مصالحات بطعم الدم
January 13, 2023

مصالحات بطعم الدم

مصالحات بطعم الدم

بعد مرور سنوات عديدة على ثورة الشام المباركة وتقلباتها كان النظام التركي يظهر للعامة أن قطيعة حادة بينه وبين النظام السوري، وكان يصفه بالمجرم ومرتكب المجازر، وكان يظهر بأنه يقف إلى جانب الشعب السوري، وهذا ما برز في عدد كبير من تصريحات مسؤوليه، وخاصة تصريح وزير الداخلية التركي سليمان صويلو، خلال لقائه بالإعلاميين العرب في 2019/7/13 حين قال "تركيا لم تتخل عن روح الأنصار والمهاجرين في استضافة اللاجئين السوريين".

ولكن منذ فترة برزت عدد من التصريحات للمسؤولين الأتراك تدعو إلى التفاوض مع النظام السوري، وضرورة التوصل إلى حل سياسي ينهي الاشتباك ويعود بحال سوريا إلى نقطة البدء.

واليوم نحن على أعتاب لقاء رؤساء روسيا وتركيا وسوريا، متجاهلين ومتناسين كل ما فعله هذا المجرم، ومتغافلين عن كل تصريح أو فعل كان ظاهره ضده. ولكن ما الذي تغير ليحدث هذا التغيير؟ وما هي حقيقة هذه المصالحة؟ هل هي لخدمة مصالح شخصية لحكام تلك الدول؟ أم هي مصالح إقليمية؟ أم هي تمهيد للحل السياسي الذي يوجب بداية تقارب وعلاقات مفتوحة؟ أم هي أوامر واجبة التنفيذ؟

وحتى نفهم الواقع بشكل أوضح سنتطرق لدور كل المكونات الفاعلة في الملف السوري، وما هي مصالح كل واحد منها:

روسيا: بدأ سلاح الجو الروسي بقصف الأراضي السورية بتاريخ 30 أيلول/سبتمبر 2015، وطبعا بطلب من الرئيس السوري بشار الأسد من أجل كبح القوات المعارضة له في الحرب. (بي بي سي عربي 2015/10/1)

إلا أن رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض خالد خوجة صرح آنذاك بأن الغارات قتلت مدنيين في مناطق ليست تابعة لتنظيم الدولة، كما شكك القادة الغربيون في الغارات، وبعدها أصبح على روسيا توضيح أهدافها قبل الضرب في التاريخ نفسه.

وقد صرح الرئيس الروسي أن هناك الآلاف من المنضمين للتنظيمات الإرهابية من مواطني الدول الأوروبية وروسيا ودول الاتحاد السوفياتي سابقا، مشيرا أن المرء ليس بحاجة لأن يكون خبيرا في الشؤون الأمنية، ليعلم أنه إذا انتصر هؤلاء في سوريا فسيعودون إلى بلادهم ويعودون إلى روسيا أيضا. (قناة روسيا 2015/9/30)

وبذلك تكون روسيا دخلت إلى سوريا بطلب شرعي دولياً، وأيضا فإن أمريكا على علم بذلك وموافقة مسبقة بغض النظر عن الصفقة المبرمة بين روسيا وأمريكا، حتى قبلت دولة مثل روسيا أن تأخذ دور القاتل المأجور، مع أنه قد يعرّضها ذلك إلى المساءلة القانونية دوليا، وخاصة أنها أدينت وفقا لمنظمة العفو الدولية في أواخر شباط 2016. "استهدفت الطائرات الحربية الروسية عمدا المدنيين وعمال الإنقاذ أثناء حملة القصف" (شباط/فبراير 2016 مؤرشف من الأصلي في 2022/09/23م)

وجميع منظمات حقوق الإنسان وجهت بالأدلة أن روسيا لها يد بالمجازر التي وقعت على الشعب السوري، وليس فقط قصف التنظيمات.

إذاً روسيا متورطة في المستنقع السوري، وتريد الفكاك منه بعد إتمام ما طلب منها، ناهيك عن واقعها الغارق في حربها على أوكرانيا، والتي حققت منها ما كان يهم المصالح الروسية، وهي شبه جزيرة القرم، ولوغانسك، ودونيتسك، وزاباروجيا وخيرسون. (الجزيرة 2022/10/20)

وبهذا فإن المطلب الروسي حاليا وفق مصالحهم هو الخروج العسكري من سوريا مع بقاء قوات محددة لحفظ الأمن إذا أجبرت على ذلك.

تركيا: كان موقف تركيا خلال الأزمة السورية موقفاً عدائياً ضد النظام السوري، بل قامت بتدريب المنشقين عن الجيش العربي السوري على أراضيها، تحت إشراف المخابرات التركية، وأيضا زودت تركيا المعارضة بالأسلحة والمعدات العسكرية الأخرى.

وفي 2016/8/24 بدأت القوات التركية بالتدخل العسكري المباشر والمعلن في سوريا باستهداف كلٍّ من تنظيم الدولة، والقوات المتحالفة مع الأكراد في سوريا، مع أن تركيا واجهت ادعاءات عديدة بشأن التعاون مع تنظيم الدولة، ودعمه في وسائط الإعلام الدولية بتركيزهم على السياسي التركي بيرات البيرق. ورغم هذه الانتقادات الوطنية والدولية، إلا أن تركيا رفضت مقاتلة تنظيم الدولة بشكل مباشر.

وفي نيسان/أبريل 2018 نشرت مقالة في فورين بوليسي ذكر فيها أنه في عام 2013 وحده قام نحو 30,000 مسلح باجتياز الأراضي التركية، وإنشاء ما يسمى بالطريق الجهادي السريع حيث أصبحت البلاد قناة المقاتلين، الذين يسعون للانضمام إلى تنظيم الدولة، وعلاوة على ذلك تم علاج جرحى التنظيم مجانا في المشافي التركية الحدودية.

ومما سبق يتضح لنا أن الدور التركي كان لاستيعاب المعارضة، وإدخال التنظيمات المسلحة في متاهات بعد أن سيطرت على أغلبهم بالمال والسلاح، وتحكم المخابرات في تفاصيل تحركاتهم، ما أدى إلى انصياع أغلب التنظيمات إلى التعليمات التركية بشكل مسلّم به.

وهذا أعطى تركيا أولوية تصفية هذه التنظيمات بالقتال الداخلي بينها، حتى أصبحت الآن تتكلم عن فصيل واحد أو اثنين على أحسن تقدير في إدلب، وطبعا لا ننسى أن تركيا لها مصالح في عدم تمدد الأكراد وحفاظا على حدودها خالية من أي تدخلات تمس بالداخل التركي، ومع اقتراب إنهاء الحل في سوريا نجد تركيا أوجدت ذريعة بتفجير إسطنبول في 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2022 الذي أسفر عن مقتل ستة أشخاص و81 جريحاً، فقامت بالقصف الجوي على معسكرات ومخازن تنظيم قوات سوريا الديمقراطية ما أضعف جبهته بشكل كبير جدا، وهددت بالدخول العسكري إلى مناطقهم ما دفع قوات سوريا الديمقراطية إلى الارتماء في حضن النظام وتسليم مناطقهم له، وبهذا تكون تركيا ضمنت نوعا من الحفاظ على عدم تمدد قوات سوريا الديمقراطية عسكريا وعودة تلك المناطق إلى حضن النظام السوري.

ومع اقتراب موعد الانتخابات التركية في حزيران 2023 وما تمر به تركيا من وضع اقتصادي صعب نجد أن حزب العدالة والتنمية يحاول تحويل الملف السوري إلى ورقة رابحة له في الانتخابات، ولذلك تسعى تركيا للتوصل إلى تفاهمات مع النظام السوري، ما يفضي إلى عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم.

أما أمريكا؛ المتحكم الوحيد بالملف السوري فإن الحل السياسي الذي تفرضه منذ البداية هو قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2254 وهو الطرح الوحيد الموجود على طاولة الحل، ولكن هذا الحل لن يكون إلا بعد تعديل مراكز اللاعبين وتجميع القوى على الساحة السورية، فكلما اتجهنا نحو الحل السياسي فإن الواقع يفرض تغييرات أساسية منها المصالحة بين الفرقاء الدوليين (كما يزعمون). فلا يمكن إيجاد الحل السياسي قبل بعض التحركات، منها على سبيل المثال لا الحصر:

- إنهاء التنظيمات العسكرية بشكل نهائي، وهذا اليوم ممكن وبسهولة لما فعلته تركيا من تخفيض عدد التنظيمات والسيطرة على قرارهم بشكل كامل، ما يؤدي إلى سهولة كبيرة في توجه هذه الفصائل إلى الانخراط ضمن الجيش السوري الحر وإعطاء وعود بتحقيق مكاسب غير معلنة لهم، وهذا على الصعيد التركي والسوري على حد سواء.

فالنظام السوري سوف ينهي تنظيم قوات سوريا الديمقراطية، وتركيا ستنهي التنظيمات في المحرر.

- التقارب قبل الحل السياسي لأن هذا التقارب يكشف الطريق للحل وجس نبض الشارع والضغط عليه وإفهامه أن لا سند له إذا تخلى عن اللحاق بالركب التركي وأنه على أبواب مجاعة وإبادة إلا إذا التزم وسارع بالارتماء بأحضان تركيا، لضمان الأمان له.

وأيضا قد يصل الأمر إلى اقناع الحاضنة بأن رأس النظام قد يغير، وهذا قد يكون المقصد من تعنت رأس النظام، وضعف حماسه للتقارب، هو السبب بالإطاحة، ما يؤدي إلى ارتفاع أسهم النظام التركي بالنسبة للداخل، وأيضا يحصل على تنازلات كبيرة من الحاضنة والتنظيمات وما شاكلتها. وأيضا ترتفع أسهمه في الداخل التركي كقائد فذ.

- جعل المجتمع المدني يطرح حلا لما هي سوريا المستقبل بحيث يقرأ منها وضع الحاضنة وتقبلها، وعلى أساسه تتم معالجة الشوائب والعراقيل قبل بدء الحل السياسي، وما زالت ساحة الدم مفتوحة للتصفيات والضغط عليهم.

إن تمهيد الأرض لقبول الحل السياسي هي من أهم تحركات الولايات المتحدة اليوم عبر أدواتها التي لا تمانع أمريكا من تنفيذ بعض مصالحهم الإقليمية والوطنية بما لا يتعارض مع مخططها المرسوم، وبهذا فإن المصلحة الروسية في إنهاء وجودها في سوريا يدفعها نحو السير قدما نحو الحل الذي تنشره أمريكا وإن كان ذلك قد يتطلب منها بعض الأعمال العسكرية المشينة فوق ما اقترفته.

وأيضا تنفيذ المصالح التركية في إبعاد شبح الأكراد، وأيضا العمل على كسب أوراق أكثر ربحاً للانتخابات التركية، وأيضا هناك مصلحة أمريكية بإنهاء الملف السوري بعد أن تعاظم الملف العالمي، وقد تنشغل هي بكل قواها في مسائل أكبر من الملف السوري، ولذلك يجب إغلاق الثغرات وسحب السلاح، وتقنين أي إعلان للقانون السوري ضمن مرحلة انتقالية، مع الحفاظ على القبضة الأمنية التي تضمن سير الأمور في الداخل.

إننا اليوم بأمس الحاجة إلى تمسكنا بحبل الله المتين، فلا منقذ لنا سواه، وتمسكنا بثوابتنا وعدم التراجع عن أي ثابت من ثوابت الثورة. وإن كانت الأمم تكالبت علينا ومنذ اليوم الأول لثورتنا، وهم اليوم يحاربون الوقت لكسب المعركة، وهذا ما يجب علينا عدم تمكينهم منه، فإن الوقت لصالح الثورة؛ فالتقلبات الدولية القادمة شديدة عليهم، ولا قِبَلَ لهم بها من حيث الانهيار الاقتصادي، وضعف النسيج المجتمعي عندهم ما سوف يؤدي إلى اقتتال داخلي، ناهيك عن المشاكل الدولية التي قد تفضي لسبب ما إلى حرب أكبر مما نتصورها، وهذا كله سوف يؤدي إلى انشغال القوى الدولية.

فإن هذا الضغط قد يفضي إلى تراجع منهم ما قد يتيح لنا فرصة أكبر تسهم في ظهور المخلصين ونكون نحن نواة الحل لهذا العالم؛ لأن الحل يكمن في عودتنا إلى الساحة الدولية بدولة تمثلنا تحمل الخير للعالم، فتنقل العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن الظلم والقهر إلى عدل الإسلام ورحمته.

فهذا نداء للأحرار أهل القوة والمنعة وإلى الحاضنة الشعبية التي ضحت وما زالت تضحي وحفاظا على دماء الشهداء؛ نهيب بكم أن تغذوا السير مع العاملين لاستئناف الحياة الإسلامية، وعودة الخلافة الراشدة التي بشرنا بها رسولنا الكريم ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ. ثُمَّ سَكَتَ».

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر