخب) لانتخابات المجالس المحلية التي ستفضي إلى اختيار مجالس جهوية ومجالس أقاليم وصولا إلى إرساء المجلس الوطني للأقاليم والجهات أو ما يعرف بالغرفة التشريعية الثانية. ومن المنتظر أن يقع تركيز المجلس الوطني للأقاليم والجهات أو الغرفة البرلمانية الثانية في أجل أقصاه الأسبوع الأول من نيسان/أبريل القادم، بحسب ما أكده للجزيرة نت الناطق الرسمي باسم هيئة الانتخابات محمد التليلي المنصري.

وقال معارضون في تونس إن تدنّي نسبة المشاركة في الدورة الثانية لانتخابات المجالس المحلية، هو نتيجة لتفرد الرئيس قيس سعيد بالحكم وضرب الحريات ومحاصرة الأحزاب وملاحقة المعارضين، في حين أرجع أنصار الرئيس سعيد هذا العزوف إلى تراجع ثقة الناخبين في الانتخابات للتصويت لفشل الحكومات المتعاقبة بعد الثورة في تحسين الأوضاع.

يتعلّق الخبر أعلاه بالدّيمقراطيّة وانتخاباتها التي تسعى إلى تركيز غرفة تشريعيّة ثانية، من جهة موقف أهل تونس منها ومن مخرجاتها. ومن ثمّ تفسير هذا الموقف، هل هو موقف واع رافض للدّيمقراطيّة وما يتفرّع عنها أم هو مؤشّر على الاستسلام واليأس ومن ثمّ طيّ صفحة الثّورة؟

الوسط السياسي في تونس بؤس يزداد بؤسا كلّ يوم:

1- لا تزال الدّيمقراطيّة رغم عجزها الظّاهر، والانتخابات رغم عبثيّتها، مركز تنبّه الوسط السّياسيّ حكّاما ومعارضة. هي المحور الوحيد الذين يدورون حوله، فالرّئيس يزعُمُ أنّه الدّيمقراطيّ الأوّل وضع نظاما انتخابيّا يكون فيه النّائب ممثّلا حقيقيّا للشّعب، بدل النّظام السّابق حيث التّمثيل زائف ووهميّ. فيقاطع النّاس الانتخابات فتصيح المعارضة مبتهجة، كلّ همّها أن تثبت أنّ الرئيس ضدّ الدّيمقراطيّة أهدرها وأهدر بالتّالي فُرصة التقدّم والازدهار وضيّع على تونس فُرصة أن تكون نموذجا عالميّا، ويردّ الرئيس ووزراؤه وأنصاره أنّ العمليّة الدّيمقراطيّة في خير ونعمة وأنّ المقاطعة للانتخابات هي دليل على فساد الحكومات السّابقة والأحزاب السّياسيّة التي جعلت الحياة السّياسيّة سوقا تباع فيها الذّمم وتُشترى... هكذا جعل الوسط السياسي في تونس من الانتخابات ومقاطعة النّاس لها دليلا على الشّيء ونقيضه في منطق سفسطائيّ عجيب يأبى أن يرى خارج الصّندوق، خارج الفكر السّياسي الغربي! يأبى أن يرى تناقضاته وتخبّطه، فالرّئيس الذي لا ينفكّ يرفع شعار "الشّعب يُريد" لم ير أو هو لا يريد أن يرى أنّ الشّعب لا يريد، ويعتبر المقاطعة رضا (هكذا) رغم ما بذلته السّلطة من مجهودات ورغم ما صرفته من أموال من أجل إنجاح الانتخابات وجعل النّاس بل دفعهم دفعا إلى صناديق الاقتراع. أمّا المعارضة فلا يرون أو لا يريدون أنّ مقاطعة الانتخابات ليست ميزة هذه الانتخابات فالأرقام شاهدة على تدنّي نسبة المشاركة قبل وصول الرئيس ومبادراته!

2- لا يزال الوسط السياسيّ في تونس يتشكّل أساسا من فئة علمانيّة مضبوعة بالثقافة الغربيّة ترى فصل الدّين عن السياسة وتحرص حرصا شديدا على إبعاد الإسلام عن الحكم. ولا يزال هذا الوسط السياسيّ يعظّم الغرب وفكره وحكوماته، ويضع السياسيّون أنفسهم منه موضع التلميذ من معلّمه، فلا سياسة عندهم إلا اتّباع للغرب فكرا وممارسة!

مقاطعة الانتخابات يأس وإحباط أم موقف واع له ما بعده؟

يوم الأحد 2024/02/04، ظلّت مراكز الاقتراع خالية، وبعيدا عن الانتخابات ومراكزها ومرشّحيها، تابع التونسيون حياتهم وكأنّه لا وجود لانتخابات ومرشّحين وحملات...

1- مقاطعة الانتخابات، موقف متكرّر من التّونسيين منذ الثّورة، فقد دُعي النّاس إلى الانتخاب 8 مرّات، لم نر فيها إقبالا (وإن كان نسبيّا) سوى مرّتين؛ مرّة في تشرين الأول/أكتوبر 2011 أوّل انتخابات بعد الثّورة شهدت مشاركة عالية نسبيّا، والسّبب أنّهم ظنّوا أنّهم سيوصلون إلى الحكم من يخشى الله ويطبّق أحكامه، أمّا المرّة الثّانية فكانت في الدّور الثّاني للانتخابات الرّئاسيّة 2019 حين هبّ النّاس ظنّا منهم أنّهم يختارون رجلا نظيفا عادلا يخشى الله. ولمّا انكشفت الأوهام، عاد النّاس إلى المقاطعة.

2- الحال عندنا أنّ النّاس ما عادوا ينتظرون الانتخابات، أصلا، فهم يريدون حلّا لمشاكلهم، يريدون من يرعاهم ويُحسن رعايتهم، والرّعاية ليست مرتبطة بالأشخاص فقط بل أساسُها الحكم الرّشيد والنّظام المتناسق المتجانس الذي لا تناقض فيه ولا اضطراب ولا نقص، وأنّى لبشر أن يضع نظاما بهذه المواصفات؟ فهذه انتخابات لأشخاص يراد منهم أن يضعوا تشريعات، والتّشريع الوضعي لا يُمكن أن يكون إلّا ناقصا مضطربا ومتناقضا، ومن أهمّ مظاهره أنّه سيخدُم مصلحة الفئة الأقوى، والفئة الأقوى (أو ما يُطلَقُ عليه بالدّولة العميقة) ليست بالضّرورة الأشخاص المترشّحين أو الواصلين إلى المجالس، بل المعهود أنّ أركان الدّولة العميقة في كلّ بلدان العالم لا تظهر ولا تترشّح بل تُرشّح أشخاصا يُمكنها أن تتحكّم فيهم، والنّاظر في المترشّحين النّاجحين يرى أنّ أغلبهم من النّكرات من أشخاص لا فكر ولا رؤى ولا عهد لهم بالسّياسة، السّمة الغالبة عليهم قابليّتهم للشّراء والسّيطرة عليهم، وهذا ما تُريدُه "الدّولة العميقة". بما يعني أنّنا أمام نوّاب لا حول لهم ولا قوّة إلّا الاستجابة بصورة مباشرة أو غير مباشرة لضغط القوى الخفيّة. هذا ما يعلمه الجميع علما.

3- المؤشّرات العامّة للرأي العامّ في تونس ترينا أنّ له موقفا من الطّبقة السّياسيّة كلّها؛ من المعارضة وممّن هو في الحكم، أمّا المعارضة، فقد رفضهم النّاس رفضا وما عادوا يهتمّون بهم ولا بما يحدث لهم من سجن أو محاسبة أو غيره، أعرضوا عنهم إعراضا منذ أن كانوا في الحكم، وازداد اليأس منهم حتّى ما عاد أحد يسأل عنهم أو يتحدّث إليهم، فهم في موت سريريّ، وإذا كانت المعارضة اليوم هي الممثّل الأساس للفكر الغربي والتّبعيّة له فنقول إنّ الفكر الغربيّ الغريب عن الأمّة في حال موت سريريّ ولن يكون له من أثر في المستقبل، ولعلّه لأمر كهذا نرى أنّ المستعمر الغربي لا يُسرع لإنقاذ عملائه من المحاسبة والسّجون. أمّا من هو في الحكم ونقصد هنا الرّئيس قيس سعيّد، فالرّئيس جيء به ليظهر رئيسا مختلفا عن سابقيه، شكلا ومضمونا. تحلّم الرّئيس فخطب ثمّ خطب ثمّ خطب، فتشابهت خطاباته، وكانت كلّها نقدا لاذعا وربّما تحوّل إلى سبّ أو تهديد، غير أنّها غير ذات فاعليّة بل كانت أشبه بخطاب شابّ جامعيّ ثائر لا خطاب رئيس دولة يحوز جميع الصّلاحيّات، أمّا عن أعماله وتحرّكاته فاستعراضيّة كلّها. وقد أدرك النّاس جميعهم خواء الرئيس وخطاباته وتحرّكاته، حتّى صار محلّ سخرية وتندّر، ومن هنا تشكّل الموقف من الرئيس أيضا، فقد يئس النّاس منه بل ما عادوا ينتظرون منه شيئا.

4- فماذا بقي؟ أليس هذا هو الاستسلام بعينه؟ نقول: المستسلم اليائس لا موقف له ولا وضوح في الرؤية، أمّا في تونس فالموقف العامّ في طريقه إلى التّبلور في اتّجاهين: الاتّجاه الأوّل الحسم مع الواقع السياسي وما يُمثّله رئيسا ومعارضة، أمّا الاتّجاه الثّاني فهو البحث عن قيادات جديدة جدّيّة وصادقة.

5- ماذا عن الدّولة العميقة؟ الدّولة العميقة في تونس ليست (كما في أوروبا وأمريكا) متكوّنة من الرّجال النّافذين من الرأسماليين، إنّما الدّولة العميقة في تونس هي المستعمر، وهو غريب عن المجتمع ونجاحه في السيطرة على تونس كان لخفائه وتمكّنه من اتّخاذ عملاء من الطّبقة السّياسيّة استطاعوا لفترة قيادة النّاس بروابط واهية واهنة، قادهم بورقيبة أوّلا بالمكر والخداع ثمّ بن علي بالقمع والخوف مع شيء من الخداع والإيهام. ثمّ حاول "حكّام" ما بعد الثورة قيادتهم بالاسترضاء والتملّق. وما لبثت هذه الروابط الفاسدة أن انقطعت، فتخلخلت هيمنة المستعمر على البلاد، وكادت أن تنقطع كلّ روابطه، وإذا فقدت هذه الوسائل انقطعت حبائل الدّولة العميقة وما عاد لها من تأثير، وهذا ما شهدناه في الموجة الأولى من الثّورة لا في تونس فحسب بل في كلّ البلاد الإسلاميّة حين عجز الطّغاة عن السّيطرة واضطرّوا اضطرارا إلى الفرار أو التّنحّي أو الموت قتلا...

6- ما نشهده اليوم في تونس من مقاطعة للانتخابات هو موقف واع، وعى أنّ الدّيمقراطيّة عجز كلّها وعلم علما أنّ الانتخابات الدّيمقراطيّة وما تُفرزه من مجالس تشريعيّة مهما كان اسمها، هزيلة كلّها، فقاطعها وعيا وموقفا له ما بعده.

نُذرُ الموجة الثّانية من الثّورة:

وإزاء هذه المؤشّرات يمكننا أن نقول إنّ نذر موجة ثانية من الثّورة بدأت تلوح في الأفق، ومن أهمّ خصائصها:

1- زال السّحر، وانطفأ الوسط السّياسي التّقليدي برمّته، ويرجع ذلك إلى عجز الفكر الغربي الذي صيغ به ذلك الوسط، عن مواصلة إقناع النّاس أو إيهامهم، أو إرهابهم وتخويفهم. أمّا الإقناع فبؤساء العلمانيّة مفلسون فكريّا، ولم يعد لهم ما يقدّمونه للنّاس غير حديث باهت عن حرّيّات لم ير منها التّونسيّون غير الهجوم على الإسلام وأحكامه ومقدّساته، وغير الدّفاع عن الشّذوذ والتهتّك والمجون. وأمّا الإيهام، فأنّى لهم الإيهام وقد انكشف كلّ المستور؛ انكشف ارتباطهم بالمستعمرين وما عاد يخفى على أحد حتّى البُسطاء أنّ الطّبقة السّياسيّة كلّها حكّاما ومعارضة ليست إلّا واجهة لمستعمر هو العدوّ. وأمّا الخوف، فقد انقضى الوقت الذي يخاف فيه النّاس من عصا يلوّح بها شرطيّ في الشّارع بل لم تعد تخيفهم قوانين إرهابه وأحكامه الجائرة. فقد زال الخوف ولا يُمكن للمسلمين في هذه الفترة أن يُساسوا بالخوف أو القمع، وما نراه من زيادة تهجّم على السّلطة كلّما أرادت أن تلوّح بالعصا... شاهد على ما نقول. هذا وأهلنا في تونس مسلمون يحبّون دينهم، يشهد تاريخهم الطّويل على بطولاتهم، وأنّهم من معدن الرّجال، فأنّى لماكر أو طاغية أو جبان أو عاجز أن يقودهم؟

2- بروز فكر جديد، ولا نعني بالجديد جدّته الزّمنيّة بل نعني ترشّحه لأن يكون الحاكم والقائد وهو الفكر الإسلامي في ثوب جديد صاغه حزب التحرير واضحا دقيقا قابلا للتطبيق الفوري.

3- ظهور حزب التّحرير وشبابه سياسيين من طراز خاصّ لا يُشبه الوسط السّياسيّ التّقليديّ، رجال دولة يفهمون فهما ما يدور لا في تونس فحسب بل في العالم، وبدأ يظهر للنّاس إمكانيّة أن يكون شباب الحزب هم القادة الجُدد.

4- ماذا بقي إذن؟ بقي أن يسير النّاس مع الحزب وشبابه، ليتحرّروا حقيقة من الاستعمار وعملائه وفكره البائس، وأن يختاروا رجلا منهم يقودهم بالإسلام العظيم وأحكامه، فماذا ينتظرون؟ هي الشّعوب بعد طول تضليل وخداع، صارت حذرة متوجّسة من الخداع مرّة أخرى ومن انقضاض الأعداء وانهيار الفرصة وربّما العودة إلى الاستعمار.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمّد النّاصر شويخة

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية تونس

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر