September 16, 2017

نسوا أمر بيسلان، فهل سيتذكرون ميانمار! روسيا تستغل المسيرات لمصالحها الخاصة، وليس لمصلحة مسلمي ميانمار

نسوا أمر بيسلان، فهل سيتذكرون ميانمار!

روسيا تستغل المسيرات لمصالحها الخاصة، وليس لمصلحة مسلمي ميانمار

(مترجم)

في 3 أيلول/سبتمبر، ذكرت وكالة أنباء (ريا نوفوستي) أنه "تم تنظيم وقفات احتجاجية بشأن ما قامت به القوات الحكومية في ميانمار ضد مسلمي الروهينجا أمام سفارة ميانمار في موسكو. ففي شارع (بولشايا نيكتسكايا) تجمع مئات الأشخاص أمام سفارة ميانمار لدعم مسلمي الروهينجا الذين لقوا حتفهم خلال المجازر. وتولى ضباط تنفيذ القانون ورجال الحراسة واجبهم في موقع التجمع، وتم وضع الحواجز على الأرصفة. فسياراتهم كانت من بداية شارع (نيكيتسكي) تقريباً إلى نهاية شارع (بولشايا نيكيتسكايا)".

في الواقع، الأمر شديد الغرابة لكنه حقيقي، فعلى الرغم من كراهية الكرملين الشديدة وعداوته للإسلام والمسلمين، إلا أنه سمح لمسيرة غير مرخصة للمسلمين في موسكو في 3 أيلول/سبتمبر لدعم إخوانهم في الدين في ميانمار الذين ببساطة عذبوا جسدياً بموافقة ضمنية من المجتمع العالمي الملحد.

فوجئ الجميع بسلوك رجال الشرطة، وهو أمر غير معتاد لمثل هذا الوضع. فعلى الرغم من أن المسيرة لم تكن مرخصة، فلم يجبر أحدٌ المسلمين المتجمعين على التفرق. ولم تسر الشرطة إلا على أرصفة الشارع على جانبي الطريق ولم تسمح للحشد بالخروج على الطريق حيث لم تكن هناك اشتباكات بين الشرطة والمتظاهرين، بالرغم من أننا كنا نرى في الماضي أن أي نوع من هذه التجمعات غير المسموح بها كان يتم تفريقها بالعصي ويتم القبض على الجميع ونقلهم إلى أقرب مراكز للشرطة.

وعلاوة على ذلك، تخللت المظاهرة نداءات مختلفة من الحشود، والتي يمكن للسلطات الروسية أن تصفها بأنها دعوة (للتطرف والإرهاب). حيث كان يقال "تكبير" ويرد الحشد: "الله أكبر!". وفي مقابلة مع الصحفيين، أفادوا بأن بعض المسلمين كانوا يقولون بتعاطف: "إذا لم تحل المشكلة، أقسم بالله، سنقوم بالجهاد". "إن الخروج على القانون يحدث في الأرض! نحن هنا لنبين أننا غير راضين - فالأطفال يقتلون وتقتل النساء ويقتل كبار السن - هناك إبادة جماعية!"؛ "لقد جئنا هنا لدعم إخواننا المسلمين، وليس فقط نحن، ولكن جميع دول العالم يجب أن يحتشدوا هنا، نريد أن يصل هذا إلى بوتين! إن الأوراق لا تحل شيئا! وآمل أن يرى هذه الحشود". وكانت هناك اتهامات أيضا بعدم اتخاذ إجراء وإخفاء ما يحدث في ميانمار، واتهامات ضد ممثل الزعماء الدينيين والروحيين للمسلمين في روسيا.

وفي اليوم نفسه في (ماخاشكالا - داغستان) تم عقد مسيرة غير مسموح بها للتضامن مع المسلمين في ميانمار، تجمع فيها حوالي ألف وخمسمائة شخص. وقد سار المسلمون من المدينة في الشوارع وهم يهتفون "الله أكبر". وفي الرابع من أيلول/سبتمبر، نظمت مسيرة للتضامن مع المسلمين في ميانمار في غروزني في الشيشان. وذكرت وزارة الشيشان بأن 1.1 مليون شخص شاركوا في المسيرة.

ووفقا للكرملين، شكلت هذه الحشود مفاجأة كبيرة لهم، ولكن الشرطة ردت بهدوء على ما يحدث، وذلك بأنها لم تتفاعل على الإطلاق، كما أن وسائل الإعلام صامتة، وبدأت تظهر بعض الأسئلة والشكوك.

نحن لا نتحدث عن خطاب رئيس الجمهورية الشيشانية (رمضان قديروف) على (الإنستغرام)؛ الذي أعرب فيه عن عدم موافقته على سياسة الكرملين بخصوص حق النقض (الفيتو) في الأمم المتحدة الذي فرض على قضية مسلمي ميانمار. وأطلق قديروف على البوذيين اسم (الشياطين) وحث على سبّهم. وقال قديروف "حتى لو دعمت روسيا هؤلاء الشياطين الذين يرتكبون هذه الجرائم، فإنني ضد موقف روسيا، ولدي رؤيتي الخاصة وموقفي الخاص".

وبعد هذه التصريحات الصاخبة التي قالها (رمضان قديروف)، وهذه المسيرات غير المسموح بها سواء في موسكو أو في مدن أخرى من روسيا، فإن السلطة في الكرملين والتي هي في حرب ضد الإسلام والمسلمين؛ قد تجاهلت ببساطة ما حدث!! هذا لا يمكن أن يكون حقيقيا! على الأرجح هناك شيء مختلف وراء هذا! ويهدف هذا العمل لتشتيت انتباه سكان العاصمة والمسلمين في البلاد عما يحدث من أحداث أخرى. ولم تتزامن هذه المسيرات مع العديد من الأحداث.

أولا: في 21 آب/أغسطس، تلقى مكتب العمدة طلبا من المعارضة لتنظيم تجمع ومسيرة في 3 أيلول/سبتمبر بهدف الإعراب عن موقف موسكو تجاه السياسة في مجال تخطيط المدن والأنشطة المجتمعية والمالية والأنشطة المتعلقة بالميزانية. وقد ذكرت ذلك (إيلينا رومانوفا) وهي السكرتيرة الصحفية بوزارة الأمن الروسية حيث قالت: "كان هناك طلب للموافقة على التجمع لمسيرة في 3 أيلول/سبتمبر. والمنظمون هم: ديفيديس سيرغي، بونوماريف ليف، سوكولوف سيرجي، شنايدر ميخائيل. والعدد المعلن عنه من المشاركين يصل إلى 10 آلاف شخص"، قد فشل تنظيم هذه المسيرة، وتم نسيان الأمر ببساطة.

ثانياً: في 3 أيلول/سبتمبر في موسكو بالقرب من النصب التذكاري لضحايا المأساة في بيسلان، كان هناك حفل لوضع أكاليل من الزهور ونشاط "مسيرة صامتة". واسمحوا لي أن أذكركم بأنه في 1 أيلول/سبتمبر 2004، استولى المسلحون على المدرسة رقم 1 في بيسلان بأوسيتيا الشمالية، حيث احتجزوا أكثر من 1200 تلميذ ومدرس كرهائن هناك لمدة ثلاثة أيام. في 3 أيلول/سبتمبر، قررت السلطات اقتحام المدرسة. وفي الهجوم، قتل 334 شخصاً، منهم 186 طفلاً.

ولم يكن هناك تحقيق نزيه في الأحداث المأساوية التي وقعت في بيسلان. وأجبر الشهود على إغلاق أفواههم. غير أن منظمة "أمهات بيسلان" على الرغم من الاضطهاد والتهديد من السلطات قد طالبت باستمرار التحقيق وبمعاقبة مرتكبي هذه المأساة. وفي نيسان/أبريل 2017، أمرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان السلطات الروسية بدفع ثلاثة ملايين يورو لأقارب القتلى والمصابين في الهجوم الإرهابي الذي وقع في بيسلان. وقررت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن السلطات الروسية فشلت في تحمل المسؤولية بمنع أي تهديد محتمل للحياة البشرية ولم تخطط للهجوم للحد من خطر احتجاز الرهائن. وهذه المسيرة التي تقام في موسكو ومدن روسية أخرى كل عام بهدف تذكير السلطات الروسية بجرائمها؛ قد نسيت هي أيضاً.

وهكذا، من جهة، نرى كيف أن سلطات الكرملين استخدمت المسيرات لتحقيق مصالحها الخاصة، وليس لتحقيق مصلحة مسلمي ميانمار. ومن خلال سماح سلطات الكرملين بوجود مسيرات غير مرخصة؛ فإنها بذلك سمحت لمسلمي روسيا بتنفيس مشاعرهم في هذه الأعمال العفوية، وبالتالي أجبر الكل على نسيان الأحداث المهمة الأخرى التي تجري في البلاد. إذا كانت السلطات في الكرملين أو (رمضان قديروف) يشعرون بالقلق حول مصير المسلمين في ميانمار، فلماذا يمتلكون مثل هذه السلطة والقوة ويجلسون ولا يفعلون شيئاً؟! أرسلوا جيوشكم لمساعدة المسلمين في ميانمار!!! لا، إنها لن تفعل ذلك!!!

من ناحية أخرى، نرى أن المسلمين في روسيا لا يشعرون بالراحة بل هم منشغلون بما يجري لإخوانهم على الجانب الآخر من العالم. كما قال النبي محمد e: «تَرَى المُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، كَمَثَلِ الجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى» رواه البخاري ومسلم.

وهذا يؤكد مرة أخرى أن الأمة الإسلامية ما زالت على قيد الحياة، وأنها ببساطة تفتقر إلى وجهة النظر السياسية الصحيحة المبنية على أساس الإسلام. فالأمة الإسلامية تفتقر إلى التفكير السياسي الذي لن يسمح بخداع المسلمين مهما تنوعت الحيل التي يستخدمها المستعمرون الكفار وعبيدهم وهم حكامنا الخائنون المسلطون على رقابنا. إن النظرة السياسية الإسلامية الصحيحة هي وحدها التي ستسمح للأمة باستعادة ماضيها المجيد، لأنها كانت تحت حكم الخلفاء المخلصين؛ وذلك كان في ظل الخلافة. وهذا الرأي السياسي الإسلامي الصحيح يبينه حزب التحرير من خلال كتبه وعمله من أجل إقامة دولة الخلافة الثانية على منهاج النبوة، التي بها يمكننا إنقاذ المسلمين في ميانمار وغيرها من البلاد من القتل والاضطهاد.

أعاننا الله!

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

إلدر خمزين

عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر