مؤتمر وستفاليا ونشأة القانون الدولي وتطوره  وطريقة فهم النصوص والمجريات السياسية
January 26, 2020

مؤتمر وستفاليا ونشأة القانون الدولي وتطوره وطريقة فهم النصوص والمجريات السياسية

مؤتمر وستفاليا ونشأة القانون الدولي وتطوره

وطريقة فهم النصوص والمجريات السياسية

تختلف قراءة النصوص السياسية عن غيرها من النصوص الأخرى بطابع المراوغة والمناورة وإخفاء المضامين والأهداف الحقيقية للسياسات المتبعة والمنتهجة من الدول. وكلما كانت الدول رأسمالية استعمارية زادت زركشة المضامين الحقيقية وإخفاء الحيل وتغليفها من أجل إخفاء النوايا الخبيثة وراء أعمال وسياسات هذه الدول. ولذا فعلى القارئ للنصوص السياسية أن يكون على قدر من الاطلاع على المفاهيم السياسية لأنه بدون ذلك ستختلط الأفهام وتدق المعاني وسينتج عن ذلك الكوارث والمصائب المحدقة والأكيدة والنهايات غير محمودة العواقب، وما حال المسلمين اليوم إلا دليل صارخ ناطق بصحة ذلك.

ومن هنا جاءت أهمية الأفكار والمفاهيم السياسية لأنها هي التي تمكن الإنسان من فهم الحياة بصدق، وفهم الدول وأنواعها وسياساتها ودوافعها، بناء على مبدأ هذه الدول إذا كانت تمتلك مبدأ، أو فهم سياساتها عن طريق الخطط والأساليب التي تتبعها إن لم تكن تملك مبدأ معينا. كما أن مراقبة الدول الفاعلة والمتصارعة فيما بينها على مركز الدولة الأولى في العالم يمكّن السياسي من فهم الموقف الدولي، لأن الموقف الدولي مهم لفهم السياسات العالمية وحتى الإقليمية والمحلية بالنسبة للقضايا السياسية في العالم. وعدم فهم الموقف الدولي سيؤدي لخلل في الأفهام وبالتالي خلل في فهم النصوص السياسية واضطراب في قراءة الوقائع والأحداث السياسية كذلك. ومن هنا جاءت أهمية العناية بدراسة المفاهيم السياسية وخصوصا من الأمم والشعوب المغلوبة على أمرها. لأن هذه المفاهيم من شأنها أن تغير حال الناس للأفضل لأنها هي التي ترفع مستوى الوعي لدى الأمم والشعوب وتجعلها تتغلب على الجهل وبالتالي على المخاوف التي تربطها وتحجمها وتحدّ من تقدمها وتطورها.

ويبقى أمر أصيل غاية في الأهمية في موضوع ثبات الأفهام السياسية وترسخها وصقلها وسبكها في معدن متجانس يلمع كالذهب، وهي الزاوية التي ينظر السياسي منها للأحداث. وعادة ما تكون عقيدة ما يعتنقها السياسي فتشكل له قاعدة وتصورا واضحا عن الحياة والإنسان والكون بشكل عام، وتنبثق منها المفاهيم السياسية وغيرها لتنظيم شؤونه ليسير بطريق واع ومتبصر، ويستطيع تلمس الواقع بدقة وعناية ويستطيع نتيجة فهم النصوص السياسية قراءة الأحداث والوقائع بوضوح فيدرك المغزى منها والمضامين في طياتها ويقرأ ما بين السطور ويحاول كشف الخطط والأساليب والأهداف المبطنة لما يقوله أو يفعله السياسيون والدول الفاعلة في العالم اليوم. والمسلم زاويته وعقيدته وركنه الحصين هو الإسلام، والإسلام قد هدمت دولته، وأما الدول الفاعلة اليوم فهي دول تعتنق الرأسمالية وطريقها استعمار واستعباد الشعوب، فهي ليست بدول خيّرة ولا يوجد هكذا دول في عالمنا اليوم - وخصوصا في ظل غياب دول الإسلام - وإنما هي دول مصالح ومنافع وأهداف ونزعات استعمارية بسبب انتشار المبدأ الرأسمالي عالميا وهيمنته على سياسات الدول الفاعلة التي تشكل الموقف الدولي اليوم. ولذا تبدأ أركان الفهم السياسي الأصيل اليوم بفهم هذه الحقيقة أولا بأن الإسلام هو زاوية الفهم الصحيح للأمور عند السياسي المسلم وأن العقيدة الرأسمالية - فصل الدين عن الدولة - هي الأساس الذي يقف وراء تصرفات وأفعال وسياسات الدول الاستعمارية الفاعلة في العالم اليوم.

وعند إدراك هذه الحقيقة يفهم المسلم اليوم أنه لا توجد قوانين لإرساء عدالة، ولا توجد منظمات تسير وتعمل من أجل مصلحة البشرية. بل إن القوانين العالمية مهما تنوعت ومهما تجملت فإن المنظمات الدولية المختلفة وعلى رأسها هيئة الأمم ومجلس الأمن والثالوث (منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي) قد وضعت وأسست على أيدي الدول الرأسمالية الكبرى لحماية مصالحها الاستعمارية في العالم. لأنه وببساطة وضعت هذه القوانين من هذه الدول الاستعمارية وبناء على مبدئها النفعي المصلحي الذي لا ينظر بعين الرحمة والشفقة والرعاية للشعوب والدول الضعيفة والفقيرة والمنكوبة وأنما تأخذ فقط بعين الاعتبار مصالح الدول الكبرى وهي موجودة لترسيخ سيطرة الدول الكبرى على العالم كسيطرة الأسياد على العبيد.

إن الأصل في القانون الدولي المعمول به - في هيئة الأمم ومجلس أمنها وأذرعها الاستعمارية الثلاث - أنه تطور للاتفاقيات التي نشأت عن موتمر وستفاليا عام 1648م بعد حرب الثلاثين عاما في أوروبا بين دولها، تلك الحروب التي كادت أن تفني أوروبا وتبيدها، علاوة على الفقر والجهل وفترة العصور الوسطى التي كانت تحياها الشعوب في أوروبا. وبعد هذه الحروب وفي هذا المؤتمر وستفاليا وضعت اتفاقيات أو قوانين عامة للحد من طمع الملوك والأمراء وعبّدت الطريق لبعض الحريات الدينية والحدود الوطنية للدول في أوروبا واتفق مبدئياً على محاولة الحيلولة دون اندلاع الحروب من جديد بين الدول والشعوب الأوروبية والممالك والإمارات. وعبدت الطريق بعد هذا المؤتمر بقرابة مئة عام للثورة الفرنسية والفكرية والصناعية في أوروبا. وبدأ التطبيق العملي وبلورة هذا القانون الدولي المتمثل بمؤتمرات الدول الكبرى وفكرة إعادة التوازن بين القوى الكبرى في أوروبا بعد الحروب النابليونية وبعد هزيمة نابليون في معركة ووترلوا بعد سبعة تحالفات من دول أوروبا لإعادة التوازن في القارة. وبعد ذلك تطور القانون الدولي في قانون العائلة أو الأسرة النصرانية للوقوف في وجه دولة الخلافة ونقل الصراع معها لهدمها فتجمعت هذه الدول وحدّت من الحروب فيما بينها ووجهت الحروب والصراعات مع دولة الإسلام العثمانية آنذاك.

وبعد نجاحهم في هدم دولة الخلافة العثمانية وتقطيعهم للبلاد الإسلامية لدول وخرق هزيلة متفرقة، ومن أجل ترسيخ وتثبيت استعمارهم للبلاد الإسلامية في آسيا وأفريقيا طوروا قوانينهم على شكل هيئة ومنظمة دولية ذات قوانين مفصلة ودقيقة؛ أولا سموها عصبة الأمم التي فشلت وذهبت مع قيام الحرب العالمية الثانية ولكن تبلورت بشكل جديد ومتين بعد هذه الحرب في شكل هيئة الأمم المتحدة، وبذلك يكون القانون الدولي قد طور على شكل أن تصبح الدول الكبرى شرطي العالم وصاحب الحق بالتدخل في شؤون الدول والعالم متى وكيف شاءت.

وبهذا كان القانون الدولي منذ نشأته (بعد مؤتمر وستفاليا 1648) وحتى آخر شكل فيه هيئة الأمم المتحدة: ما هو إلا قانون لخدمة مصالح الدول الاستعمارية الكبرى ولترسيخ مصالحها في العالم وليس لحفظ الأمن والأمان لدول العالم، ولا لمساعدة الدول كما يدعون، ولا لإحقاق الحق ودفع المظالم كما يروجون، ولا للحيلولة دون الأزمات الاقتصادية كما يدعون زورا وبهتانا. وتكفي نظرة دقيقة لنشأة وتطور القانون الدولي ليعلم المسلمون والدول الفقيرة في العالم أن هذا القانون الدولي هو أس البلاء وأداة الدول الكبرى لنهب ثروات الشعوب في العالم. وتكفي نظرة بسيطة لحال الدول الفقيرة في العالم وحالة الاقتصاد العالمي والأمن والسلام في العالم لرؤية النتائج المدمرة لهذا القانون الدولي.

ولذا فمن الصفاقة والسذاجة والجهل الانخداع بالأهداف المعلنة لهيئة الأمم المتحدة ومؤسساتها وقوانينها، فما هي إلا قوانين الذئب التي ارتضاها بنفسه للقطيع وللفريسة!

وخير مثال على هذا القانون هي أقدس وأقدم قضية للمسلمين بعد هدم دولة الخلافة العثمانية: قضية فلسطين.

فالذي احتل فلسطين هم الإنجليز، والذي أعطى يهود حقا فيها هم الإنجليز، والذي كان قائد الجيوش العربية التي خسرت سنة 1948 هو الإنجليزي كلوب باشا، والذي أسس جيش يهود الذي هزم الجيوش السبعة هو إنجلترا وهي نفسها التي أسست قوانين هيئة الأمم المتحدة مع فرنسا، تلك القوانين التي تبنتها من بعدُ أمريكا وشاركت في صياغتها وبلورتها وتطويرها. وها نحن إلى الآن نرى كيف يحمي القانون الدولي ومؤسساته كيان يهود بكل ما أوتي من دعم وقوة وتشريعات ومؤتمرات هوان (سلام!) كلها بواسطة القانون الدولي وعلى يد الدول الكبرى.

وإذا دققنا قليلا في المثال، قضية فلسطين منذ نشأتها 1917م وحتى الآن، نجد أنه لم يوجد أي مشروع لحلها إلا أحد حلين اثنين: الأول: المشروع الإنجليزي: مشروع الدولة الواحدة العلمانية على غرار لبنان (الذي توقف العمل به بعد ضعف بريطانيا عالميا). والمشروع الآخر هو المشروع الأمريكي لقضية فلسطين (مشروع الدولتين) المتبنى عالميا الآن.

والسؤال: من أعطى الحق لبريطانيا أن تضع مشروعا لفلسطين؟ ومن أعطى الحق لأمريكا أن تضع مشروعا لفلسطين تفرضه على العرب والمسلمين؟ الجواب الوحيد هو القانون الدولي (قانون الدول الاستعمارية الكبرى وعلى رأسها أمريكا اليوم).

أسئلة أخرى في القضية نفسها: منذ بدء قضية فلسطين، هل هناك مشروع معمول به يدعى بالمشروع الفلسطيني لقضية فلسطين، أو المشروع المصري، أو السوري، أو العربي، أو الإسلامي لقضية فلسطين؟ الجواب لا. لماذا؟ لأنه لا يوجد في قوانين الأمم المتحدة شيء من كل هذا، بل المشروع المعمول به عالميا الآن فقط هو المشروع الأمريكي لقضية فلسطين المسمى بحل الدولتين. وقس على ذلك باقي قضايا العالم والنزاعات يحكمها القانون الدولي الذي تقف وراءه وتصوغه وتطوره الدول الكبرى الرأسمالية المستعمرة.

هذا هو القانون الدولي نشأة وتطوراً وتبلوراً في حلته الأخيرة في شكل هيئة الأمم المتحدة ومجلس أمنها وثالوثها السام القاتل. وهو بذلك شرطي العالم وبوليس يحكم ويرسم في الشعوب ومصائرها. يختلق المشكلة ويحلها وفق قانون الذئب للنعاج! إن هذا الفهم لواقع القانون الدولي وكيفية النظرة إليه من زاوية معينة يجعل المسلم يقرأ النصوص السياسية والخطابات الرنانة المزركشة وإفادات سياسيي الدول الكبرى ورجالاتهم في المنطقة من حكام وسياسيين ومفكرين وحتى مشايخهم الذين يعملون معهم، بشيء من الريبة بل بكل الريبة والحذر آخذاً بعين الاعتبار أسس الفهم السياسي المذكورة آنفا، وإلا صار المسلم إمعة ومطيّة يمتطيها المستعمرون ورجالاتهم، وهذا منكر عظيم لأن المؤمن كيس فطن. ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾.

ولذا فإن كل دولة من الدول القائمة في البلاد الإسلامية تحتكم للقانون الدولي وهيئة الأمم المتحدة ومؤسساتها هي جزء من معاناة الشعوب الإسلامية. فكل هذه الدول تدار بحبل موثوق هو القانون الدولي الذي يربط مصائر شعوب المنطقة بيد الدول الاستعمارية الكبرى التي تحرك بلداننا وحكامنا ترشيحاً وتنصيباً وخلعا وتغييرا. ولذا كانت أول نقطة مهمة لثورات الشعوب المسلمة هي قطع هذه الحبال مع الدول الكبرى عن طريق إزالة الأنظمة برمتها وتأسيس نظام جديد لا يكون أساسه القانون الدولي (قانون الذئاب) بل قانوناً مبنياً في أصله وفروعه على الإسلام، وبهذا يصبح الاستقلال في الهوية والقرار السياسي والتطور والرقي، وبذلك فقط يُقضى بحق على الفساد والتخلف ونمضي برقي في طريق النهضة والفلاح والعز في الدارين الدنيا والآخرة.

﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الدكتور فرج ممدوح

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر