نماذج عوجاء لأنظمة عرجاء لتضليل المسلمين وتشويه الإسلام  (من أردوغان إلى داعش)
October 16, 2018

نماذج عوجاء لأنظمة عرجاء لتضليل المسلمين وتشويه الإسلام (من أردوغان إلى داعش)

نماذج عوجاء لأنظمة عرجاء لتضليل المسلمين وتشويه الإسلام

(من أردوغان إلى داعش)

يستفحل الجهل، وتتوالى المصائب؛ عندما يستلم التّافهون مسؤوليّة الناس، سواء في العلم وبيان أحكام الشرع، أم في الحكم ورعاية الشّؤون؛ مصداقًا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال: "سيأتي على الناس سنوات خدّاعات يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصّادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرّويبضة، قيل: يا رسول الله وما الرّويبضة؟ قال: التّافه ينطق بأمر العامّة" أخرجه ابن ماجه في سننه، وأحمد في مسنده، والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة رضي الله عنه.

فالحديث يخبرنا بأن الرّويبضات سيكون لهم موطئ قدمٍ في رعاية الشّؤون، والحكم، والقول الفصل في اتّخاذ القرارات والنّطق باسم العامّة، ولكن كيف لهؤلاء التّافهون أن يصلوا إلى النّطق باسم العامّة؟! وكيف لهم أن يكونوا بمثل هذا المقام؟! وهل أوصلتهم الأمّة للنطق باسمها؟! وهل هي من أوكلت إليهم شؤون الحكم والرّعاية؟!... الجواب: قطعًا لا.

إنّ هؤلاء الرّويبضات تمّت صناعتهم وإيصالهم إلى ما هم عليه، والصّانع هو عدو الأمة، نعم فقد دأب الغرب منذ حوالي قرن على تنصيب هؤلاء الرّويبضات حكامًا على المسلمين، وصناعتهم كزعماء، فقد بدأ الإنجليز بصناعة مصطفى كمال – عليه من الله ما يستحق –  قائدًا للأمّة، وهو اليهودي الحاقد على الإسلام والمسلمين، وجعلوا المسلمين يمجّدونه ويمنحونه لقب الغازي، ويشبّهونه بالقائد خالد بن الوليد رضي الله عنه... وبعد أن استتبَّ له الأمر انقضّ على الإسلام بالقضاء على الخلافة، وطمس شريعته وفتك بأمّته.

ثم صنعت أميركا قائدًا جديدًا للأمّة وخاصةً للشّعوب العربيّة باسم القوميّة العربيّة، وهو جمال عبد الناصر، وقد أعطوه صورة القائد الأسطورة الذي لا مثيل له، الذي سيطرد الاستعمار، ويوحد الأمّة، وسوف يحرّر فلسطين والمقدسات، وإذا به كمصطفى كمال يحارب الإسلام ويفتك بالدّاعين إليه، ويُمكّن للاستعمار ويكرّس ثقافته وأنظمته في البلاد الإسلاميّة.

كما تهافتت الدّعوات البائدة، والدّخيلة على الأمّة كالاشتراكيّة، والقوميّة، والوطنيّة... ولكن، ولله الحمد، تمّ كشف الغطاء عن زعماء هذه الدّعوات، ولامست الأمّة نتائج الزّعامات المصطنعة، بعد أن عانت الأمّة في عهدهم من تقسيمٍ وتفتيتٍ للبلدان، ونهبٍ للثّروات، وضياعٍ للمقدّسات.

فبرز في الأمّة التّوجّه السّياسيّ الإسلاميّ الّذي صار له رأي عام ودور هام في قيادة الجماهير وتحريكها. وبعد بروز هذا التّوجه في الأمّة؛ لم تعد صناعة قادة الأمّة وحكّامها، من قبل الغرب، تنفع بنفس الأساليب والشّعارات التي نجح فيها الغرب سابقًا، عندما صنع مصطفى كمال وجمال عبد الناصر وغيرهما.

فالأمّة متعطّشةٌ لدينها وشريعة ربّها، تتوق لتطبيقه في أرض الواقع؛ تتوق لأن تنفكّ من الأنظمة المطبّقة عليها، والتي لا تنبثق عن عقيدتها، وخاصةً بعد أن اتّضح لها أنّ حكّامها ماهم إلّا دمًى بيد الغرب يحركها كيفما يشاء، وبعد أن تجلّت لها حقيقة الحرب العالميّة – التي تقودها أميركا – ضدّ ما يسمّى الإرهاب– التي تقصد بها حربها على الإسلام، نعم، إنّ الإرهاب الذي تقصده أميركا هو الإسلام الذي تخاف عودته.

 هذا، وبعد أن ظهر للأمّة أنّ سبب تخلّفها هو إهمالها لشرع ربّها، وبعد أن خرج في الأمّة من يعمل لإعادة الحكم بما أنزل الله، وصارت الدّعوة إلى تطبيق الشّريعة مطلبًا جماهيريًّا في الأمّة؛ عمل أعداء الأمّة وبالأخصّ أميركا على إخراج أنموذجين للأمة أحلاهما مرٌّ؛ وهما الأنموذج الأردوغانيّ، والأنموذج (الدّاعشيّ)؛ فعملت (داعش) على تشويه الدولة الإسلامية، وتشويه الإسلام، وإظهاره على أنّه دين قتلٍ، وذبحٍ، وإحراقٍ، وسبيٍ للنّساء.

لقد فتن هذا التّنظيم المسلمين في عقائدهم، ومن خالفه حتى في المعتقدات الظّنّيّة - أي متعلقات أركان العقيدة- قتلوه، ومن لم يبايعهم قتلوه، ومن رفض عنجهيّتهم وحكمهم الظّالم قتلوه، ومن لم يقاتل معهم قتلوه.

فتكالب أعداء الأّمة عليها؛ فاجتاحوا الدّيار، وقتلوا النّساء والأطفال، بحجّة قتال تنظيم الدولة الذي قام الغرب نفسه بصناعته لتشويه صورة الإسلام، وكأنّ الغرب يقول للمسلمين: هذا هو تطبيق الشريعة الذي تنادون به، وهذه هي دولة الإسلام التي تنشدونها؛ فماذا جنيتم من ورائها غير القتل، والّدمار، ودكٍّ للمدن بمساجدها، ومساكنها، لا فرق بين المدن القديمة، والحديثة، سواء في العراق أم في سوريا.

ولكن هيهات للأمّة أن تنخدع بمثل هذا التنظيم ودولته؛ فأفكار الإسلام متمكنة من نفوس أبناء الأمّة، وإن لم يعايشوا الدّولة الإسلاميّة التي تطبّق الإسلام بالكيفيّة اّلتي طبّقها محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدون، ومن بعدهم؛ إلّا أنّ أبناء الأمّة يدركون كيفيّة تطبيق الإسلام، وكيفيّة رعاية الشّؤون، لا سيما بعد أن ظهر في الأمّة من يعمل لنهضتها، بمبدأ الإسلام؛ فبيّن للأمّة أجهزة دولة الخلافة، وأنظمتها، وكيفيّة تطبيق هذه الأنظمة؛ فكانت الدّولة المنشودة متجسدةً في النّفوس والعقول... فأنّى لغرٍّ لم يفقه منها شيئًا أن يشوّهها؟!!.

أمّا الأنموذج الأردوغانيّ؛ فالمقصود منه تجربة تركيّا بقيادة رئيسها الحاليّ رجب طيّب أردوغان - رويبضة العصر وصنمه - هذا الأنموذج يُخيّل لعامّة النّاس أنّه يرفع الشّعارات والعبارات الإسلاميّة، ولم تكن هذه الشّعارات إلّا اسمًا برّاقًا ليخدع السطحيين بها؛ حيث يقوم هذا الأنموذج على أساس تحريف الإسلام كنظام حكمٍ، وتفريغه من مضمونه سياسيًّا واقتصاديًّا؛ لأنّه قائم على ركيزتين:

 الرّكيزة الأولى: تمييع الإسلام باسم التّحديث، وتفريغه من محتواه باسم الإسلام المعتدل (الديّمقراطي).

 أمّا الرّكيزة الثّانية: فهي أسلمة العلمانيّة، وإظهارها بمظهرٍ لا يتناقض مع الإسلام.

فقد صرّح أردوغان بمقابلةٍ صحفيّةٍ بشهر مارس من عامنا هذا بـ "إنّه من الضروري تحديث أحكام الإسلام، وإنّه لا يمكن تطبيق الإسلام بأحكامٍ صدرت قبل أربعة عشر قرنًا. تطبيق الإسلام يختلف بحسب الزمان، والمكان".

 هذا التّصريح منه لم يكن مفاجئًا، فهو يواصل ليله بنهاره، ويحشد قوّاته لقتال من يعتنقون الإسلام في الشّام، ويتركهم يموتون على حدود دولته من البرد والجوع والعطش. هذا إن لم يقتلهم رصاص قوات حرس الحدود التّركيّ.

لقد جعل أردوغان بتصريحه هذا؛ الأدلّة الشّرعيّة موسميّة تصلح لوقتٍ دون آخر، وقرأ الإسلام وأحكامه قراءةً جديدةً تتّفق والثّقافة الغربيّة الدّخيلة على الأمّة وقيمها، قراءةً لا تتعارض مع مصالح العمّ سام، وكأنّ الدّستور الّذي وضعه ربّ البشر للبشر قابلٌ للنّظر من جديد تحت ذريعة تغيّر الزمان، وهو في الوقت نفسه لا يجرؤ أن يغيّر في دستور وضعه الإنجليز على يد أتاتورك الذي تحكم به تركيا الآن. ويكأنّه لا يعلم بأنّ أحكام الإسلام ثابتةً لا تتغيّر، وليست بحاجة إلى تغييرٍ أو تبديلٍ؛ لأنها معالجات لمشاكل الإنسان، فهي تحمل صفة الديّمومة والشُّمول؛ فأحكام القرآن، والسّنّة النّبويّة الّتي حكمت الناس أربعة عشر قرنًا، تصلح لتحكمهم حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

من خلال هذا التّصريح وغيره نجد أنّ أردوغان يسعى دائمًا إلى أسلمة العلمانيّة الّتي كَوَت أهل تركيّا بنارها منذ عام 1924م، والّتي قضت بإلغاء مظاهر الدّين في جميع شؤون الحياة، وعدم قبولها للتّدين حتى على المستوى الفردي؛ فالعلمانيّة في حقيقتها اللّادينية مرادفةً للإلحاد؛ فهي تنكر الدّين مطلقًا، وعداوتها للإسلام مكشوفةً، وسافرةً؛ فقد اتخذها أهل تركيّا مع أصحابها عدوًا مبينًا. أما الآن فإن أميركا تريد أن تخرج عن طريق عميلها أردوغان؛ علمانيّةً أشدّ خبثًا وأكثر دهاءً... تريد أن تخرج علمانيّةً تتّخذ من الإسلام لبوسًا؛ تقبل بالمشاعر الإسلامية المتمثّلة بالسّلوك الإسلامي المتعلّق بحياة الفرد خارج مؤسّسات الدّولة... علمانيّةٌ تقبل التّدين الفردي فتترك متنفّسًا صغيرًا للأفراد للتّعبير عن مشاعرهم الإسلاميّة في شؤون حياتهم الفرديّة. أمّا في أنظمة الدّولة والمجتمع فهي كالعلمانيّة الصّرفة سواءٌ بسواء؛ فكلٌ من العلمانيتين - الإسلاميّة، والصّرفة - تؤلّه البشر، وتجعل الإنسان هو المشرّع الّذي يسنّ التّشريعات ويحلّل ويحرّم، وهذا الفهم يتناقض مع القرآن، قال تعالى مبيّنًا أنّ الله هو وحده المشرّع الّذي يحلّل ويحرّم: ﴿إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ .

هذا، ويمكن القول إنه قد تمّ إنتاج وصناعة النموذج الأردوغانيّ، وفق دراساتٍ أوصت بها مؤسّساتٌ ومراكز دراسات بحثيّةٍ متخصّصةٍ في شؤون الشّرق الأوسط من مثل مؤسّسة "راند"؛ والّتي أوصت معظم بحوثاتها بتشجيع الجماعات الإسلاميّة المعتدلة؛ الّتي تقبل بالنّظام الدّولي، وبطريقة العيش الغربية، كما أوصت الدراسات بإيصال هذه الجماعات إلى الحكم، بعد موافقتها على النظام الدّيمقراطيّ الذي يفصل الدين عن السياسة؛ فوجد الغرب في أردوغان وحزبه ضالّته؛ فأوصلوه إلى الحكم وهو يحمل شعار الإسلام؛ ليكون أنموذجًا ناجحًا لكل حركةٍ إسلاميّةٍ، تريد الوصول إلى الحكم، أو تريد أن توصل الإسلام إلى الحكم  بصبغةٍ ديمقراطيّةٍ في الحكم والتشريع، رأسماليةٍ في الاقتصاد والملكيّة وطرقها، إسلامٌ يقوم على أساس الحريّات العامّة الغربيّة في حقوق الإنسان والمرأة، وأطلقوا عليه الإسلام المعتدل، إسلامٌ مفرّغٌ من الإسلام محشوٌ بأفكار الكفر، إسلامٌ يجعل الحاكميّة للشعب، إسلامٌ يحظر تطبيق الشريعة كقانون ودستور، إسلامٌ يجعل الالتزام بأحكام الإسلام يقتصر فقط على المستوى الفردي؛ وذلك من باب المحافظة على الحريّات العامّة للأفراد، وليس لأنّها حكم الله في حقّهم. فهل يقال عن هذا الكفر الصريح إنه إسلام؟!.

إنّ المقياس الّذي يجب أن يقاس عليه حكم أردوغان؛ ليس النّمو الاقتصادي أو الرّفاهيّة الّتي حقّقها لشعبه، ولا التزامه الشّخصيّ أو القماش الذي تغطي به امرأته رأسها، بينما ساقاها مكشوفتان؛ ولا نقارنه بغيره من الرّويبضات المسلِّطون سياطهم على رقاب المسلمين، وإنّما يجب أن نقيسه بمقياس الشّرع. فأيّما حاكمٍ شديد الالتزام بأوامر الله ونواهيه في نفسه، في سلوكيّاته الشّخصيّة، ولكنه في الحكم لا يحكم بالشرع؛ فإنّ الله يتوعّد أمثاله شديد العذاب يوم الحساب، فتأمّل ما أولاه الله تعالى للحاكم من مسؤوليّات، وما توعّده إن فَرَّطَ فيها من حساب.

ولنا في قصّة نبيّ الله داود عليه السلام خير مثالٍ على ذلك؛ فعلى الرّغم من أنّه نبيّ –والنّبي خير العابدين لله صيامًا، وقيامًا، وذكرًا، وعملًا صالحًا– ﴿ وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلۡأَيۡدِۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ١٧ إِنَّا سَخَّرۡنَا ٱلۡجِبَالَ مَعَهُۥ يُسَبِّحۡنَ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِشۡرَاقِ ١٨ ﴾. ورغم أنّه النّبيّ الّذي قال فيه نبينا محمد ‏صلى الله عليه وسلم: «أحبّ الصّلاة إلى الله صلاة داود، وأحبّ الصّيام إلى الله صيام داود». ورغم أنّه النّبي داود المجاهد المقاتل المجهِّز للمجاهدين ﴿ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ﴾،﴿وَأَلَنَّا لَهُ ٱلۡحَدِيدَ ١٠ أَنِ ٱعۡمَلۡ سَٰبِغَٰتٖ وَقَدِّرۡ فِي ٱلسَّرۡدِۖ﴾.. ورغم أنهّ صاحب الصّوت الرّخيم في التّسبيح حيث تقف الطّير في السّماء من جمال صوته... حيث قال النّبيّ محمّدٍ ‏لصاحب الصّوت الشّجيّ في قراءة القرآن: «لقد أوتيت مزمارًا من مزامير داود»... رغم كلّ هذه الأمور العظيمة في شخص النّبيّ داود عليه السّلام، لكن لمـَّا جعلَهُ اللهُ خليفةً حاكمًا، وولّاه الحكم، وسدّته، ومنصب الرئيس... هدّده الله وتوعّده إن لم يحكم بالحق (بالشّرع) فسوف يعذّبه عذابًا شديدًا، ولا قيمة لكلّ سلوكيّاته الشّخصيةّ الصّالحة، وأنّه إن لم يحكم بالحقّ فإنهّ سيكون ضلّ عن سبيل الله، ونسي يوم الحساب؛ فقال له سبحانه وتعالى: ﴿ وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلۡأَيۡدِۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ١٧ إِنَّا سَخَّرۡنَا ٱلۡجِبَالَ مَعَهُۥ يُسَبِّحۡنَ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِشۡرَاقِ ١٨ وَٱلطَّيۡرَ مَحۡشُورَةٗۖ كُلّٞ لَّهُۥٓ أَوَّابٞ ١٩ وَشَدَدۡنَا مُلۡكَهُۥ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحِكۡمَةَ وَفَصۡلَ ٱلۡخِطَابِ ٢٠﴾. إلى أن قال تعالى: ﴿ يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا نَسُواْ يَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ ٢٦ ﴾، فبمجرّد أن لا يحكم بالحقّ الذي أُنزل عليه، يكون قد اتّبع الهوى، وضلّ عن سبيل الله، فله عذابٌ شديد، ويكون قد نسي يوم الحساب، فهذه طامّة تحلّ بمن لا يحكم بالحقّ الذي أنزل، وإن كان في الأخلاق والورع على مستوى شخصه ما كان!

لذلك فالمقياس والعبرة ليست في أن يكون الرّئيس ناجحًا في رفع مستوى اقتصاد بلده على أساس النّظام الرّأسمالي، ولا أن يكون إداريًا ناجحًا فتكون يده نظيفة، ولا أن يكون للإسلام دورٌ هامشيّ في إدارته، بل العبرة بأن يحكم بما أنزل الله، وإلّا فهو كما وصف ربّ العالمين سبحانه وتعالى من لم يحكم بما أنزل الله، إما أن يكون كافرًا أو ظالمِا أو فاسقًا.

إن الله سبحانه وتعالى عندما أمر نبيه بالحكم بما أنزل الله، أمره بالحكم بكل ما أنزل الله؛ لأن ما تفيد العموم، وحذره في الوقت نفسه من أن يفتنه الكفار عن بعض ما أنزله إليه، ولو كان حكمًا واحدًا، فقال سبحانه: ﴿وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعۡضِ ذُنُوبِهِمۡۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ ٤٩ أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ٥٠. فكيف بأردوغان الذي يترك الحكم بالإسلام جملة، ويستبدله بأحكام الكفر جملة. وحقيقة المشكلة ليست في أردوغان، وإنما فيمن يتولَّونه، أو سيتولَّونه، على هذه الحال التي هو عليها من الفهم الأعوج غير المستقيم على منهاج النبوة، فهؤلاء على فهم أردوغان الأعوج، وهو منهم يستمد قدرته على إنجاح مهمته في الفتنة عن الدين.

إنّ مثل الاقتصاديّ النّاجح الذي يفعل أيّ شيء لتنمية اقتصاد بلده، وإن كان مساومة جورج بوش ليشارك في حرب أميركا على العراق ويسمح بتنزيل 62 ألف مقاتل أميركي على أراضيه... وإنّ من يساوم على قضيّة فلسطين، فيقيم أخطر العلاقات الدّبلوماسية الطّبيعية والتّبادل التّجاريّ والاستخباري الّذي يزداد سنة بعد سنة، مع كيان يهود، ولا يتأثّر بأيّ حروبٍ ضد الأمّة من كيان يهود... وإن من يسمح للرّوس والأميركان باستعمال إنجرليك لضرب المسلمين في الشّام، ومن يؤجّر أراضي بلده لليهود يستثمرونها، ومن يسمح بالمراقص ودور الدّعارة، وأن يروّج الشّاذ والزّانية لتجارتهما في الشوارع التي فتحها محمد الفاتح... فإنّ مثله كمثل مُرابٍ نمَّى كلّ ثروته من الربا، وحين جرت مقارنته بتاجر مخدّرات، قيل هو أفضل من ذلك التّاجر! على الأقلّ لا يتاجر بالمخدّرات... فلا مشكلة، ولو قارناه بتاجر مخدّرات فهو أفضل منه!

نعم، فمقاييس أمّتنا الإسلامية أرفع وأدقّ من هذا، مقياسنا هو شرع الله، وحين نقيس حاكمًا علمانيًّا مثل أردوغان يروّج صباح مساء للعلمانيّة، فمثل هذا الشّخص في مقياس الشّرع هو شخصٌ ساقط لا قيمة له!

وفي الختام فلا أنموذج (داعش)، ولا أنموذج أردوغان يحلّ مشاكل المسلمين، وإنّما المخرج الوحيد للمسلمين، وسائر البشر في العالم هو أن يطبّق عليهم النّظام الّذي شرعه خالقهم، فهو وحده الذي يعلم ما يصلح شؤون حياتهم. قال تعالى: ﴿أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ ١٤وهو النّظام الوحيد الصّحيح والمخرج للبشريّة من ظلم الرأسماليّة وظلمات العلمانيّة الّتي لا تنتهي مشاكلها، والطّريق الوحيد الموصل لهذا المخرج؛ هو العمل مع العاملين لإقامة الخلافة الرّاشدة الثّانية على منهاج النّبوّة –بقيادة حزب التّحرير– التي تُحلّ بها جميع المشاكل حلًا جذريًا؛ فيسود العالم الأمن، والأمان، والهدوء، والسعادة، والاطمئنان.

قال الله سبحانه: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡ‍ٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٥٥. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها... ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت» رواه البزار والطبراني ورجاله ثقات.

بقلم: الأستاذ حجري سعيد – ولاية اليمن

المصدر: مجلة الوعي – العدد 385 – صفر 1440هـ / تشرين الأول 2018م

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر