قبرص أرض إسلامية
September 23, 2010

قبرص أرض إسلامية

أدرك المسلمون منذ وقت مبكر أهمية جزيرة قبرص في غزواتهم وفتوحاتهم فجهَّز الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه أسطولاً إسلامياً كبيراً لفتحها شارك فيه كبار الصحابة ومنهم عبادة بن الصامت رضي الله عنه وأم حرام بنت ملحان رضي الله عنها والتي توفيت ودفنت في الجزيرة.

وسقطت الجزيرة عدة مرات بأيدي الفرنجة وكانت في كل مرة تُتخذ كقاعدة عدوانية لشن الهجمات المتكررة على السواحل الشامية والمصرية كما حصل مع ريتشارد قلب الأسد الذي استخدمها كقاعدة متقدمة للانقضاض على بلاد الشام، وكانت تُتخذ أيضاً كقاعدة تجميع لعودة جنود الفرنجة إلى موطنهم في أوروبا.

فتحها السلطان المملوكي الأشرف برسباي بعد أن قام الروم فيها بالاعتداء على قوافل التجارة والحجيج في العام 829هـ. ثم عاد الإفرنجيون وسيطروا عليها، فقام العثمانيون في العام 978هـ وفتحوها وضموها إلى الدولة العثمانية التي استمرت في السيطرة عليها لمدة ثلاثة قرون متتالية.

لقد بقيت قبرص جزيرة إسلامية تحت يد المسلمين من ايام الخليفة عثمان بن عفان في القرن الأول الهجري إلى ايام الخليفة العثماني عبد الحميد في القرن الثاني عشر الهجري. فوجود المسلمين فيها هو الاصل وليس وجود اليونانيين. وهي بلد إسلامي وبلد المسلمين الاتراك، واليونانيون فيها انما يعتبرون ذميين وليسوا اصحاب السيادة عليها.

وفي عام 1296هـ (1879م) وفي ظل الضعف الشديد للدولة العثمانية التي كانت منهمكة في حرب ضروس مع الروس، استطاع رأس الكفر الإنجليز بخطة خبيثة استئجار الجزيرة بذريعة الحاجة إليها مؤقتاً مقابل مبالغ مالية تدفع للدولة العثمانية. وأقامت بريطانيا في الجزيرة أكبر قواعدها العسكرية في العالم خارج الأراضي البريطانية، وأصبحت الجزيرة منذ ذلك التاريخ مؤلفة من ثلاثة كيانات: كيان يوناني، وكيان تركي، وكيان بريطاني.

وفي عام 1915م استغلت بريطانيا ضعف الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى فقامت بإلحاق قبرص بإمبراطوريتها، وبعد أن سقطت دولة الخلافة العثمانية وهَبَ عملاء الإنجليز في الجمهورية التركية قبرص لبريطانيا بصورة رسمية قانونية من خلال معاهدة لوزان التي أبرمت عام 1925م، وبعد الحرب العالمية الثانية بدأت أمريكا تزاحم بريطانيا محاولة فرض سيطرتها على جزيرة قبرص، ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن والقوى السياسية في قبرص تتنقَّل بين أمريكا وبريطانيا، وما الأحداث والتقلبات السياسية في تلك الجزيرة إلا نتاج لهذه المزاحمة.

ان قضية قبرص اليوم هي صراع بين الانجليز والامريكان وليست نزاعا بين تركيا واليونان فامريكا تريد اخراج بريطانيا من قبرص وازالة القاعدة العسكرية التي لهم فيها وبريطانيا تريد الاحتفاظ بالقاعدة العسكرية، ففي عام 1958م اشعلت أمريكا الثورة في قبرص ضد الانجليز عن طريق اثارة اليونانيين وجعلهم يطلبون الانضمام الى اليونان واتت أمريكا بعميلها جريفاس ليتزعم الثورة وبالفعل قام اليونانيون يقاتلون الانجليز لاخراجهم من الجزيرة وضمها إلى اليونان. فما كان من بريطانيا الا ان دفعت عميلها المخلص المطران مكاريوس ليتزعم الثورة ضد الانجليز وحمل على الانجليز حتى نفوه إلى سيشل ثم دفعت صديقها عدنان مندريس رئيس وزراء تركيا السابق ليجعل الاتراك القبارصة يعارضون الانضمام الى اليونان وبذلك توصلت الى ضرب خطة أمريكا والاحتفاظ بقاعدتها في قبرص عن طريق اعطاء الجزيرة استقلالها.

وفي عام 1960م منحت بريطانيا الاستقلال للجزيرة تحت ضغط أمريكي، فأقامت فيها نظاما سياسيا طائفيا هشا، ووضعت على رأسه المطران مكاريوس. ثم اشتد الصراع الأمريكي البريطاني على قبرص فحاولت أمريكا التدخل فيها لإخراج الإنجليز من قواعدهم العسكرية في الجزيرة والحلول مكانهم، إلا أن بريطانيا أشعلت نار الفتنة في الجزيرة، واستمرت الحرب الأهلية لمدة عشر سنوات راح ضحيتها سبعون ألف قبرصي تركي مسلم، الأمر الذي استدعى تركيا للقيام بتدخل عسكري، حيث نزل الجيش التركي في شمال الجزيرة في العام 1974م. وتم بذلك التدخل تقسيم الجزيرة فعلياً إلى قسمين: أحدهما في الجنوب وهو الأكبر والأكثر غنى تحت سيطرة اليونانيين، والآخر في الشمال تحت سيطرة الأتراك الذين أعلنوا عن قيام جمهورية قبرص التركية فيه ولم تعترف بها أية دولة في العالم سوى تركيا، وفُرض عليها الحصار.

ثم أعادت أمريكا الكرة ثانية وحاولت التدخل عدة مرات في الجزيرة، لكنها فشلت في تحقيق أهدافها بسبب السياسة الإنجليزية الخبيثة التي أوجدت صراعاً مزمناً بين الأتراك واليونانيين، وأقحمت الاتحاد الأوروبي في ذلك الصراع، الأمر الذي ميَّع القضية، ورسَّخ الوجود العسكري البريطاني في الجزيرة.

يقول سردار دنكطاش وزير الخارجية القبرصي التركي: "لا أحد يجرؤ على بحث ملف القواعد البريطانية في الجزيرة لأنه يعلم أنه إذا ما فعل ذلك فإنه سيخسر دعم بريطانيا بل وسيكسب عداوتها وعداوة من معها في أوروبا"، وأضاف: "بريطانيا تعلم جيداً أنه في حال التوصل إلى حل للقضية القبرصية وفي حال مصالحتنا مع القبارصة اليونان فإنها ستواجه متاعب كثيرة لأننا قد نفتح ملف الوجود العسكري البريطاني في الجزيرة وأنا كمواطن هنا لا أتمتع بما يتمتع به البريطانيون وقواعدهم من سيادة عليها".

ثم حاولت أمريكا الرمي بآخر سهامها في القضية القبرصية من خلال المبادرة التي اقترحها الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان والتي تقضي بتوحيد شطري الجزيرة التركي واليوناني، لكن المفاجأة هذه المرة جاءت من اليونانيين الذين رفضوا المبادرة بأغلبية كاسحة في العام 2004م تقارب الـ 75%. والسبب في رفض اليونانيين للمبادرة أن الاتحاد الأوروبي اعترف بهم كدولة شرعية لجزيرة قبرص وضمهم إلى الاتحاد، ولم يشترط عليهم حل القضية القبرصية أولاً أو قبول الحل الذي قدَّمه كوفي عنان، ولم يعاقبهم لأنهم لم يتجاوبوا مع إرادة المجتمع الدولي والأمم المتحدة.

فخطة كوفي عنان بدت لهم بعد احتضان الأوروبيين لهم بمثابة تقديم تنازل للأتراك بلا ثمن، وبمعنى آخر كانت خطة عنان تعني بالنسبة لهم أن يتنازلوا عن جمهوريتهم القبرصية اليونانية الناجحة والمزدهرة لتشكيل جمهورية مشتركة مع القبارصة الأتراك المسلمين، يتقاسمون معهم السيادة والثروة. فكان الخيار الطبيعي أن يرفضوا ذلك طالما أنهم يمثلون بمفردهم قانونياً الجزيرة برمتها.

لقد بلغ الناتج القومي للشطر اليوناني بعد انضمامه إلى الاتحاد الأوروبي 4.9 مليار دولار أمريكي بمعدل 12500 دولار أمريكي للفرد الواحد، وأصبح الاقتصاد القبرصي من أفضل اقتصاديات الدول العشرة التي انضمت للاتحاد الأوروبي في عام 2004م، بينما يعاني الشطر التركي في الجزيرة من حصار خانق، ومن أحوال معيشية مزرية، ومن بطالة وفقر وتخلف.

ولقد طالب رؤوف دنكطاش زعيم القبارصة الأتراك الدول الكبرى، والمجتمع الدولي، ومنظمة المؤتمر الإسلامي برفع الحصار عن شمال قبرص وخاصة بعد قبول القبارصة الأتراك لخطة كوفي عنان، لكنه تلقى وعوداً بتخفيف الحصار من تلك الجهات لم تتحقق. وعوَّل دنكطاش على حكام العرب والمسلمين لكي يوازنوا كفة الأتراك المرجوحة في مواجهة دعم الأوروبيين للقبارصة اليونانيين لكنه وجد أن هؤلاء مثلهم مثل غيرهم في مساندة الشطر اليوناني من الجزيرة، ولا يريدون الاعتراف ولا التعامل مع الشطر التركي كعادتهم في دعم أعداء الأمة والسير وفقاً لمخططات الدول الكبرى.

وأما الدولة التركية، فإن تلهفها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي منذ أكثر من أربعين عاماً أفقدها هيبتها ووزنها، وأفقد معها أي أمل للقبارصة الأتراك في تحسين أوضاع الشطر التركي السياسية والاقتصادية، وأصبح الأوروبيون يتمادون على الأتراك ويشترطون عليهم أن يعترفوا مسبقاً بقبرص اليونانية كممثل رسمي للجزيرة القبرصية برمتها قبل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

وفي 21 أيلول 2005م صدر إعلان أوروبي يؤكد على أن "الاعتراف بجميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي عنصر أساسي في عملية انضمام تركيا إلى الاتحاد"، وهذا يعني إلزام الاتحاد الأوروبي لتركيا بالاعتراف بقبرص اليونانية ممثلة لشطري قبرص قبل الدخول في الاتحاد الأوروبي.

لقد وصل الاستخفاف بتركيا إلى درجة أن قبرص اليونانية أصبحت تملك الحق في عرقلة بدء مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي باعتبارها دولة عضو في الاتحاد. وقد أعلن المتحدث باسم الرئاسة النمساوية للاتحاد الأوروبي نيكولا دونيغ في 12/6/2006م "أن القبارصة اليونانيين لا يزالون يرفضون التراجع ولو لخطوة واحدة" وذلك في إشارة إلى رفض بدء المفاوضات لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. وبهذه الطريقة استطاع الإنجليز الخبثاء تحويل القضية القبرصية إلى قضية أوروبية داخلية بحتة، واستطاعوا رفع أيدي الآخرين عنها لا سيما الأيدي الأمريكية.

وهكذا نجد أن قضية قبرص قد ضاعت أولاً بين بريطانيا وأمريكا أي بين الأوروبيين والأمريكيين، وأن المسلمين الأتراك في الجزيرة هم الخاسر الأكبر في هذا الصراع، وأن الدولة التركية أصبح وضعها مهزوزاً جداً بسبب هذه القضية، وقد أمعن الأوروبيون في ازدرائها واحتقارها، واستغلوا في ذلك تهافتها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. بينما تحسَّن وضع القبارصة اليونانيون وأصبحوا يتمتعون بمستويات معيشية عليا، وباستقرار غير مسبوق، غير عابئين بما يعانيه جيرانهم الأتراك، لأن المجتمع الدولي بات يعترف بهم كممثلين شرعيين لجزيرة قبرص بكاملها، في حين أن الأتراك المسلمين ظلوا يعيشون مضيَّعين على هامش الجزيرة، منبوذين، محاصرين، فقراء، يستجدون العالم ليتمكنوا من مجرد الحصول على حق العيش إن استطاعوا، وإن لم يتمكنوا من ذلك فليس أمامهم إلا الهجرة هائمين على وجوههم في تركيا والعالم. وأما بريطانيا فإنها نجحت في الاحتفاظ بأكبر قواعدها العسكرية خارج الأراضي البريطانية في الجزيرة، بينما تركيا انتهجت سبيل التوسل للأوروبيين كأسلوب مُزْرٍ لتتمكن من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي الذي يفرض عليها شروطاً قاسية ليس أقلها التخلي عن جزيرة قبرص لليونانيين، أو التخلي نهائياً عن الإسلام بشتى مظاهره.

إن الحل الوحيد الجذري والصحيح لمشكلة قبرص الذي ينقذ قبرص وينقذ الأتراك المسلمين فيها هو توحيد شطري الجزيرة تحت سيادة الدولة الإسلامية، وإعادة الجزيرة إلى دار الإسلام، وتطبيق الأحكام الإسلامية عليها، وطرد النفوذ اليوناني والإنجليزي والأوروبي منها كلياً، لتعود جزيرة إسلامية خالصة.

إعداد ابو إياس

المزيد من القسم سياسة

يا علماء الأزهر: الشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار!!

ذكرت جريدة اليوم السابع في 26/10/2015م، أنها حصلت على نسخة من تقرير مهم لمرصد الأزهر الشريف أكد فيه "أن التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة "جائزة"، ما دامت ليست من قبيل الاستعانة بالمشركين على المسلمين طلبا لخذلان المسلمين، كما ذكر أن من مقاصد الشريعة عمارة الكون ولتحقيقها تمت الاستعانة بهم في نواح عديدة، منها الإدارية والصناعية والكتابية والقتالية وغيرها، واستدل بأن الرسول r استعان حينما هاجر إلى المدينة برجل مشرك ليدله على الطريق، وكان له غلام يهودي يخدمه بالمدينة، ولما قدم إلى المدينة كتب معاهدة بين المسلمين واليهود جاء فيها: (وأن بينهم النصر على من داهم يثرب)، ولما توجه رسول الله إلى مكة عام الحديبية ووصل إلى ذي الحليفة أرسل عينا له من خزاعة يأتيه بخبر قريش، وكان ذلك الرجل مشركا"، ليختم قائلا: "أما التحالف مع غير المسلم في مواجهة جماعة متطرفة تهدد أمن المجتمعات وسلامتها فعلينا هنا أن نفرق بين من يستعين بالمشركين على المسلمين طالبا خذلان المسلمين، قاصدًا هدم دولتهم، هادفًا إلى إضعاف شوكة الإسلام، كارها مبغضا لهذا الدين وأهله، فهذه الحالة نهى عنها ربنا تبارك وتعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وبين من يفعل ذلك ردا لعدوان فئة باغية لا يستطيع رد عدوانها وحده، مع احتفاظه بسيادة دين الإسلام في بلده ظاهرا غالبا، فلا مانع له أن يستعين بغير المسلمين تحقيقا لمصالح المسلمين؛ ولضرورة أمن المجتمع وسلامته".

من الواضح جدا أن الوضع في الشام يلقي بظلاله على المنطقة كلها، وأن هناك ترتيباً وتحضيرات لكي تصبح مصر مخلبا من مخالب أمريكا في الشام بإدخالها إلى حلبة الصراع كما فعلت في ليبيا من قبل، كجزء من حلف أمريكا في حربها الصليبية الجديدة بعد أن أوشكت روسيا على الفشل، وحتى لا يغضب أبناء الكنانة لتحرك جيشهم تجاه إخوانهم في الشام، ويكون هناك مبرر لقمع من يظهر الغضب منهم، فلا بد من مبرر قوي وفتوى شرعية لخداع أهل الكنانة وأبنائهم في الجيش حتى لا يؤرقهم فيما بعد تلوث أيديهم بدم إخوانهم في بلاد الشام، وبدلا من أن يصدر مرصد الأزهر وعلماء الكنانة بيانا وفتاوى تحرم تلك التحالفات على أبناء الأمة وتجرم الدخول فيها، وتبين وجوب نصرة أهل الشام وأهل فلسطين وغيرهم ورد كيد أعداء الأمة من أمريكا ويهود والغرب الكافر، أصدر المرصد تقريرا أجاز فيه التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة، ما دامت ليست من قبيل خذلان المسلمين، وكأن قتل المسلمين ليس خذلانا لهم أو أنه قد أصبح أحد مقاصد الشريعة، ولا ندري من أين أتى المرصد بهذه الفتوى وما دليله عليها؟! ولا عن أي شريعة وأي مقاصد يتحدث؛ فمقاصد الشرع تحفظ النفس المسلمة لا تقتلها بتحالف مع عدو الله ورسوله وعدو الأمة، والمعلوم من قول رسول الله r «إنا لا نستضيء بنار المشركين» ورده على المشرك الذي لحق بالجيش «إنا لا نستعين بمشرك»، أما الاستعانة في الأمور الإدارية فلم يرد تحريمها، وهي تختلف جملة وتفصيلا عن الاستعانة في القتال فضلا عن قتال المسلمين، والأصل فيها الإباحة ولا يجوز قياسها على قتال أهل البغي من المسلمين بأي حال من الأحوال، فهي ليست من الأمور الإدارية وإنما هي أحكام شرعية لأفعال الأصل فيها التقيد بأحكام الشرع المستنبطة من أدلتها، وما أتى به النص الصريح هنا في قتال طائفتين من المؤمنين ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّه﴾ فالأصل في قتال طائفتين من المؤمنين أن نعمل على الإصلاح بينهما ثم يقاتل المسلمون، والمسلمون فقط دون غيرهم، الفئة الباغية طالما بقيت على بغيها حتى تعود عنه، ولا يجوز لهم أن يستعينوا بكافر على إخوانهم بعدوهم أبدا، فكما في الصحيحين «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وحتى نفصل في الفتوى يجب أن نستعرض واقع الأمة اليوم؛ حيث لا وجود لدولة إسلامية بالمفهوم الشرعي بل كلها بلاد إسلامية يسكنها مسلمون، يحكمها حكام ضرار مغتصبو سلطة وضعهم الغرب الكافر على رؤوس البلاد والعباد لرعاية مصالحه ولقهر الأمة واستعباد شعوبها للغرب الكافر، وكل من حاول الانعتاق من التبعية والتملص من ربقة الغرب يتسلطون عليه بسلاح ثمنه من أموال وأقوات الأمة واصفين كل من حاول الانعتاق بكل أوصاف التطرف والإرهاب والخروج.

وهنا مع هذا الواقع يكون واجب الأمة خلع هؤلاء الحكام وتنصيب خليفة واحد تكون رئاسته عامة لجميع المسلمين ويحصل الحكم ببيعة شرعية صحيحة ويحكم الأمة بالإسلام كاملا شاملا غير منقوص، ويكون له وحده حق تبني الأحكام الشرعية وسنها دستورا وقوانين، بهذا فقط يكون لدينا دولة إسلامية من حقها وحدها قتال البغاة والخارجين، أما هؤلاء الحكام وعلماؤهم وعملاؤهم فهم مغتصبون لسلطان الأمة محاربون لله ورسوله وأوليائه، وهم آخر من يقيم للإسلام وأحكامه وزنا أو احتراما في بلادنا ولا علاقة لهم لا بالشرع ولا بمقاصده، وأول من يدرك ذلك هم العلماء قبل عوام الناس من أهل الكنانة وغيرها، فلا يجوز لهم أن يبرروا ويشرعنوا خياناتهم في تجارة بالإسلام واستغلال واضح لجهل الناس بأحكامه لصالح حكام السوء ومن خلفهم الغرب الكافر عدو الإسلام والمسلمين، والذي يبررون الآن التحالف معه لوأد ثورة الأمة في الشام وغيرها، في محاولة يائسة لمنع عودة الخلافة على منهاج النبوة والتي أصبح نجمها يعلو في الأمة بعمومها والشام خاصة، والتي فضحت العملاء وعلماء السوء وأبت إلا أن تكشف كل متلون مخادع، ولن يبقى ثابتا إلا من يستحقون بحق أن يكونوا كأمثال الصحابة وأن تقام على أكتافهم دولة خلافة على منهاج النبوة يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض.

يا علماء الأزهر الكرام وأحفاد العز بن عبد السلام سلطان العلماء، لا تكونوا أكثر الخاسرين فتبيعوا دينكم بدنيا غيركم، ولن ينفعكم حكام السوء أو يغنوا عنكم من الله شيئا، فكونوا مع الحق الذي تعلمون وطالبوا أهل مصر الكنانة وجيشها بخلع حكام السوء وإعلانها خلافة على منهاج النبوة، ونصرة أهل الشام وفلسطين وسائر المستضعفين من أبناء الأمة، فهذا دوركم ودورهم، فأنتم ورثة الأنبياء وهم جند الله ورسوله ودرع الأمة وحماة الإسلام فحرضوهم على نصرة الله ورسوله تفوزوا وإياهم ويكون لكم وللكنانة السبق في ركب الجنة.

يا أهل الكنانة وعلماءها وجيشها، يا من كنتم للإسلام درعا وحصنا وكان للإسلام بكم عزٌّ ومنعة من للإسلام، إن لم يكن أنتم من ينتصر لحرمات المسلمات غيركم من يحرر الأقصى دونكم، إن الأقصى والشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار وخلف عدو من أعداء الله ولخدمة الغرب الكافر ولفرض نفوذه ومخططاته ومنع عودة الحياة الإسلامية من خلال خلافة على منهاج النبوة، وإنما تنتظركم أنتم جند صلاح الدين تحت راية رسول الله r، تنتظركم ناصرين فاتحين محررين كما عهد بكم، تنتظركم بأسا شديدا على أعداء الله ورسوله وعزا لدينه ومددا لأنصاره، واعلموا أن نصر الله قادم لا محالة، فليكن بأيديكم أنتم وليكن لكم السبق للفردوس الأعلى مع أنصار الأمس فإنها الجنة، والأيام القادمة أيام فاصلة فانحازوا فيها لما يحب الله ويرضى وانصروا إخوانكم في حزب التحرير واحملوا معهم مشروع الأمة المنبثق عن عقيدتها خلافة على منهاج النبوة تنهي التبعية للغرب الكافر وتعيد عز الإسلام وأهله وتعيد بلادنا سيدة الدنيا كما كانت، اللهم اجعله قريبا واجعله بأيدينا.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله عبد الرحمن

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

نعمة الأمن والأمان في الأردن

نتغنى في الأردن بالأمن والأمان، وإذا ما تكلم بعضنا بوجوب نصرة الشام والأقصى رد علينا آخرون بقولهم أنتم تريدون إشاعة الفوضى في البلد والقضاء على الأمن والأمان، ألا ترون ما حدث لأهل سوريا ومصر وليبيا واليمن وغيرهم؟

أقول لمثل هؤلاء: إن نعمة الأمن والأمان والرخاء الاقتصادي كان يتنعم بها أهل مكة، فقد آمنهم الله من الجوع والخوف بينما كانت القبائل من حولهم يغير بعضها على بعض فيقع فيهم القتل والأسر، قال تعالى مذكرا إياهم أنهم كانوا في أمان بينما غيرهم يعيش في خوف ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ فماذا حدث لأهل مكة؟ هل استمر الأمن والأمان؟ هل حافظوا على نعمة الأمن والأمان؟ قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾.

أطعمهم من جوع: أمان اقتصادي... كانت خيرات الجزيرة العربية والشام واليمن تجبى إليهم في رحلتين سنويتين، رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام، وآمنهم من خوف: كانت القبائل تسعى إلى ودِّهم لأنهم أهل الحرم،كما أن الرحلة في الصحراء إلى اليمن جنوبا والشام شمالا دليل على الأمن الذي تنعَّم به تجار مكة.

ولما بعث رسول الله r إليهم طلب منهم أن يحافظوا على هذه النعمة، كيف؟

اسمعوا قوله تعالى ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ

إذن المحافظة على الأمن والأمان تكون بطاعة الله عز وجل، وتنفيذ أوامره سبحانه في الحياة العامة، في الحكم والاقتصاد والاجتماع والتعليم والسياسة الخارجية، وليس الاقتصار على تنفيذ أمر الله في العبادات والأخلاق والمطعومات والملبوسات فقط، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ أي نفذوا أحكام الإسلام كلها، فلا يجوز أن نقصر الإسلام على جزء منه ونترك الباقي خوفا من أمريكا وأوروبا وغيرهما من دول العالم.

فحتى نحافظ على الأمن والأمان يجب تغيير الدستور إلى دستور إسلامي وتغيير النظام الحاكم من نظام علماني إلى نظام إسلامي، وأن تسترد الأمة سلطانها وتختار حاكمها لتبايعه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله r... وفي ذلك تحقيق لعبادة رب البيت.

وأما عصيان الله وإعلان الحرب على أحكامه الشرعية فهو خسران الأمن والأمان، والحكم بغير ما أنزل الله خروج عن طاعة رب البيت، والتنسيق مع روسيا في حربها على المسلمين في الشام خروج عن طاعة رب البيت، والمشاركة في التحالف الصليبي خروج عن طاعة رب البيت، وإباحة الربا باسم الحرية الاقتصادية، وإباحة التعري والسفور والاختلاط والمثلية الجنسية باسم الحرية الشخصية خروج عن طاعة رب البيت، وترك قطعان يهود يمارسون عربدتهم في الأقصى خروج عن طاعة رب البيت، وتأييد نتنياهو في تركيب كاميرات التجسس خروج عن طاعة رب البيت، وخذلان أهل سوريا وتركهم لبشار وروسيا وإيران وحزبها في لبنان خروج عن طاعة رب البيت، وإرسال الجيش الأردني ليحارب المسلمين بدلا من توجيههم لمحاربة يهود وتحرير الأقصى وفلسطين منهم هو خروج عن طاعة رب البيت...

أهل مكة رفضوا دعوة الله فخسروا الأمن والأمان.

انقسم المجتمع إلى مؤمنين وكافرين... أصبح الأخ يعادي أخاه والابن يعادي أباه والزوجة تعادي زوجها والعبد يعادي سيده. عصا العبيد أسيادهم، وعصا الشعب حكامه، وسموا زعيمهم أبا الحكم بأبي جهل. وأمر الله نبيه والمؤمنين بتهديد أبي جهل ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ ثم أمره أن يعلن الوصف الحقيقي لأبي جهل ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ ثم يستأنف التحدي والتهديد والوعيد ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ثم أمر رسوله والمؤمنين بعصيان الحاكم المجرم وإعلان التمرد على دستوره ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.

لو دخل أبو الحكم في الإسلام وعبد ربَّه الذي أعطاه الأمن من الجوع والأمن من الخوف لما فرق مجتمعه، ولو آمن زعماء مكة لحققوا شرفا ما بعده شرف، ولظل ذكرهم معطراً خالدا، ولكنهم رفضوا الشرف واستغربوا وعد الرسول r بالانتصار على فارس والروم، واتهموه بالجنون، ففقدوا الأمن والأمان وقُتلوا في معركة بدر، أين هم الآن؟!.. في الجحيم والعياذ بالله وقانا الله وإياكم ذلك المصير. أما أولادهم الذين آمنوا بدعوة الإسلام فقد حافظوا على نعمة الأمن والأمان وأصبحوا قادة البشرية.

ونحن في الأردن إذا لم نعِ الدرس وندرك أن الحفاظ على الأمن والأمان لا يكون إلا بعبادة رب البيت... فسنخسر الدنيا والآخرة.. نعوذ بالله من ذلك... وها نحن نرى بعض البوادر في فقدان نعمة الأمن والأمان من انتشار العصابات والعنف في الجامعات والعشائر وفساد الدولة ونهب المال العام والفقر والبطالة... وإذا لم نعد إلى ديننا عودة حقيقية فسيستمر الخسران حتى نجد أنفسنا مشردين لاجئين كأهل البلاد من حولنا... لا قدر الله.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نجاح السباتين – ولاية الأردن