نظرة شرعية إلى فصل الدين عن الدولة
September 20, 2020

نظرة شرعية إلى فصل الدين عن الدولة

نظرة شرعية إلى فصل الدين عن الدولة

إن الغرب المتغول على العالم وعلى بلاد المسلمين على وجه الخصوص، أصبح يطالب بكل وقاحة وبوجه سافر المسلمين أن يفصلوا دينهم عن حياتهم، وبالتالي قطع صلتهم بالله سبحانه، وأوكل هذه المهمة إلى حفنة من المضبوعين بفكره المنحرف ونمط عيشه لإنفاذ هذه الجريمة.

لا يوجد بعد نزول الإسلام دين صحيح سواه ليتعبد به الإنسان ربه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وبما أن العلمانية تعني فصل الدين عن الحياة وبالتالي عن الدولة فهي تعني بوضوح إذاً فصل الإسلام عن الحياة.

ففكرة فصل الدين عن الحياة تناقض الإسلام عقيدة وشريعة، فالحياة والكون والإنسان لها علاقة لا تنفصل عمّا قبلها وهو الله تعالى، وعمّا بعدها وهو يوم القيامة، وهذا جوهر العقيدة الإسلامية. فالحياة التي ينادى بفصلها عن الدين لها صلة بالله غير قابلة عقدياً للفصل لأنها علاقة خلق وإيجاد من عدم، وهنا تبرز أهمية الفكر المستنير الذي يجعل صاحبه يتعمق في وجود الله الخالق المدبر فيؤمن به ويأتمر بأمره. والإنسان في هذه الحياة الدنيا مقيد بأوامر الله ونواهيه وهذه هي صلة الحياة بما قبلها، أي الله، فكيف يكون الفصل بينهما بالنسبة للمسلم؟! وكذلك الإنسان مقيد بالمحاسبة على اتباع الأوامر واجتناب النواهي، وهذه هي صلة الحياة بما بعدها وهو يوم القيامة، فكيف يكون الفصل بين الحياة ويوم القيامة؟!

وعليه يجب على المسلم أن يسير كل أعماله في جميع مناحي الحياة بنظام الله لينال رضاه جلّ وعلا. فكيف يفصل المسلم دينه عن حياته والله يقول: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؟! فعباداتنا وذبائحنا كلها، وحياتنا أي كل الأعمال التي تقوم في الحياة، وإشباع غرائزنا وحاجاتنا العضوية تُسير وفق شرع الله وكذلك تعالج مشاكل حياتنا بالإسلام، وأما العلمانيون ومن شايعهم بجهل من أبناء المسلمين فكأن لسان حالهم يقول قسمنا هذه الآية نصفين بين الله والبشر (قل إن صلاتي ونسكي لله رب العالمين، أما محياي ومماتي كعلماني للبشر)! أي على شاكلة قول الكفار (دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر) وتلك إذاً قسمة ضيزى والعياذ بالله!!

فالأمة الإسلامية لن ترضى بفصل الدين عن الدولة لأن الإسلام قد تمكن من وجدانها وقلبها وإن انحرفت الأنظمة التي تحكمها وضلت وتخلت عن الإسلام كدولة عملياً.

فالإسلام دين ومنه الدولة وله نظام شامل للحياة ينظم جميع العلاقات وكل مناحي الحياة؛ فنجده قد نظم علاقة الإنسان بخالقه بأحكام العقائد والعبادات، وجاء بأحكام شرعية نظمت الحياة الاجتماعية تنظيماً دقيقاً كأحكام الزواج والطلاق والإرث بأدلة قطعية الثبوت قطعية الدلالة، وهذه الناحية ظلت سائرة على أساس الإسلام رغم إبعاد أحكامه عن النواحي الأخرى، ولذلك في الآونة الأخيرة تم استهدافها بقوة، وعليه نرى الآن كثرة السهام الموجهة إليها من الكفار وأذنابهم العلمانيين ليفسدوا علاقة الطهر والعفاف بين المرأة والرجل وتحويلها إلى علاقة انحلال وميوعة وعهر، فيا ويل قوم مؤمنين يرضون بفصل دينهم عن حياتهم ويخضعون لأحكام البشر بدل أحكام اللطيف الخبير. وكما جاء الإسلام بأحكام شرعية تنظم الحياة السياسية كتنصيب الحاكم وشكل الدولة ونظام الحكم فيها، وعلاقة الحاكم بالرعية، وحدد حقوق وواجبات الحاكم تجاه الرعية وحقوق وواجبات الرعية تجاه الحاكم، ثم أمر الحاكم بأن يحكم بين الناس بالإسلام لا غير، وألزم الأمة طاعته إن أقام ذلك، قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾، وقال في حق طاعته: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، والحاكم يجب أن يحكم بين الناس بالعدل والإنصاف، وهذا لا يتحقق إلا بالحكم بما أنزل الله ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.

وبالمختصر المفيد إن الإسلام شمل بأحكامه التشريعية جميع مناحي الحياة، ولم يترك أي مجال أو فراغ لنملأه بأحكام وضعية فاسدة مفسدة، فلا مكان إذاً لتشريعات البشر في علاقاتنا وحياتنا، وليس للمسلم خيار في هذا كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً﴾.

ومن حيث تنفيذ هذه الأحكام الشاملة وتطبيق المبدأ الإسلامي عقيدة ونظام حياة فقسم منه يقوم به المسلمون أفراداً في حياتهم بدافع تقوى الله كالعقائد والعبادات وغيرها، ويقام بذلك في ظل وجود الدولة أو عدم وجودها، وقسم أعظم من الإسلام لا يتم تطبيقه إلا بالدولة الإسلامية التي تضع أحكام الإسلام موضع التطبيق كإقامة الحدود وتنظيم المعاملات والجهاد وأحكام الرعاية وتعيين الولاة والعلاقات الخارجية وغيرها، فكيف تقام هذه الأحكام الشرعية المتعلقة بالدولة إذا فصلنا الدين عن الدولة وهي أحكام نتعبد بها لله كأحكام العبادات سواءاً بسواء، ونحن لسنا يهوداً أو نصارى نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض، فترك قطع يد السارق أو استبدال حكم آخر به من عند البشر كترك الصلاة، فالحكمان هما أحكام من الله الواحد.

إن فكرة فصل الدين عن الحياة هي عقيدة المبدأ الرأسمالي الفاسد التي انبثقت عنها أنظمته الجائرة، وقد نشأت هذه الفكرة في ظرف تاريخي عصيب بالنسبة للغرب وذلك أن القياصرة والملوك في أوروبا وروسيا كانوا يتخذون رجال الدين مطية لقهر الناس. فنشأ عن هذا الظلم صراع عنيف قاده فلاسفة ومفكرون منهم من أنكر الدين ومنهم من اعترف به ونادى بفصله عن الحياة، وأخيراً استقر الرأي على فكرة فصل الدين عن الحياة ونتج عن ذلك طبيعياً فصل الدين عن الدولة والسياسة، فكانت هذه الفكرة حلاً وسطاً منحرفاً بين طرفي الصراع وحددت وجهة نظرهم في الحياة وعلى أساسها يعالجون مشاكلهم ويدعون العالم لاعتناق هذه العقيدة، فهذا الصراع كان مبرراً للظلم الماحق الذي وقع على الناس باسم الحق الإلهي المزعوم، وسبب هذا الظلم هو أن الدولة التي كانت تحكمهم دولة إلهية بادعائهم وليست دولة بشرية يحاسب فيها الحكام وينصحون، والسبب الثاني هو أن الدين النصراني الذي طالب أهله بفصله عن حياتهم دين محرف ولا يملك أي نظام للحياة، وعليه كانت تدار شؤونهم بأهواء القياصرة والملوك وما يسمى برجال الدين.

أما هذا الصراع بهذا الشكل فلم يوجد عند المسلمين على مدار تاريخ وجود دولتهم الإسلامية التي حكمت الناس بالإسلام في عالم مترامي الأطراف وقد أحسنت رعاية شؤونهم وبسطت بينهم العدل والإنصاف والأمان، لذلك لم يوجد سبب أو مبرر لنشوب مثل هذا الصراع والثورة ضد الإسلام، هذا الدين الحق، والمطالبة بفصله عن دولته الراعية العادلة، لأن الدولة الإسلامية هي دولة بشرية وليست دينية إلهية كما كان عند الغرب، وخليفتها ليس فوق المساءلة والمحاسبة والنصح.

والأمر الثاني الذي جعل الإسلام ناجحاً في رعاية شؤون الناس هو أنه دين له نظام شامل لديه القدرة على معالجة جميع القضايا وحل جميع المشاكل إلى قيام الساعة.

وعليه فإن فكرة فصل الدين عن الحياة دخيلة على الأمة الإسلامية والأداة في ذلك هم العلمانيون عملاء الغرب الذين انبهرت عيونهم بلهيب ناره الحارقة، بعد أن أعدهم كأدوات طيّعة تحمل مبدأه وحضارته إلى بلاد المسلمين، وعبر هؤلاء الخونة نجح في تصدير أفكاره إلى الأمة كفكرة فصل الدين عن الحياة والدولة وحقوق المرأة وغيرهما.

أما عن ثورة أهل السودان التي أسقطت النظام البائد ورجالاته فقد اندلعت من أجل رفع الظلم بجميع أشكاله عن كاهلهم وطلباً وطمعاً في حياة كريمة، ولم نر في شعاراتهم ولم نسمع من بين مطالبهم فصل الدين عن الدولة، ولكن العلمانين والفاسدين فكراً وأبواق وأدوات العدو الذين تسلقوا الثورة وسرقوها انتهزوا الفرصة وبأمر دبر بليل بأوكار الغرب في بلادنا (سفارات الغرب الكافر) وصوروا للبسطاء والثائرين أن فساد النظام البائد ناتج عن تطبيقه للإسلام السياسي مع أن القاصي والداني ومن يعرف أ، ب،ت في الفقه الإسلامي يعلمون أنه لا علاقة له بالإسلام البتة ولكنهم قصدوا التضليل بهذه الكذبة ليسوقوا لفصل الدين عن الدولة.

إن الموقف الشرعي الواجب على كل مسلم تجاه المطالبة بفصل الدين عن الدولة هو الإنكار والرفض الشديد والعمل على تغييره بالقلب والقول والفعل، والوقوف بصلابة بوجه المنادين بذلك، ولا بد كذلك أن نبين للناس بكل الطرق والوسائل الممكنة حرمة وخطورة هذه الدعوة الفاجرة، وما يريد الكفار وأدواتهم الخائنة من وراء هذه الفكرة إلا طمس هوية الأمة وسلبها عامل قوتها الأول ألا وهو الإسلام ممثلاً في عقيدته وشريعته وإحسان تطبيقه من دولته الإسلامية التي هي طريقته العملية لتطبيقه وتنفيذه في واقع الحياة، ونقول لهؤلاء الخائنين: هيهات أن تمرروا هذه الجريمة على أمةٍ العقيدة الإسلامية هي الروح التي تجري في جسدها والأحكام الشرعية هي الهواء الذي تتنفسه.

إن الطريقة العملية والجادة لإيقاف هذه الجريمة وإفشال كل مشاريع الغرب التي يسعى لإنفاذها في بلادنا هي التغيير الجذري بالعمل السياسي الذي يقدم الإسلام كمشروع عملي بكل تجلياته السياسية والاقتصادية وغيرهما دون إغفال أي جانب باتجاه دولة الخلافة التي تجعل العقيدة الإسلامية هي أساس الدولة وأساس الدستور والقوانين والنظم... وبهذا نكون قد توصلنا للدواء الشافي ألا وهو إعادة المسلمين إلى العيش عيشاً إسلامياً في دار إسلام وفي مجتمع إسلامي تسيطر عليه الأفكار والمشاعر الإسلامية وتكون جميع شؤون الحياة مسيرة وفق الأحكام الشرعية في ظل دولة إسلامية والتي هي دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة العائدة قريباً بإذن الله تعالى.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

النذير مختار عبد الله – إمام وخطيب مسجد الهدى (حلة خوجلي)

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر