مراجعة إمام مسجد لرئيس أوزبيكستان
September 20, 2018

مراجعة إمام مسجد لرئيس أوزبيكستان

مراجعة إمام مسجد لرئيس أوزبيكستان

في 2018/09/07م خرج إمام المسجد المسمى بـ"آمنة" في مدينة طشقند عاصمة أوزبيكستان فضل الدين بن شهاب الدين بربييف بالمراجعة، ودعا في مراجعته رئيس أوزبيكستان شوكت ميرزياييف إلى ضمان حرية الديانة. والذي دفعه إلى هذه الخطوة - حسب قوله - التي لم يسبق لها مثيل هو الاضطهاد الذي يُمارَس ضد المسلمين!

ففي 2018/08/15م تم توقيع القرار بخصوص "تدابير حكومة أوزبيكستان في توفير تلامذة المؤسسات الحكومية للتعليم العام الثانوي باللباس المدرسي العام". صرّح بهذا نائب رئيس الوزراء عزيز عبد الحكيموف على فيسبوك. وتم بهذا القرار تصديق النظام على "أشكال اللباس المدرسي العصري العام لتلامذة المؤسسات الحكومية للتعليم العام الثانوي وتنظيم جعل اللباس المدرسي العصري العام لتلامذة المؤسسات الحكومية للتعليم العام الثانوي". وتنص المادة 9 في هذا النظام على "أن التلامذة يجب عليهم أن يكونوا داخل مؤسسة التعليم بلا غطاء رأس...". أي تُمنَع التلميذات من ارتداء الخمار! فأثارت هذه المادة التذمر الشديد عند المسلمين! فخرج هذا الإمام بمراجعته هذه - وهو قائم في محراب المسجد - ودعا رئيس أوزبيكستان شوكت ميرزياييف إلى ضمان حرية الديانة!

نشر موقع بي بي سي على اليوتيوب الخبر عن هذه الحادثة وهذا بعض ما جاء فيه:

"راجع فضل الدين بن شهاب الدين بربييف - وهو إمام مسجد "آمنة" في طشقند - من محراب المسجد إلى رئيس أوزبيكستان شوكت ميرزياييف. والذي دفع الإمام إلى هذه الخطوة التي لم يسبق لها مثيل هو "الاضطهاد الذي يُمارس ضد المسلمين". وفضل الدين بن شهاب الدين متذمر لا سيما من فرض القيود على الخمار واللحية. وقال بأنه أحد أئمة المساجد الذين تم اختيارهم من بين 86 إماما ذوي تعليم عالٍ للاستفادة المثمرة من الكوادر الناشئة بمبادرة الرئيس ولم يمض شهر منذ مجيئه إلى مسجد "آمنة" كإمام وخطيب وفقد هدوءه منذ مجيئه. وقال: نحن نعلم جميعا أن حرية الديانة مكفولة في الدستور. وقال أيضا إن الإسلام يأمر الرجال بإطلاق اللحية والنساء بالخمار. وحسب قوله فإن الاضطهاد ضد المسلمين بسبب اللحية والخمار يهدم ثقة الشعب بالرئيس. ودعا الرئيس ميرزياييف إلى وقف الاضطهاد وضمان حرية الديانة. ومن قبل كان هذا الإمام يخطب الجمعة وانتقد قرار الحكومة في منع الخمار في المدارس ودعا المسلمين إلى الشكاية من هذا القرار إلى الرئيس. وحسب قوله فإن على المسلمين أن يطيعوا قوانين الدولة الديمقراطية، والدولة بدورها يجب عليها أن تضمن حرية الديانة. وفي 7 أيلول/سبتمبر أيد أئمة مساجد أخرى في خطبة الجمعة قرار الحكومة هذا! وقال فضل الدين بأن العلماء الذين يسيرون بجانب الرئيس لا يذكّر أحدهم الرئيس بأن يوم القيامة سيأتي حتما وبأن حال العلماء الذين لا يدلون على الطريق المستقيم عسير جدّا، وأنه قام بهذه المراجعة وخاطر بحياته. وقال أيضا بأن الإسلام لا يجعلنا علماء كالإمام البخاري والإمام الترمذي إن تم إسقاط بعض الأشياء من الإسلام. وقال بأنه بعيد عن نظرية إقامة دولة الإسلام ومن قال نحن نبني دولة الإسلام فهذا يعني أنه متخلف عن الزمان وأنا أكون أول من يقول له في أي زمان أنت تعيش!".

ونشر راديو "الحرية" أيضا الخبر عن هذه المراجعة. وهذا بعض ما قال مراسله سراج الدين إسلام من مقر "الحرية" في براغ: "لا يكون خطأً إذا قلنا إلى اليوم في مواقع التواصل الإلكترونية موضوع واحد فقط. وهذا الفتى الذي عمره 32 سنة قام اليوم بخروج مثير والذي يكاد يفجّر مواقع التواصل الإلكترونية. وخرج بالمراجعة إلى رئيس أوزبيكستان عبر الفيديو. وبالتحديد انتقد من مسجده بعد صلاة الجمعة السياسة التي تمارَس الآن في أوزبيكستان بالنسبة للدين والمتدينين. وانتقد هذه السياسة بصراحة. إمام مسجد "آمنة" في طشقند فضل الدين بربييف اتهم إدارة الأمن بمواجهة الشعب بالرئيس واتهامه هذا حصل اليوم، أي في 7 أيلول/سبتمبر في مراجعته التي وجهها إلى رئيس أوزبيكستان شوكت ميرزياييف، وادّعى هذا الإمام في مراجعته بأن الحريات الدينية في أوزبيكستان يجري انتهاكها. وصرّح فضل الدين بربييف بأن الرئيس شوكت ميرزياييف قام بأعمال إيجابية في مجالات كثيرة، بما فيها في المجال الديني أيضا. فهو - أي الإمام - يُحيّي مثلا فتح الجامعات الإسلامية والمعاهد الإسلامية ومراكز الأبحاث الإسلامية وإخراج أكثر من 16 ألف متدين من "القائمة السوداء" التي تشكلت في عصر الرئيس السابق كريموف. ولكنه يقول إلا أن هذه الأعمال الإيجابية دامت فقط حتى إجراء مسابقة القرآن التي تم إجراؤها للمرة الأولى! ولكن بعد المسابقة أكثر المشتركين تعرضوا للاضطهاد وتم استدعاؤهم إلى الشرطة للاستجواب بلا سبب، وهذا أدّى إلى ظهور التوجس بين الشعب... وقد تعلّم فضل الدين بربييف - وهو من مدينة أنديجان - في جامعة الإسلام في المدينة المنورة من عام 2005م إلى عام 2011م. ثم تعلم في معهد الإسلام المسمى بالإمام البخاري في طشقند من عام 2012م إلى عام 2016م... هل سيُعاقَب أم تُقبل دعوته إيجابيّا؟ هذا يحلّه أعضاء الحكومة الذين يجلسون في المناصب العالية وخصوصا الرئيس ميرزياييف نفسه!... وحسب قول مراسل الحرية مراجعة فضل الدين بربييف هذه قد حدثت في الوقت الذي يشتد فيه التذمر في أوزبيكستان بسبب فرض القيود على خمار التلميذات بعد تعميم الحكومة اللباس المدرسيّ العام...".

وقد طُرد فضل الدين بربييف من إمامة المسجد بعد مراجعته هذه! والآن يتعرض أبوه للضغط من إدارة الأمن ومن الإدارة الدينية! وأخذ علماء السلاطين، أي أبواق النظام، أخذوا يصيحون ويضجّون ويتهمون فضل الدين بربييف بنشر الإشاعات الكاذبة! فمثلا اتهم ممثل الإدارة الدينية لمسلمي أوزبيكستان نور الدين خالق نظروف، اتهم فضل الدين بربييف بالكذب وبإثارة الفتنة وبالإرهاب!

وبحسب موقع بي بي سي أوزبيكستان في 12 أيلول/سبتمبر في اجتماع الإدارة الدينية لمسلمي أوزبيكستان اتهم المفتي عثمان خان عليموف وسائر أئمة المساجد، اتهموا فضل الدين بربييف بعدم شكر الدولة! والإمام العام لناحية يونس آباد رحمة الله قارئ سيف الدينوف ندد أيضا بفضل الدين الذي قام بحماية الخمار واللحية! ليس في هذا غرابة! لأن هؤلاء الأبواق باعوا آخرتهم بدنيا الآخرين!

نشر موقع بي بي سي على اليوتيوب الخبر التالي أيضا:

"في الأكاديمية الإسلامية الدوليّة في طشقند طُرِدَت 4 تلميذات اللواتي أبين أن يخلعن الخمار، و60 تلميذة أمام خيار: إما أن يخترن خلع الخمار وإما أن يُطرَدن من الأكاديمية!...".

وفي مواقع التواصل الإلكترونية تبكي إحدى أمهات التلميذات وتشتكي من ضغط الحكومة عليها بسبب خمار ابنتها! إن هذا الظلم هو نتيجة حتمية لتطبيق قوانين الكفر. لأن الكفر ليس فيه إلا الشرّ! وجمهوريات آسيا الوسطى هي بلاد إسلامية وأوزبيكستان أهمها وأكبرها. وفي هذه الجمهوريات ثروات هائلة من النفط والغاز والذهب وغيرها من الثروات. وسكان هذه الجمهوريات هم مسلمون.

ودول الغرب وعلى رأسها أمريكا وروسيا والصين لا تريد أن ينهض المسلمون على أساس الإسلام؛ لأن هذا خطر جسيم على مصالح هذه الدول ولأن هذا يضع حدا لجشع المستعمرين الكفار. لذلك يستخدم الغرب أساليبه الشيطانية المختلفة لصد المسلمين عن دينهم. والنظام في أوزبيكستان إنما ينفّذ هذه الأساليب. وقرار حكومة أوزبيكستان بخصوص لباس التلامذة المدرسي العام هو أحد تلك الأساليب الشيطانية.

وأبواق النظام من "علماء" السلاطين أخذوا يمدحون قرار الحكومة هذا!

ونحن بدورنا نقول لفضل الدين وأمثاله من العلماء: عليكم أن تدركوا أن الديمقراطية هي نظام كفر وأمريكا هي رأس الإرهاب! وأن الغرب وعلى رأسه أمريكا لا يريد للمسلمين إلا الشرّ. والمستعمرون الكفار من الغرب وأمريكا لا يُهمهم إلا مصالحهم ولا يهمهم إلا نهب ثروات الشعوب، وبالدرجة الأولى ثروات المسلمين وإبقاء هذه الشعوب تحت ظلم الاستعمار! وهؤلاء الحكام العملاء إنما ينفّذون أوامر أسيادهم في عواصم الغرب وأمريكا وروسيا والصين! وهؤلاء المستعمرون الكفار لا يريدون إلا أن يصبح المسلمون كفارا! ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾.

ونقول لأبواق النظام وعلى رأسهم رئيس الإدارة الدينية لمسلمي أوزبيكستان المفتي عثمان خان عليموف: اتقوا الله ولا تشتروا بآيات الله ثمنا قليلا! ماذا تقولون غدا أمام الله! وهل تنجيكم مناصبكم التي أجلسكم الطاغوت عليها من عذاب الله الأليم؟! وهل ترضون أن تروا أعراض المسلمات تداس وتكونوا شيطانا أخرس! اتقوا الله وقولوا قولا سديدا!

وغدًا إن شاء الله سيقطع الخليفة الراشد أيدي الكفار والظالمين والطواغيت التي امتدت إلى خمار المسلمات! لأن عرض المسلمة يجب أن يصان! وسوف تعيد الخلافة الراشدة ثروات الأمة التي نهبها المستعمرون الكفار إلى المسلمين وتطرد المستعمرين الكفار إلى عقر دارهم إن بقي لهم عقر دار!

﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمود الأوزبيكي

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر