مؤتمر الخلافة السنوي 2023  الكلمة الأولى  انهيار دولة الحداثة ولا خلاص إلا بالإسلام  لا بديل عن الإسلام وعن دولة الإسلام
March 02, 2023

مؤتمر الخلافة السنوي 2023 الكلمة الأولى انهيار دولة الحداثة ولا خلاص إلا بالإسلام لا بديل عن الإسلام وعن دولة الإسلام

مؤتمر الخلافة السنوي 2023

الكلمة الأولى

انهيار دولة الحداثة ولا خلاص إلا بالإسلام

لا بديل عن الإسلام وعن دولة الإسلام

الأستاذة حنان الخميري

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.

أيها الجمع الطيّب والإخوة الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

تزامن إحياؤنا هذه السنة لذكرى مرور قرن ونيف على هدم دولة الخلافة مع حلول شهر رجب الأصبّ، هذا الشهر الحرام الذي سماه رسول الله ﷺ وصحابته بهذا الاسم؛ لأن الله يصبّ فيه من الرزق والخير والبركات صبّا فتزيد الأرزاق ويشفى المرضى فيكثرون فيه من الدعاء لأن الله يصب فيه من بركاته ويقبل دعوات المخلصين.

وعندما نقول شهر رجب الفضيل لا يمكن أن تغيب عنا ذكرى الإسراء والمعراج التي كانت لنا عبرة ونموذجا إذ أَمَّ فيها نبينا ﷺ الأنبياء عليهم السلام، فوصلنا بمن سبقوه من رسل وأنبياء ليبيّن لنا أن الرابط الوحيد بيننا هو رابط العقيدة وأنّها عقيدة التوحيد وأنّ غايتنا تحقيق العبودية لله وحده دون سواه وليبيّن لنا أنّنا أمّة الإمامة أي أمّة القيادة، يقول تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾.

فتحويل القيادة من أمة موسى عليه السلام لأمة محمد ﷺ تجعلنا نحمل أمانة الإنسانية، فنحن مطالبون بالعمل والعمل للنجاة بهم في الدارين، نبيّن لهم دينهم الذي ارتضاه ربهم لهم حتى يسعدوا في الحياة والحيوان، ولن نتمكن من ذلك إلا بالتمكين ولن نمكّن إلا بالإخلاص في حمل دعوة الحق لا نبغي جزاء ولا شكورا وإنما جنة ملؤها السماوات والأرض.

والقيادة إخوتي الكرام تقتضي قائدا قويا تبنيه وتحصنه عقيدته، والعقيدة عندنا الإسلام، وكذلك تشريعا قويّا نجده في كتاب الله تعالى وسنة نبيه الكريم ﷺ، لذلك نقول إن الإمام جنّة وإن الخلافة تاج الفروض.

وها أنتم ترون إخوتي واقعنا بعد هدم الخلافة، فمن ينكر تردي حال الأمة عامة والنساء خاصة إذ وصلنا للحضيض في ظلّ الأنظمة البشرية؟!

يا الله يا الله يا الله، قُتل الإنسان ما أكفره! فبعد أن يسر الله سبيله وهداه النجدين حاد عن دين ربه وشريعته ومنهاجه، وقُتل هنا يقصد منها لعن وشقي وكفر أي غطى ودارى.

عندما كان الإسلام يطبق تطبيقا سليما كنا قادة العالم، وبدأ حالنا في التدهور كلما ابتعدنا عن حسن تطبيقه حتى وصلنا الحضيض بعد هدم الخلافة.

يا لهذا الإنسان المتحدي لخالقه، الذي يقول الله أكبر في صلواته، ولكنه يقول تشريعي أكبر من تشريع الله، ولكنه يقول تشريعي أفضل من تشريع الله، ولكنه يقول نظامي أقوم وأنجع من نظام الله الذي يقول أنا المشرع وليس الله!

ماذا فعلت لنا ديمقراطيتكم وأنظمتكم العلمانية وقوانينكم البشرية، بل ماذا فعلت حتى لأصحابها والقائمين عليها؟ فالعالم كله بما يسمّونها دولا متقدمة أو ما يسمونها دولا نامية متخلفة ضعيفة وهي في حقيقتها مستعمرة، كلها تعيش الشقاء على جميع الأصعدة؛ اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، فمن يخفى عليه انهيار الاقتصاد والغلاء والبطالة التي لم تستطع تجنبها أقوى دول العالم، ناهيك عن الفساد الأخلاقي وتنامي ظاهرة الطلاق والانتحار والمخدرات والجريمة التي تشهد في عصرنا اليوم أبشع صورها وأشنعها: تجارة أعضاء واغتصاب وغيرها... ألم يأتكم حديث الدارك نات؟

أما سياسيا فلست بحاجة لأحدثكم أننا على أبواب حرب عالمية، كل هذا نتيجة الركض وراء جني المال الذي هو دين النظام الرأسمالي؛ كل شيء مباح من أجل جمع الثروة والمحافظة عليها وتنميتها، ولكن هيهات هيهات يا بشر، تبقى قاصرا ومحدودا مهما بلغت من العلم ومهما تقدمت، وها نحن نجني ثمار استبعادنا لشرع الله.

وحالنا كنساء ليس خيرا من حال الأمة وحال البشرية جمعاء، فنحن نعيش الشقاء في ظل الأنظمة العلمانية التي تفصل الدين عن الحياة وتترك التدبير والرعاية لهوى البشر والتشريع الوضعي الذي ينشر الفساد والظلم، نظام أذاق المسلمين بل البشرية الويلات، فبتنا نعيش الظلم والقهر والفقر حتى رزح على الناس اليأس والإحباط والخوف من المصير المجهول الذي ينتظرنا.

نحدثهم عن كرامتنا وعزتنا بإسلامنا وأنَفتنا بأننا خير أمة أخرجت للناس وتمسكنا بهويتنا وحضارتنا وعقيدتنا وعن واقعنا المرير الذي تسبب فيه نظامهم، فيردون علينا بلغة خشبية بالية بأن دولة حداثتهم قائمة على شعار مركزي هو تحرير المرأة وحماية حقوقها!

أي حقوق هذه؟ النضال والاستنزاف من أجل لقمة العيش؟ أهذه هي الحقوق التي يتحدثون عنها؟!

الجهل والفقر والتهميش؟ هل هذه هي الحقوق التي يقصدون؟!

موت أبنائهن في البحر فرارا من واقع مرير تاركين وراءهم تعب السنين في تحصيل شهادات لم تُعرها الدولة أي اهتمام وأمهات ثكالى منكوبات بفقدان أبنائهن؟! لعلّ هذه الحقوق التي يقصدون.

أو لعلها دماؤهن الزكية المراقة على الطرقات، فما ننفك نسمع من حين لآخر بخبر انقلاب شاحنة مليئة بالنساء.

بل أظن الحقوق التي تتحدثون عنها عندما جعلتموها تعمل في البيت وخارجه منهكة مرهقة لا لشيء سوى البحث عن لقمة العيش، متحمّلة الاستغلال والإهانة والتّحرش والأجور الزهيدة وساعات العمل الإضافية التي قد لا تتلقى أجرها.

هذا غيض من فيض مرير تعيشه المرأة في تونس في غياب تام لدولة العدل والحق؛ دولة الخلافة التي تتحمل مسؤولية الناس ورعايتهم.

إخوتي الكرام: إنّنا نشهد اليوم حقيقة الدولة الوطنية صنيعة سايكس بيكو، فقد أزيح عنها الستار وتجلت دولة ذليلة متسوّلة على أعتاب الغرب المستعمر، ففرّطت في مقدرات الأمة ورهنت نفسها له ولصندوقه النقدي، وأخذت تقتل أبناءها سواء في السجون أو في البحر في قوارب الموت أو بتردي المنظومة الصحيّة.

لقد باتت دولة الحداثة راعية لمصالح الغرب مروجة لدينه وديدنه وحضارته، عاملة على انصهار هويتنا في هويته، منكبة على كسر إرادة الأمة وإذلالها والتعسف عليها بأن تعيش تحت وطأة نظام مخالف لعقيدتها ودينها، نظام علماني مجرم لا يقيم وزنا للقيمة الإنسانية، نظام سلّط علينا بتشتيتنا في دُويلات صنعها المستعمر لتحرس أنظمته وقوانينه وترعى مصالحه ونفوذه ولتبقى عصا غليظة تحول بين أمة الإسلام والتطلع للتحرر والانعتاق والعمل على تحقيق التغيير الجذري.

وهكذا جعلت الحكومات المتعاقبة علينا بتعدد أشكالها وجهتها وقبلتها أعداء الأمة وأدارت ظهرها لأبنائها تفرض عليهم سياسات تخالف دينهم.

عن أي حقوق للمرأة يتحدثون في ظل دولة تحارب شعبها وتفرض عليه قوانين لا تمت بصلة لعقيدته بل تخدم مصالح المستعمر وحضارته وعقيدته، وكأن المرأة ليست جزءا من الأمة، كياناً حاملاً لعقيدة ومشروع.

يا أبناء أمة الإسلام، يا أبناء خير أمة أخرجت للناس، يا من تحملتم بعقيدتكم أمانة الإنسانية التي تجبركم على قيادتها والوصول بها إلى بر الأمان، هل تبحثون عن نجاتكم في دولة الحداثة؛ دولة الارتهان، سليلة الاستعمار؟! غريب أمركم والله!

إن سبب شقاء المسلمين هو خضوع الوسط السياسي كاملا حكومة ومعارضة لنظام فاشل هو في الحقيقة صنيعة أعداء الأمة ومعارضا لتطبيق تشريع رب العباد الذي أمرنا بإقامته فرضاً لا فضلا، فنظام الإسلام هو النظام الوحيد الصالح للإنسان، لأنه نظام العليم الخبير، يقول تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى﴾.

إخوتي الكرام: لقد تتالت الأزمات علينا وانسدت حتى ظن البعض أنه لا خلاص من هذا الوضع التعيس الذي نعيش فيه، لأنهم خيرونا بين السيئ والأسوأ؛ النظام الديمقراطي أو النظام الدكتاتوري، اللذين يمثلان وجهان لعملة واحدة، متجاهلين عن قصد وجود نظام بديل عنهما هو نظام الإسلام.

إننا كمسلمين نحمل عقيدة كاملة الأركان فكرة وطريقة، لها مشروع سياسي قادر على تقديم كل المعالجات لجميع مشاكلنا في نظام محكم سطره رب العالمين تعالى عن الجميع، وهي سبيلنا الوحيد للفوز بدنيانا وآخرتنا نجسده بدولة إسلامية كالتي أقامها نبينا الأكرم هي دولة الخلافة على منهاج النبوة.

فهبوا يا مسلمين نبني عزنا، نبني مجدنا، نقيم جُنتنا، نستعيد أمجادنا وريادتنا ومكانتنا، ونؤسس دولة حقيقية تضمن لنا الرعاية والأمان، ويهابنا بوجودها الأعداء، وقد وعدنا الله بها وبشرنا نبيه الكريم بقرب قيامها، فلنعد بناءها ولتكن خلافة راشدة تُحقق بشرى الرسول الكريم ﷺ.

يقول تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾ صدق الله العظيم

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر