نجاح حملة حزب التحرير للقضاء على المخدرات في السودان
March 14, 2023

نجاح حملة حزب التحرير للقضاء على المخدرات في السودان

نجاح حملة حزب التحرير للقضاء على المخدرات في السودان

دشن حزب التحرير/ ولاية السودان حملة قوية، بمؤتمر صفحي في وكالة سونا للأنباء في الخرطوم غرة رجب مضر 1444هــ وذلك للقضاء على المخدرات التي عمت السودان، والتي بدأت آثارها المدمرة تظهر بشكل كبير على المجتمع، وبخاصة جيل الشباب.

إن ظاهرة المخدرات هي حرب غير معلنة على المسلمين، وبخاصة أهل السودان، للقضاء على جيل كامل، ليأخذ المستعمر دوره المحوري للحيلولة دون عودة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة. إن واقع المخدرات بشقيها الطبيعي والكيميائي خطر عظيم على الشباب، لأنها تستهدف رأس مال الإنسان؛ الذي هو العقل مناط التكليف. لقد أفسد الغرب حياته بشكل كامل، فقد كشف تقرير جديد للأمم المتحدة أن تعاطي القنب بشكل منتظم زاد على ما يبدو جراء قيام مناطق من بينها ولايات أمريكية بإضفاء الشرعية على استخدامه، في حين كان لعمليات الإغلاق الناجمة عن كوفيد-19 تأثير مماثل ما زاد من خطر الإصابة بالاكتئاب والانتحار.

أوردت الأمم المتحدة في تقريرها السنوي بشأن المخدرات في العالم أن القنب يعد منذ فترة طويلة أكثر المخدرات استخداما في العالم، وإن استخدامه آخذ في الازدياد، بينما يزداد الحشيش في السوق قوة من حيث محتواه من مادة رباعي هيدروكانابينول. وقد أضفت ولايات أمريكية مختلفة الشرعية على الاستخدام غير الطبي للقنب بدءا من واشنطن، وكولورادو عام 2012، وقد أقرته أوروغواي عام 2013 كما فعلت كندا عام 2018، واتخذت دول أخرى خطوات مماثلة، لكن التقرير ركز على هذه الدول الثلاث. وقال تقرير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة ومقره فينّا "يبدو أن إضفاء الشرعية على استخدام القنب أدى إلى تسريع الاتجاهات نحو الصعود في الاستخدام اليومي المسجل للمخدر". (وكالات).

وأشارت التقارير الدولية الحديثة إلى أن حجم التجارة العالمية في المخدرات والعقاقير الممنوعة تجاوز 800 مليار دولار سنويا، وهو ما يزيد على مجموع ميزانيات عشرات الدول النامية والفقيرة، وهذا الرقم هو ما تم رصده عمليا وهو يزيد عن ثلث الحجم الفعلي لهذه السوق الممنوعة، فضلا عن تجارة الخمور الاعتيادية التي لا يتم تصنيفها دولياً تبعا للمخدرات الممنوع تداولها مثل الحشيش والأفيون. (وكالة الأنباء القطرية). جاء تقرير للجزيرة نت أن إمبراطور الخمور بيير كاستيل الذي استنزف خيرات أفريقيا والذي يمتلك أكبر مزارع للعنب في فرنسا لصناعة النبيذ قد وطن صناعة الخمور في أفريقيا في ما يقارب 21 دولة أفريقية، ومزارع قصب السكر لإنتاج مادة الإيثانول. وتشير تقارير المؤسسات الصحية العالمية إلى وقوع أكثر من مليار إنسان في تعاطي المخدرات وإدمانها. ويمثل الشباب النسبة الغالبة من ضحايا تعاطي هذه الآفة ما يكلف الدول ما يزيد عن 150 مليون دولار سنويا في برامج علاج الإدمان والتوعية بخطورتها.

إن المخدرات مواد تؤثر على العقل والجسد البشري بشكل سلبي، فهي مواد مذهبة للعقل تجعل من يتناولها في حالة من اللاوعي وعدم الإدراك، وتجعل الشخص عرضة للهلوسة. وتقسم المخدرات إلى نوعين: الأول مصدره طبيعي كالحشيش والأفيون والتبغ والفطور المهلوسة، والثاني غير الطبيعي ويتم إنتاجه بشكل مصنع من النباتات، كالهيروين والكوكايين وغيرها. وتحتوي المخدرات على مكونات طبيعية وعناصر كيميائية ومواد مهلوسة، تؤدي إلى الإدمان من خلال تأثيرها على وظائف الجسم وعلى الجهاز العصبي، مثل مركبات المورفين إضافة إلى الماريغوانا، ونبات الخشخاش والتبغ والقنب، وتأتي على أشكال كثيرة، مثل الحبوب والحقن والبودرة والطوابع والمعجون. وتعمل على تشنج وتعطيل قدرة الخلايا العصبية على القيام بوظيفتها لفترة معينة من الزمن، وإذا زادت نسبة الجرعة التي يتم تناولها عن حدها الذي يستطيع الجسم مقاومته فإن ذلك يؤدي إلى موت فوري. وهناك آثار سلبية عديدة للمخدرات على كافة جوانب الحياة وعلى صحة الشخص الذي يتعاطاها، ومن هذه التأثيرات حدوث العديد من الأعراض كفقدان الشهية والضعف وقلة النشاط ونقص المناعة، إضافة إلى تشنجات وصعوبة في لفظ الحروف وأيضا حدوث اضطرابات كالتهابات الجهاز التنفسي وتلف الكبد وتضخمه، وتعطيل الجهاز الهضمي، وحدوث التهابات في خلايا الدماغ العصبية والتأثير على الذاكرة والحواس الأخرى. كما يحدث تعاطي هذه السموم اضطرابا في ضربات القلب ويتسبب في عدم انتظامها، كما يؤثر على مشاعر المدمن، حيث إنه يتسبب في تقلب المزاج، ويجعل الفرد منطويا ومنعزلا ويدخل في حالة من الكآبة والحزن والعصبية ما يؤدي إلى العديد من الأمراض النفسية.

واستشعاراً من حزب التحرير لعظم المسؤولية وقوامته على المجتمع وحسه، وتفويت الفرصة على المؤامرات ومخططات الكافر ضد الأمة، فقد وجه خطابه المستمد من الإسلام العظيم، لأهل السودان، يوضح مكانتهم وعظم المسؤولية الواقعة على عاتقهم، ليأخذ المجتمع دوره في مكافحة المخدرات، حتى يتحول من حالة اللامبالاة إلى الحيوية وفق منهج الإسلام العظيم، ليدركوا ما هم عليه من نعمة الإسلام بمفاهيمه الراقية، والقادرة على محاربة هكذا ظاهرة، وليتطلعوا إلى ريادة العالم وإقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

فكانت المخاطبات الجماهيرية وأحاديث المساجد والزيارات للمسؤولين وإقامة الندوات في دور الشباب ومنابر الجمعة، وغيرها من الأساليب التي اكتسبها حزب التحرير عبر مسيرته العامرة بالأعمال الضخمة، ليمكن الأمة من إقامة دولتها التي هي قاب قوسين أو أدنى من قيامها. لقد تركت هذه الحملة أثراً كبيراً في نفوس الناس وأوضحت حقائق عظيمة لتشحذ همم العاملين المخلصين لنهضة الأمة، وأن لا يركنوا إلى الذين ظلموا، بل يسارعوا الخطا نحو مجد عظيم، فقد اتضح بما لا يدع مجالا للشك، أن الأمة الإسلامية هي أمة واحدة من دون الناس، وأنها تربت على عقيدة حية متى رسم لها طريق الحق أخذته دون شك، وقد تأكد من خلال هذه الأعمال بأن الأمة تبحث عمن يأخذ بيدها إلى الخلاص من شرور الفاسدين؛ الذين لم ينكروا ظاهرة المخدرات ولم يحركوا ساكنا فسقطوا في وحل الخيانة.

لقد أظهرت الحملة عظم المسؤولية الواقعة على حملة الدعوة بأن أمر الدعوة لا معين لهم إلا الإسلام العظيم، فالأصل دراسة الإسلام والإخلاص له، ليأخذوا بيد الأمة إلى بر الأمان. إن حملة المخدرات هذه أرست أمرا عظيماً هو مبدئية الحزب ومستوى التفكير العميق الذي من خلاله يستطيع أن يستنطق الأمة، ويعرف اتجاهها نحو القضايا وكيفية التعامل معها عند قيام الخلافة، وبأن معدن الأمة ما زال صافيا تجاه قيمها الإسلامية وقادرا على أن يكون سندا عظيماً.

إن هذه الحملة تركت بصمات للعاملين بأنهم يمتازون عن غيرهم باستجابتهم لنداء رب العالمين، قال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾، فالأصل أن لا يتركوا مكانا يبث فيه هذا الخير إلا وصلوه، ولا عمل يقرب الأمة من استئناف الحياة الإسلامية إلا سلكوه، حتى لا يكونوا من المقصرين كعوام المسلمين الذين ينتظرون الخير من الآخرين. نعم إن المسير طويل وأوشك الركب أن يسير بعلم الله لا بعلمنا، فقط العمل الذي يبرئ الذمة أمام الله هو إدراك حملة الدعوة للحق والركون عنه إثم، لأنه يعلم بأنه لا يوجد مخرج للأمة إلا بإقامة الخلافة، التي تحمي الأمة من شرور أعدائها الذين ما تركوا سبيلا لإفسادها إلا سلكوه. فحزب التحرير هو الذي يحمل المصباح لينير للأمة الطريق، فيا نعم العمل، قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾.

إن تعاظم المؤامرات ومخططات الكافرين يتطلب عملاً أسرع، وفق وتيرة المخططات ويتطلب شحذ همم الأمة للعمل مع الكتلة ليتناسب مع حجم المؤامرات حتى تفوت الفرصة على الأعداء. ثم إن الهزات المتكررة خير للأمة إذا استغلت استغلالا جيدا لصالحها؛ وذلك ببيان الحق ودحض الباطل. إن العمل في حقل الدعوة يحتاج إلى مثابرة وصبر عظيم، فلنجدد العزم والعزيمة ونستبشر خيرا بأن الأمة جاهزة، لقطف ثمار هذه الأعمال العظيمة، من كتلة واعية، جهزت نفسها لتتحمل المسؤولية كاملة، لتقود الناس إلى مواطن العزة والكرامة بإقامة دولة الخلافة الراشدة، قريبا بإذن الله تعالى.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الشيخ محمد السماني – ولاية السودان / نيالا

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر