مؤتمر الخلافة السنوي 2023  الكلمة الرابعة  حزب التحرير والخلافة
March 02, 2023

مؤتمر الخلافة السنوي 2023 الكلمة الرابعة حزب التحرير والخلافة

مؤتمر الخلافة السنوي 2023

الكلمة الرابعة

حزب التحرير والخلافة

الأستاذ منذر عبد الله

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لم تمض سوى ثلاثة عقود على هدم الخلافة وزوال حكم الإسلام حتى نشأ حزب التحرير. فقد تأسس حزب التحرير سنة 1953 في القدس على يد المفكر والعالم والقاضي تقي الدين النبهاني رحمه الله.

لم تكن عملية إنشاء الحزب ارتجالية، وإنما كانت نتيجة عملية تفكير عميقة في واقع الأمة وتاريخها ومبدئها. أدت عملية التفكير هذه إلى فهم مشكلة الأمة وتحديد أسباب ضعفها وانحطاطها. كما تمخضت عن تشكل تصور واضح ومفصل عن كيفية إنهاضها.

فالحزب هو الجماعة الوحيدة التي سبق تشكلها عملية تفكير عميقة أدت إلى فهم مشكلة الأمة بشكل دقيق وفهم حقيقة التغيير والنهضة وفهم سيرة المصطفى ﷺ فهما تشريعيا وعمليا وفهم واقع الأنظمة القائمة في بلادنا اليوم وفهم واقع المجتمع ومعنى الدولة وواقع الحكم. فقد قام الحزب على أساس فكرة محددة ومنهج واضح وثقافة عميقة صقلت شخصية شبابه فكانوا حملة دعوة ورجال دولة جديرين بقيادة البشرية بالخير ونحو الخير.

وبناء على ذلك فإن الحزب أدرك أن مشكلة الأمة تتمثل في ضعف فكري ذي جذور تاريخية أدى إلى ضعف فهم الإسلام وتطبيقه وحمله إلى العالم. ثم تبع ذلك غزو فكري من الغرب أفقد المسلمين توازنهم فكانت الهزيمة التاريخية التي أدت إلى هدم الخلافة واحتلال بلاد المسلمين، وفرض الهيمنة الغربية على بلادنا بكل أشكالها.

فقد جعل الحزب غايته استئناف الحياة الإسلامية وإعادة الحكم بما أنزل الله بإقامة الخلافة الراشدة.

أما طريقة عمل الحزب لتحقيق غايته وإحداث التغيير المطلوب فقد تمثلت في عملين أساسيين:

التفاعل مع الأمة لتغيير أفكارها ومشاعرها وتحميلها الإسلام كمبدأ فتتبناه عن وعي وتسير مع الحزب لإيجاده في المجتمع والدولة. والعمل الثاني هو طلب النصرة من أهل القوة والمنعة لكسب ولائهم للإسلام وللأمة فينحازوا لمشروع تحررها ونهضتها الراشدة فيعملوا على إيصاله إلى الحكم.

والحزب يسعى لتحقيق أهدافه عن طريق العمل الفكري والسياسي ولا يعتمد العنف وسيلة في التغيير. كما أنه يرفض المشاركة في الأنظمة القائمة في بلاد المسلمين، ويرفض فكرة التدرج في تطبيق الإسلام، بل يعتبر ذلك منكرا عظيما وتكريسا للأنظمة الفاسدة.

ويسعى الحزب لأخذ الحكم عن طريق الأمة ويعتبر الاستعانة بالدول الكافرة خيانة وإثما مبينا وانتحارا سياسيا.

أدرك الحزب من البداية عمق الأزمة التي تعيشها بلادنا وأنها تتمثل في فقدان الهوية وسلب سلطان الأمة وفرض ثقافة الغرب وأنظمته على بلادنا. فالغرب يتحكم بقرار الأمة ومصيرها وبثرواتها وحتى بعقول أبنائها من خلال ثقافته. وهو الذي فرض علينا دستورا علمانيا مناقضا لعقيدة الأمة. وهو الذي يحدد السياسات الداخلية والخارجية. وهو الذي يفرض الحكام الفاسدين ويرعاهم، وإن هدد الشعب بعض هؤلاء الحكام، حضر الغرب بنفسه من خلال جيوشه وأساطيله لمواجهة الأمة.

ولذلك فقد جعل الحزب من أهم أهدافه تحرير البلاد من الهيمنة الغربية، وهذا لا يقتصر على إغلاق سفاراتهم وقواعدهم العسكرية، ولا يقتصر على إسقاط السلطة العميلة لهم، بل بنبذ ثقافتهم الليبرالية، ونظامهم العلماني، ودساتيرهم الوضعية. ثم جعل العقيدة الإسلامية بوصفها عقيدة روحية، وفكرة سياسية أساسا لبناء الدولة، وسن القوانين، ورسم السياسات، فتجعل السيادة للشرع، والسلطان للأمة.

فالصراع الحقيقي الذي نخوضه كحزب وأمة ليس مع هؤلاء الحكام، فهم مجرد أدوات. والعدو الأصلي هو الدول الغربية الاستعمارية. فقد تحولت بلادنا إلى مزارع للغرب منذ هدمت الخلافة. فالدولة الوطنية والاستقلال مجرد خدعة وكذبة، ونحن شعوب فاقدة للإرادة وللقرار. سلطاننا مغصوب، وثرواتنا منهوبة، وقرارنا مصادر، وشريعتنا معطلة، وحرماتنا مستباحة، وحكامنا عون لأعدائنا علينا.

وقد رأى الحزب أن الطريق لتحقيق التحرر من نفوذ المستعمرين وكسر شوكتهم وكسب هذه المواجهة التاريخية واستعادة سلطان الأمة وهويتها واستئناف الحياة الإسلامية يتمثل في ثلاثة أمور:

أولاً: هدم كل أثر فكري وثقافي للغرب في بلادنا. ويتم ذلك من خلال الصراع الفكري الذي يبين فساد ثقافة الغرب وتناقضها مع الإسلام وأنها تطرح في بلادنا كأداة استعمارية لصرف الشعوب عن سر نهضتها. وبالكفاح السياسي الذي يكشف مشاريع الغرب وأدواته في بلادنا ويتصدى لكل ما يروج له الغرب.

ثانيا: بلورة الأفكار الاسلامية التي تتعلق بالحكم الإسلامي ودولته، كي يدرك المسلمون معنى العيش الإسلامي وفق وجهة النظر الإسلامية، فيتولد وعي عام إسلامي ينتج عنه رأي عام جارف مطالب بالتحرر على أساس الإسلام وإقامة خلافته الراشدة.

ثالثاً: العمل على كسب ولاء أهل القوة والمنعة وجمعهم على فكرة الإسلام ووجوب نصرته وإفهامهم أن ولاءهم يجب أن يكون لدينهم وأمتهم وليس لحكام عملاء، ولا لكافر مستعمر. فإن وجد الرأي العام الجارف، ووجدت القوة التي تنصره، ووجد القائد؛ حزب التحرير فقد اكتملت عناصر التغيير.

وقد شَن الحزب حرباً فكريةً وسياسيةً على الأوضاع اﻻستعمارية القائمة وعلى اﻷنظمة العميلة التي تتولى حراستها كي تدركها الأمة على حقيقتها، فتنهض مع الحزب لخلعها من جذورها - في الوقت الذي كان يدعو فيه غيره إلى التعايش مع الأوضاع القائمة ومحاولة إصلاحها لتتناسب مع الإسلام قدر الإمكان - وعمل الحزب في الوقت نفسه على إيجاد الوعي في اﻷمة على طبيعة النظام السياسي في الإسلام (الخلافة) وما يجسده من وجهة نظر وطريقة عيش إسلامية متميزة.

فسار الحزب في خطين متوازيين؛ هدمٌ ﻷفكار الكفر ومناهجه وأنظمته، وتركيزٌ لأفكار الإسلام ومعالجاته الربانية. فتحركت في الأمة أحاسيس النهضة والتحرير من جديد بعد أن ظنّ الكفار وضعاف النفوس أنها قد ماتت.

وها هي الأمة اليوم في حالة تململ وحراك يُعبّر عن رفضها للأوضاع الثقافية والسياسية واﻻقتصادية اﻻستعمارية القائمة، وها هو المستعمر يطلق عملاءه في ثورة مضادة تستهدف تركيع الأمة.

أيها المسلمون: إن ما يحول دون خروجنا من مأزقنا ويؤخر نهضتنا ليس تفوق أعدائنا علينا، ولا انعدام الدوافع المطلوبة للتغيير في الأمة، ولم يعد يتمثل في جبن أو كسل، ولا هو في قلة الإمكانات. بل إننا والله نملك قدرات هائلة، ونواجه عدوا جبانا، ولدينا شباب تغلي الدماء في عروقهم.

إنّ مشكلتنا والتحدي الأكبر الذي يعيق نهضتنا هو ضعف الإدراك وغياب الوعي السياسي. فحين ندرك أن القضية الأولى والمصيرية للأمة هي إقامة الخلافة وإظهار الإسلام وإعادة حكمه وسلطانه، فسيزول تخبطنا، وستتوحد جهودنا وستتركز أعمالنا وسَتُسَخَّر جلُّ إمكاناتنا لتحقيق هذه القضية بوصفها جماع كل القضايا والمدخل إلى علاجها ومواجهتها، ما يجعلنا نسير نحو نهضتنا كالسهم الذي يسير بشكل سريع ومستقيم مخترقاً كل ما يواجهه إلى أن يصل هدفه.

لقد تميز الحزب بوعيه السياسي وفهمه التشريعي وبثباته على مبدئه، فلم يساوم على دعوته ولم يهادن بل ظل ثابتا رغم كل التحديات والمتغيرات والفتن.

وسر ثبات الحزب وعدم انحرافه يرجع إلى كونه قام على تصور مفصل يبلور فكرته ويحدد منهجه ويشكل شخصيته. فقد اعتبر الحزب أن الإسلام كل لا يتجزأ، فلا تتحقق فكرته إلا من خلال طريقته، ولا تتجسد عقيدته إلا من خلال التقيد بتفاصيل أحكامه، ولا ضمانة لتحقيق النصر إلا بالاستقامة على منهج الله.

لقد كرس الحزب في فكره وفي تكوينه مفهوم الأمة متجاوزا مخلفات الغرب من وطنية وقومية، فتحول الحزب في كل العالم وباختلاف جنسيات أعضائه إلى كيان فكري وشعوري وتنظيمي واحد دون أي اعتبار إلا للعقيدة الإسلامية والثقافة الحزبية.

وقد نجح الحزب في تحويل الخلافة من مسألة تاريخية وفقهية نظرية إلى فكرة سياسية يتمركز حولها المشروع الإسلامي، وتحولت إلى رأي عام بين المسلمين حتى باتت تؤرق الشرق والغرب وعملاءهم من الحكام.

وفي الوقت الذي يتقدم فيه مشروع الخلافة ويمثل أمل الأمة والبشرية بالخلاص يشهد النظام الغربي حالة ترهل وتفسخ تتمثل في فقدان شعوبه الثقة بمنظومته وبانقسام مجتمعاته وفي اشتداد أزماته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

لم يعد الإسلام تحدياً للغرب في بلاد المسلمين فقط، وإنما بات يتغلغل في مجتمعاته التي وصلت إلى طريق مسدود وباتت تبحث عن مخرج.

لا عودة إلى الوراء، بل سنكمل هذا الصراع إلى نهايته، نسير ونحن نعظّم أوامر الله ونستبشر بنصره وجنته، وفي الوقت نفسه ندوس بأقدامنا أنظمة الكفر التي فرضها الغرب علينا ونحتقر حضارته ونظمه، وتهون عندنا أمام قوة الله أساطيل الغرب وقوته.

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر