نظرة شرعية لميزانية السودان لسنة 2018م
February 06, 2018

نظرة شرعية لميزانية السودان لسنة 2018م

نظرة شرعية لميزانية السودان لسنة 2018م

إن الدول الديمقراطية تضع ميزانية عامة للدولة كل سنة، وواقع هذه الميزانية هو أنها تصدر على شكل قانون اسمه قانون الميزانية لسنة كذا مثلاً. يصادق عليه البرلمان، ويسنه قانوناً بعد مناقشته ومناقشة فصول الميزانية فصلاً فصلاً، والمبالغ التي يتضمنها كل فصل. ويعتبر كل فصل كلاً لا يتجزأ، يجري التصويت عليه ككل لا على جزء منه، فيقبله البرلمان أو يرفضه جملة، وإن كان عند المناقشة، له أن يناقش كل جزء من أجزائه وكل مبلغ من المبالغ التي يشتمل عليها. وقانون الميزانية يكون مؤلفاً من بضع مواد، منها مادة توضع لتبين المبلغ الذي يرصد لنفقات الدولة خلال السنة المالية، التي وضعت لها الميزانية، وتوضع مادة لتبين المبلغ الذي تخمن إيرادات الدولة به خلال السنة المالية التي وضعت لها الميزانية، وتوضع مواد لرصد مصروفات لبعض المؤسسات، كما توضع مواد لتخمين واردات بعض المؤسسات، وتوضع مواد لإعطاء وزير المالية بعض الصلاحيات، وتوضع في كل مادة إشارة إلى جدول، يتضمن أبواب الميزانية لما تتضمنه المادة، سواء أكانت للواردات أم للمصروفات، ثم توضع في كل جدول مفرداته، أي الفصول التي يتضمنها الباب، ثم يوضع في كل فصل المبالغ الإجمالية لمفردات الفصل جميعها. وعلى هذا الأساس توضع الميزانية كل سنة مع بعض اختلافات فرعية، في بعض السنين حسب الوقائع المختلفة، أو مع بعض اختلافات فرعية بين الدول حسب الوقائع المختلفة.

لقد أجيزت (ميزانية 2018م) الأحد 2017/12/24م وتم تنفيذ الرؤية الديمقراطية الرأسمالية بكل حذافيرها وبأبشع صورها، ولم تبن على أساس عقيدتنا الإسلامية بالطبع، ولنأخذ بعض الإجراءات المصاحبة لها:

أولاً: الإيرادات: بحسب ما أوردته صحيفة الصيحة السودانية الاثنين 2017/12م25م عدد (1178) أودع وزير المالية محمد عثمان الركابي منضدة المجلس الوطني مشروع الموازنة العامة للدولة 2018م بحجم كلي بلغ (173،1) مليار جنيه بلغت الإيرادات الضريبية وغير الضريبية والمنح والإيرادات الأخرى (116،9) مليار جنيه، في حين بلغت المصروفات الجارية (127،2) مليار جنيه بنسبة 68% وبلغ العجز الكلي المتوقع في الميزانية (28،4) مليار جنيه بنسب 2،4% من الناتج الإجمالي. تفصيلاً:

1/ بلغت الإيرادات الضريبية أي الجبايات (108،8) مليار جنيه أي ما يعادل 63%. بينما قدرت القروض الخارجية، والاستدانة من الجمهور، ومن النظام المصرفي بـ(55.3) مليار جنيه بنسبة 32% من إجمالي الوارد.

2/ بلغت إيرادات الأصول غير المالية (600) مليون جنيه بنسب 0،3% والأصول المالية (343) مليون جنيه بنسبة 0،2%.

3/ المنح تقدر بـ(8.1) مليار جنيه.

4/ تخفيض الرسم الإضافي على العربات (التاكسي) من 150% إلى 130% وألغت الوزارة ضريبة القيمة المضافة على وجبات الأطفال ومرضى السكر.

5/ زيادة تبغ الشيشة من 150% إلى 230% وتخفيض على التبغ المصنع للسجاير من 150% إلى 40% وزيادة الرسم الإضافي على معسلات التبغ والتمباك من 150% إلى 230%.

6/ تخفيض الرسم الإضافي للأحذية من 30% إلى 10% والأدوات الصحية بورسلين من 40% إلى 20%.

هناك أمر مهم وهو ما يتعلق بسعر الصرف، هذا ما أعرب عنه وزير المالية الركابي حيث قال (أبرز التحديات التي تواجه الميزانية هو عدم استقرار سعر الصرف. وجاء في الميزانية زيادة سعر الدولار الجمركي من 6.9 جنيه إلى 18 جنيها، ما يترتب عليه استيراد السلع الأساسية وعلى رأسها القمح. فقفز سعر جوال الدقيق زنة 50 كيلو إلى 300%، من 170جنيها للجوال إلى 440 جنيها.

أكد علي صلاح، الأمين العام للغرف القومية قائلاً: نسبة لزيادة الدولار الجمركي في ميزانية 2018م ستزيد الجمارك بنسبة 141% في حال إلغاء ضريبة التنمية. وتزيد الأسعار بنسبة 155% وفقاً لضريبة القيمة المضافة، مستشهداً بأن كيلو العدس سوف يزيد سعره بنسبة 225%، وكيلو الأرز بنسبة 169%، واعتبر المشكلة في سياسات بنك السودان المتعلقة بشراء الذهب وزيادة الرسوم الجمركية. وأوضح أن السلع المستوردة، والمستوردين لن يتأثروا بالزيادات، بل الذي يتأثر هو (المواطن). (الصيحة عدد 1178).

هذا يعني اعتماد الميزانية على الضرائب المباشرة وغير المباشرة التي حرمها الشرع سواء أكانت مكوساً؛ ضرائب جمارك أم ضريبة قيمة مضافة. والتي تؤثر في السلع مباشرة وتزيدها، وتزيد الفقر، تنفيذا لتوصيات صندوق النقد الدولي. والجدير بالذكر أن صندوق النقد الدولي دعا الحكومة إلى تحرير سعر صرف الجنيه وخفض دعم الطاقة والقمح من أجل تعزيز النمو وزيادة الاستثمار.

وقد دلت الأدلة على حرمة هذه الضرائب منها قوله ﷺ: «لاَ يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، إِلاَّ بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» رواه مسلم، وعن معقل بن يسار رضي الله عنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ دَخَلَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَسْعَارِ الْمُسْلِمِينَ لِيُغْلِيَهُ عَلَيْهِمْ فَإِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يُقْعِدَهُ بِعُظْمٍ مِنْ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» قَالَ: أَأَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: نَعَمْ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلا مَرَّتَيْنِ. رواه أحمد.

ثانياً: المصروفات:

1- الاستمرار في الإنفاق البذخي على ما يسمى بحكومة الوفاق الوطني، فقد أوجدت وظائف لا تكاد تحصى من وزير ووزير دولة ووكلاء وزارات ومساعدي رئيس الجمهورية واستحداث منصب مجلس وزراء وغيره.

2- فقد بلغ الصرف على الأمن، ووزارة الدفاع، والدعم السريع في الميزانية (23.495.313) مليار جنيه بنسبة 16.37%، منها (4.170) مليار جنيه للدعم السريع، و(4.654) لجهاز الأمن، و(11.507) لوزارة الدفاع.

3- في حين بلغ الصرف على كل من:

أ- الصحة مبلغ (2،505) مليار جنيه بنسبة 2،02%.

ب- الزراعة مبلغ (2.339) مليار جنيه بنسبة 2%.

ج- التعليم مبلغ (4.548) مليار جنيه بنسبة 3،65%.

4- بلغ الصرف على الأجهزة التشريعية، والتنفيذية القومية، بما فيها المجلس الوطني، ومجلس الولايات، (2.400) مليار جنيه. ووزارة الداخلية (6.484) مليار جنيه وبلغ الصرف على مستشفيات جهاز الأمن والمخابرات (135) مليون جنيه.

5- الالتزام بسداد الديون الخارجية التي بلغت أكثر من 54 مليار دولار والقروض الربوية من صندوق النقد الدولي، وهذا يعني أن تجبى الأموال بهذه الطريقة المحرمة لتدفع في تكلفة القروض الربوية، التي تكون حرباً على الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾[البقرة: 278-279].

هذه بعض الإجراءات المصاحبة لميزانية 2018م:

أ/ يلاحظ في الإنفاق أن الدولة ليست مسئولة عن الفقراء، إذ إن الضرائب والجمارك في الإيرادات بلغت 68% من الإيرادات العامة، وكلها يتحملها أهل البلد، وهي مسئولة عن العاملين في دواوينها على غرار النظام الرأسمالي الجائر.

ب/ وكذلك يلاحظ أن هناك عجزاً كبيراً في الميزانية، حيث بلغ 28.4 مليار جنيه. وقد قال الوزير بأنه سيتم تمويل هذا العجز بالاستدانة من النظام المصرفي والجمهور واستقطاب تحويلات المغتربين والقروض الخارجية، هذا يعني أيضا على الحلول الرأسمالية التي لا تعرف حلالاً ولا حراماً، بل تتعامل بالباطل لتنفيذ أغراضها، فهذه الحلول لتمويل العجز أيضاً تعني الأخذ بالربا والذي أدناه هو أشد عند الله من ستة وثلاثين زنية، قال رسول الله ﷺ: «دِرْهَمٌ رِبًا يَأْكُلُهُ الرَّجُلُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَشَدُّ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلاثِينَ زَنْيَةً». أو الاستدانة من البنك المركزي، وهو التمويل بالعجز مما يؤدي إلى تخفيض العملة وغلاء الأسعار المؤدي للفقر حتماً.

هذه بعض الجرائم والفظائع التي تقوم عليها ميزانية 2018 لجعلها النظام الرأسمالي أساساً، وليس الإسلام.

فالمخرج منها هو جعل الإسلام أساساً، بجعل الدولة بكل أنظمتها على أساس الإسلام كما أوجب ديننا. فالدولة الإسلامية لا توضع لها ميزانية سنوية، حتى يحتاج الأمر سنوياً إلى سن قانون لها. ولا تعرض على مجلس الأمة، ولا يؤخذ فيها رأي منه. وذلك لأن الميزانية في النظام الديمقراطي قانون في أبوابها وفصولها، والمبالغ التي تتضمنها، وهو قانون لسنة واحدة، أي يحدث فيه التغيير السنة التي تليه، والقانون عندهم إنما يسنُه البرلمان. ولذلك يحتاج الأمر إلى عرضها على مجلس البرلمان، وهذا كله لا تحتاج إليه الدولة الإسلامية، لأن واردات بيت المال تصل بحسب الأحكام الشرعية المنصوص عليها.

مثلاً واردات بيت المال: واردات بيت المال الدائمة هي: الفيء، والغنائم، والأنفال، والخراج، والجزية، وواردات الملكية العامة بأنواعها، وواردات أملاك الدولة، والعشور، وخمس الركاز، والمعدن، وأموال الزكاة. إلاّ أن أموال الزكاة توضع في حرز خاص بها من بيت المال، ولا تصرف إلاّ للأصناف الثمانية الذين ذكروا في القرآن، ولا يجوز أن يصرف منها شيء لغير الأصناف الثمانية، سواء أكان من شؤون الدولة، أم من شؤون الأمّة. إلاّ أنه يجوز للإمام صرفها على رأيه واجتهاده، لمن يشاء من الأصناف الثمانية. فله أن يعطيها لصنف منهم أو أكثر، وله أن يعطيها لهم جميعاً. وكذلك واردات أموال الملكيات العامة، فإنها توضع في مكان خاص في بيت المال، ولا تخلط بغيرها، لأنّها مملوكة لجميع المسلمين، يصرفها الخليفة وفق ما يراه مصلحة للمسلمين حسب رأيه واجتهاده، ضمن أحكام الشرع.

وكذلك تصرف بحسب الأحكام الشرعية المنصوص عليها. وهي كلها أحكام شرعية دائمية. فلا مجال للرأي في أبواب الواردات، ولا في أبواب النفقات مطلقاً، وإنما هي أبواب دائمية قررتها أحكام شرعية دائمية. هذا من ناحية أبواب الميزانية. أما من ناحية فصولها، والمبالغ التي يتضمنها كل فصل فإن ذلك كله موكول لرأي الخليفة واجتهاده، لأنه من رعاية الشؤون التي جعلها الشرع للخليفة يقرر فيما يراه، وأمره واجب التنفيذ. وتصرّفات الرسول ﷺ في الغنائم تبيّن أن أمرها موكول إلى رأي الإمام، يتصرف فيها بما يراه محققاً لمصلحة الإسلام، والمسلمين. فقد روى أبو عبيد عن طريق حبيب بن مسلمة أن الرسول ﷺ نفل من الغنيمة الثلث، كما نفل منها الربع بعد الخمس. كذلك روى أبو عبيد عن أبي أمامة عن عبادة بن الصامت قال: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَفَّلَنَا فِي بَدْأَتِهِ الرُّبُعَ، وَحِينَ قَفَلْنَا الثُّلُثَ»، كما نفل سلب القتيل لقاتله. روى مسلم عن أبي قتادة أن رسول الله ﷺ قال يوم حنين: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ». وذكر ابن إسحاق في السيرة أن الرسول ﷺ قسم غنائم بني النضير على المهاجرين دون الأنصار، إلاّ سهل بن حنيف، وأبا دجانة، فقد أعطاهما لفقرهما. وقد علل الله هذا الإعطاء في سورة الحشر بقوله: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: 7]. وهذا ما فعله عمر بن الخطاب أيضاً وعمل به في أرض السواد في العراق، وفي أرض الشام، وأرض مصر، عندما سأله بلال وصحبه قسمة ما أفاء الله عليهم من العراق والشام. حيث قال: «وقد رأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها، وأضع عليهم فيها الخراج، وفي رقابهم الجزية، يؤدّونها فتكون فيئاً للمسلمين، المقاتلة، والذريّة، ولمن يأتي بعدهم» رواه أبو يوسف في الخراج.

فالواجب العمل لإقامتها خلافة راشدة على منهاج النبوة يطبق فيها الإسلام ومنه النظام الاقتصادي. هذا هو المخرج الوحيد، فلا يصلح أمر المسلمين اليوم إلا بما صلح به أوله... خلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الفاتح عبد الله إسماعيل – السودان/ الدخينات

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر