مؤتمر الخلافة السنوي 2023  الكلمة الخامسة  كيف تقام الخلافة ومبشرات قيامها
March 02, 2023

مؤتمر الخلافة السنوي 2023 الكلمة الخامسة كيف تقام الخلافة ومبشرات قيامها

مؤتمر الخلافة السنوي 2023

الكلمة الخامسة

كيف تقام الخلافة ومبشرات قيامها

الأستاذ محمد الناصر شويخة

هل إقامة الخلافة أمر مستحيل؟

يقول البعض إن حزب التحرير يحلم بإقامة الخلافة، وهي هذه الأيام مستحيلة! فهل الخلافة خيال أو وهم توهّمه حزب التحرير؟

أرسل الله سبحانه وتعالى محمّدا عليه الصّلاة والسّلام، ليكون الحكم في الأرض لله إلى قيام السّاعة، ولمّا التحق ﷺ وهو خاتم الأنبياء والمرسلين بالرفيق الأعلى كانت مهمّة الحكم بما أنزل الله منوطة بمن يخلُفُه، الأوّل فالأوّل. ولذلك كانت الخلافة من أعظم واجبات الدّين؛ بها يُقام الدّين وتُحفظ الدّنيا ويكون العدل، وقهر الأعداء.

ولذلك بادر الصّحابة الكرام بها فبايعوا خليفة قبل أن يدفنوا رسول الله ﷺ، على أهمية ذلك وعظمته، وذلك لعظمة الخلافة وأهميتِها. فهل تكون الخلافة مستحيلة؟ وهل يُكلّف الله عباده بما هو مستحيل؟ هل السّعي إلى طاعة الله خيال وأضغاث أحلام؟

جاء في محكم التّنزيل: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾. فما بالكم لو كان الحكم من الواجبات بل من أوجب الواجبات، وإقامة كلّ الدّين وإظهاره بجعله المهيمن في الدّنيا هي إرادة الخالق الجبّار القائل في محكم تنزيله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ فهل ما يريده الله خيال؟! هل ما يريده أضغاث أحلام؟! تعالى الله عمّا يصفون.

ثمّ إنّ الخلافة عمرت تاريخ البشريّة وملأت جنباته فأين بيزنطة وصولجانها؟ وأين المدائن وأكاسرتُها؟ وأين القسطنطينيّة وأباطرتها؟ ثم من مدَّ الصوت بالتكبير في تلك البقاع الممتدة على طول الأرض وعرضها من المحيط إلى المحيط لولا دولة الإسلام وجند الإسلام وعدل الإسلام؟ فهل تكون الخلافة التي عمرت أرجاء التّاريخ خيالا ووهما؟

وأكثر من ذلك فإنّ إقامة الخلافة وفوق كونها واجبة هي وعد من الله وبُشرى بشّر بها عباده الصّالحين، يقول جلّ من قائل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: 55]، فهل يُبشّرنا الله بخيالات؟ تعالى الله عمّا يصفون.

وإنّنا نجد في حديث رسول الله ﷺ وعدا بعودة الخلافة من جديد: «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ»، فهل ما يوحى إلى النّبيّ مستحيل؟ هل ما يُوحى إليه خيال؟!

ثم هل تكون الخلافةُ مستحيلةً في بلاد المسلمين؟ أيكون الحكم بالإسلام مستحيلاً في بلاد الإسلام؟! ولا يكون الحكم بغير الإسلام في بلاد الإسلام مستحيلاً بل أمراً واقعاً؟! ما لكم كيف تحكمون؟!

كيفيّة العمل لإقامتها:

الخلافة فرض فرضه الله على جميع المسلمين كفرض الصّلاة والصيام والحجّ، بل آكد، والنّاس كلّ النّاس إليها أحوج، ومعنى أنّها فرض يعني أن يتلبّس بها المسلمون حتّى يتمّ نصب خليفة يحكم بشرع الله ويقود الأمّة وجيوشها لإتمام رسالة محمّد ﷺ، بالدّعوة والجهاد. ولكن لله في هذا سنناً، جاء بها رسلُه وأنبياؤه، ولن يتحقق وعد الله وبشرى رسول الله إلّا بعمل العاملين الصادقين المخلصين، هكذا سار رسول الله ﷺ، وهكذا سار صحابته رضي الله عنهم، وهكذا سار الخلفاء من بعدهم.

دعا رسول الله ﷺ إلى ربه في مكة وأصحابُه معه، في جو عاصف مليءٍ بطيش الجاهلية وبطشها، واستمر على ذلك يدعو إلى الإسلام، ولما صارت دعوة الإسلام رأيا عامّا توجّه ﷺ إلى سادة القبائل الأقوياء يطلب منهم النصرةَ بضع عشرةَ مرةً، وأرسل مصعباً إلى المدينة، ولما استجاب أهل القوّة والمنعة في المدينة بايعوه ﷺ بيعة العقبة الثّانية فأقام الدّولة الإسلاميّة الأولى في المدينة. هذا ورسول الله ﷺ يوحى إليه، وهو أحب الخلق إلى الله سبحانه، ومع ذلك فقد تكبّد مشاقّ الهجرة وأهوالها (وقد كان أسري به إلى بيت المقدس ثمّ عرج به إلى السّماء السّابعة في ليلة واحدة دون مشقّة أو خوف) فلم يُنزل الله لرسوله ملائكةً يقيمون له دولةً، وهو ﷺ جالسٌ وصحبُه دون عمل، أو أنهم كانوا نياماً فما فتحوا عيونهم إلا ولهم دولة وجيش، ولأعدائهم محق وسحق، فقاموا يجمعون الغنائم دون أن يبذلوا الوسع في الدعوة إلى الله كما يحب سبحانه ويرضى. ليس هكذا الأمر بل ظلّ رسول الله ﷺ يكافح ويكافح في مكة، ويهاجر في شدة، ويقاتل في بدر، ويسوي الصفوف، ويُعِدُّ القوم للقتال، ثم يدخل العريش يسأل الله نَصْره، بعد ذلك وليس قبل ذلك، أنزل الله سبحانه ملائكته تقاتل مع المسلمين... أرأيتم؟ تقاتل الملائكةُ مع المسلمين وليس نيابةً عنهم وهم قاعدون. وهكذا في كل زمان يؤيد الله بملائكته وبنصره وبمددٍ من عنده، وما يعلم جنودَ ربك إلا هو، لكن كلَّ ذلك ليس نيابةً عن المسلمين بل عوناً لهم وهم يعملون مخلصين صادقين.

هذه هي سنة الله في خلقه بيَّنها رسول الله ﷺ لصحبه وسار عليها خلفاؤه من بعده، فهم لما سمعوا وقرأوا حديث رسول الله ﷺ بفتح القسطنطينية والثناءِ على أميرها وجيشها حرص كل خليفة على أن يرسل جيشاً لفتحها راجياً الله سبحانه أن تتحقق البشرى على يديه فينالَ ذلك الثناءَ العظيم، ولم يقعدوا عن أعمال الفتح ليكرمهم الله بفتحها وهم نائمون لا يعملون. هكذا فهم المسلمون أحاديث البشرى بأنها حافزةٌ على العمل الجادِّ المجدِّ لتتحققَ البشرى على أيديهم، لا أن يضعوا رِجْلاً على رجل ينتظرون تحقيق البشرى وهم قاعدون.

وهكذا فإنّ حزب التّحرير لمّا فقه سيرة رسول الله ﷺ قام يعمل من أجل إقامة الخلافة هذا الفرض العظيم، وهو يدرك تمام الإدراك أنّ حقيقة عمله لا أن يقيم هو الخلافة نيابة عن المسلمين بل أن يسير هو ويسير معه المسلمون لإقامة الخلافة استجابة لفرض الله على جميع المسلمين. فمن تخلّف عن ركب الحزب فقد تخلّف في الحقيقة عن التلبّس بالفرض.

أيّها المسلمون:

إن قيام الخلافة حقيقة واقعة، وإن ثباتها واستقرارها بعد قيامها لهو أمر محقق إن شاء الله، تؤكدها حقائق أربع:

أولاً: وعد من الله سبحانه للذين آمنوا وعملوا الصالحات بالاستخلاف في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم. يقول سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 55[

وثانياً: بشرى من رسول الله ﷺ بعودة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة بعد الملك الجبري الذي نحن فيه. يقول صلوات الله وسلامه عليه في الحديث الصحيح الذي أخرجه أحمد من طريق حذيفة بن اليمان: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ مُلْكاً عَاضاً فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ مُلْكاً جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ».

وثالثاً: أمة حيّة فاعلة، تريد أن تعود إلى سيرتها الأولى التي أخرجها الله لها. يقول سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. قامت ثائرة على العملاء، وما زالت، رافضة للعلمانيّة ومخرجاتها ومن يمثّلها، تريد أن يعود شرع الله للحكم، شبابها يتحرّق شوقا لميادين الجهاد حيث تحرير بلاد المسلمين، مستعدّ للموت ليحمي الخلافة ويحتضنها.

ورابعاً: حزبٌ مخلص لله سبحانه، صادقٌ مع رسوله ﷺ، يغذّ السير، واصلاً ليله بنهاره، حتى يتحقق وعد الله وبشرى رسوله على يديه، لا يخشى في الله لومة لائم، لا تلين له قناة ولا تضعف له عزيمة بإذن الله، حتى يأتي أمر الله وهو كذلك. وكأنه مصداق قوله صلوات الله وسلامه عليه في الحديث الذي أخرجه مسلم من طريق ثوبان «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ».

إن أية واحدة من هذه الأربع كافية لتنطق بأن العمل للخلافة ليس خيالاً، فكيف بالأربع مجتمعة؟!

فماذا بقي؟

أن يقوم أهل النصرة أهل القوة والمنعة المخلصون، الذين يغارون على دينهم وأمّتهم المقهورة المنهوبة بإزالة هؤلاء العملاء الذين لا يرون إلا الخضوع للمستعمر وإلاّ سوقنا إلى مذابحه سوقا. ثمّ تسليم الحكم والقيادة للحزب ليقوم بالمهمة العظيمة مهمة إقامة الدين، إقامة الحكم بما أنزل الله.

وهنا قد يقال إن الدول الكبرى ستُطبِق على الخلافة وتمحوها لو قامت.

إن إدراك الوقائع الجارية يكشف تهافت هذا القول وفساده من وجوه:

-     الوجه الأوّل: إذا كانت زعيمة الدول الكبرى، الولايات المتحدة، وأحلافها، لم تستطع أن تستقر في العراق وأفغانستان أمام مقاومة أفراد من المسلمين لا يملكون عشر القوة المادية لأولئك الأعداء، فضلاً عن أن هؤلاء الأفراد ليسوا دولة ذات مقومات محسوبة في العدد والعدة، فكيف ستستطيع أن تطبق على الخلافة وتمحوها؟! إلا أن يكون قائل هذا القول فاقداً للبصر والبصيرة لا يدرك عظمة الإسلام، وعظمة دولة الإسلام، ولا يدرك قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ ولا قول الله سبحانه: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾. ولا يدرك كذلك فقه حديث رسول الله ﷺ الذي أخرجه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ»، وهو كذلك لا يدرك حقائق التاريخ وأن الجيش الإسلامي بإذن الله لا يقهر.

-     الوجه الثّاني: أن المستعمرين في كلّ بلاد المسلمين لم يستطيعوا دخولها وما كان لهم أن يدخلوها لولا الخيانة ولولا الحكّام العملاء، الذين فتحوا لهم البلاد، وجعلوا لهم الكلمة العليا.

-     الوجه الثّالث: هؤلاء العملاء ما كان لهم أن يستقرّوا في أماكنهم لولا الحماية التي يجدونها من القوّات العسكريّة والدّعم السياسي والمعنوي من الأقوياء في البلاد.

ولهذا لم يبق إلّا أن تُزال عنهم الحماية. فيسقطوا، ولن يجد الأعداء حينها خائناً يفتح لهم أبواب البلاد الإسلامية ليدخلوها دون عناء.

أيّها المسلمون يا أهل القوّة والنّجدة:

-     ألم تكفِ مائة عام بل تزيد من الضياع وعدم وجود الخـلافة حتى أصبحنا كالأيتام على مائدة اللئام، ألم تكفِ تلك السنون لنصحوَ ونستيقظ؟!

-     ألم تكفِ مائة عام بل تزيد من مصائب "الدولة الوطنيّة" حارسة الاستعمار ومصالحه.

-     ألم تكف مائة عام بل تزيد من العلمانيّة الفاسدة والرأسماليّة المجرمة؟ ألم تروا بعدُ أنّهم يُذلّونكم؟ ألم تروا إلى الطّبقة السياسيّة العلمانيّة، كيف جعلتنا قطعانا من الخدم والعبيد عند الرأسماليين وكبار المرابين العالميين، ألم تروا كيف جعلتنا حداثتهم في ذيل الأمم لا في العير ولا في النّفير بعد أن كنّا خير أمّة أخرجت للنّاس؟

أليس غريباً عجيباً أن يوجد بيننا من يتشبّث بوطنيّة ضيّعتنا وحداثة غربيّة استعبدتنا؟! أليس عجيبا غريبا أن يوجد بيننا من لا يعمل لإعادة الخـلافة من جديد، وأداء هذا الفرض العظيم، الطريق المستقيم إلى عز الدنيا والآخرة؟!

ثم أليس غريباً عجيباً محزناً أن يحمي أبناؤنا (جنودا وضبّاطا) أشباه حكّام لتكون الهيمنة للكفّار؟! ألم تروا أنّ هؤلاء الأشباه لا قرار لهم إلّا بحمايتكم، فكيف تحمونهم بعدما تبيّن لكم أنّهم خدم للمستعمر؟ إلى متى؟! ألم يفرّ بن علي الطّاغية بعد أن سحبتم الحماية منه؟ فلماذا تقدّمون الحماية لمن هم مثله أو أشدّ عمالة وخساسة؟!

يا أهل القوّة والمنعة، يا أهل النّجدة والنخوة!

إلى متى القعود عن المعالي؟ إلى متى نُغزى؟ إلى متى تحاربنا أمريكا وبريطانيا وفرنسا والهند والصّين وتمعن فينا الذبح والتقتيل؟ إلى متى نعدّ قتلانا؟ وأنتم تنظرون محبوسين في ثكناتكم لا تحاربون؟!

إلى متى ننادي معتصماً وخالداً وعمرَ وصلاحاً نداءات يائسة متحسّرة، ولا مجيب؟!

إلى متى ننتظرُ من ينصر دعوة الحقّ؟ إلى متى ننتظر أمثال أسعد وسعد؟!

إنّ المعتصم وعمر وخالدا وصلاح الدّين وغيرهم من أبطال المسلمين بشر مثلكم، مسلمون مثلكم، آمنوا بالله ربّا وبمحمّد نبيّا ورسولا من عند ربّ العالمين، ولكنّهم قاموا لله قياما فامتثلوا لأوامره واجتنبوا ما نهاهم عنه، فأقاموا الدين؛ دولة ترعى المسلمين وغير المسلمين وجيّشوا الجيوش فأغاثوا النّاس في أزمانهم من ظلم الكفر وتسلّط الكفّار والظّالمين. فأدّوا ما عليهم في أزمانهم ثمّ مضوا إلى ربّهم، ويذكرهم النّاس بخير ويحمدونهم ويذكرون جميل ما صنعوا، ونظنّهم من الصالحين ولا نزكّي على الله أحدا.

أنتم مسلمون، أمركم الله كما أمر النبيّ محمّدا ﷺ وكما أمر أبا بكر وعمر وعثمان وعليّا وخالدا ومعتصما وصلاح الدّين ومحمّداً الفاتح. فلماذا تتردّدون؟ لماذا تتأخّرون عن نداء ربّكم القائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؟!

فهل أنتم مجيبون؟ فهل أنتم مغيثون لأمّتكم ومخلّصوها؟

فإن لم تستجيبوا فاعلموا أنّ الله هو الغنيّ الحميد وأنّه ناصر عباده العاملين المخلصين، واذكروا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.

واللهِ الذي لا إله إلا هو لن تعودوا خير أمة أخرجتْ للناس دون أن تشمروا عن ساعد الجد وتقيموا الخـلافة، وإنه واللهِ الذي لا إله إلا هو لن تنالوا المكانة التي يحبها الله ورسوله إلا إذا احتكمتم لشرعه سبحانه ثم لا تجدون في أنفسكم حرجاً وتسلموا تسليماً، إنه واللهِ الذي لا إله إلا هو لن يزول الذل عنكم وتصبحوا سادة الدنيا بحق إلا إذا تمسكتم بكتاب الله وسنة رسوله، تعضُّون عليهما بالنواجذ حيث حللتم وحيث ترحلون.

واذكروا إن شئتم قول الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾.

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر