قبول حل الدولتين الأمريكي لقضية فلسطين تصفية أخيرة لها
September 19, 2020

قبول حل الدولتين الأمريكي لقضية فلسطين تصفية أخيرة لها

قبول حل الدولتين الأمريكي لقضية فلسطين تصفية أخيرة لها

لقد أعيت قضية فلسطين الغرب على فرض أي رؤية له "للحل" منذ زرع كيان يهود في الأرض المباركة فلسطين، ولم يتمكن من فرض هذا الكيان وزرعه بشكل طبيعي في جسم الأمة الإسلامية الطاهر، وعلى الرغم من سهولة إيجاد كيان يهود والمحافظة عليه والتطبيع معه من خلال خيانات حكام المسلمين الذين نصبهم الكافر المستعمر على رقاب الأمة، إلا أن الغرب وعملاءه الحكام لم يتمكنوا ولن يتمكنوا بإذن الله من تطبيع الشعوب في البلاد الإسلامية مع كيان يهود. أما بوادر عجز وفشل الغرب في إيجاد دولة يهود الجسم السرطاني في جسم الامة، فإنّ المتابع للأطراف الفاعلة والمشاركة في صناعة المشهد السياسي على الساحة فيما يتعلق بقضية فلسطين، يلحظ ارتباكا واضحا لديهم، يصل إلى درجة التخبط الذي يكشف فراغا أو عجزا عن المضي قدما في المشاريع المطروحة أو المتصورة كنهاية للقضية.

وقد لوحظ هذا التخبط مع بداية عهد الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة ترامب، التي أعربت منذ بدايات عهدها عن نيتها التفكير بحلول خلّاقة وصفتها بالتفكير خارج الصندوق لحل الصراع في قضية فلسطين، فيما عُرف "بصفقة القرن" ومنذ ذلك الحين ما زالت الأطراف المشاركة أو ذات العلاقة بانتظار نتائج التفكير الذي لم ير النور لغاية الآن، وتنفيذ لهذه الصفقة على أرض الواقع. أما قبل بداية فترة ترامب فصحيح أنّ القضية والحلول كانت تراوح مكانها في ظل إدارة أوباما ولكنها كانت أشبه بالعجز عن تحقيق إنجاز ملموس مرده إلى أسباب عدة؛ منها عدم إيلائها أولوية من الإدارة الأمريكية، وتعنت رئيس وزراء كيان يهود نتنياهو. ولكن الجديد في المشهد في ظل إدارة ترامب هو التخبط وعدم الوضوح، بسبب انقسام الوسط السياسي في أمريكا، واختلافهم في تفاصيل الحل ومتى وكيف، فإدارة ترامب بالكاد صرحت بالاستمرار في تنفيذ رؤية حل الدولتين، وأتبعتها تشكيكاً في مدى إصرارها على ذلك وفقا لمخرجات التفكير خارج الصندوق الذي وعدت به.

إنّ هذا التخبط الحاصل هذه الأيام كان شبيه له منذ الإعلان عن قيام كيان يهود عام 1948، وبات التفكير في الزمن الحديث بحلول مغايرة لما استقر عليه القرار السياسي منذ خمسينات القرن الفائت لدى الإدارة الأمريكية كإعادة التفكير بحل الدولة الواحدة بدلا من حل الدولتين، قال ريتشارد فولك، خبير يهودي أمريكي في القانون الدولي وحقوق الإنسان، إن السيناريو الجنوب أفريقي "يعد الطريقة الوحيدة لإنهاء الصراعات الفلسطينية (الإسرائيلية)". وذكر أن المقصود بكلامه المتعلق بنموذج جنوب أفريقيا هو "إطلاق نضال يهدف إلى نيل الفلسطينيين حقوقهم سواء على أراضيهم أو في (إسرائيل)، بالتوازي مع وجود جماعات ضغط عالمي على تل أبيب". وهو يشبه ما صرح به أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات منتصف شباط حين قال بأن البديل عن حل الدولتين هو دولة ديمقراطية واحدة بحقوق متساوية لجميع أبنائها من النصارى والمسلمين واليهود، وأضاف: لا يمكن القبول بواقع الدولة الواحدة بنظامين (دولة الأبرتهايد) الذي يعززه كيان يهود. وهكذا تشكّل المشهد السياسي على الساحة الفلسطينية، تخبط وارتباك من قبل الفاعلين وأصحاب القرار، وفقدان للبوصلة والهوية من قبل الأطراف والمنفذين.

أما على جانب الأمة الإسلامية التي ما زالت تعتبر فلسطين أرضاً مباركة خالصة لها، فليس ثمة أدنى شك لمن يمتلك أبسط قدرات الإدراك أن الحل السلمي على أساس دولة فلسطينية في حدود عام 1967 لا يمكن أن يتم ولا يمكن أن ترعاه القوى الدولية إلا بالاعتراف بدولة لليهود في فلسطين، ومن ثم الدخول في علاقات سياسية طبيعية مع هذا الكيان، تنظّمها اتفاقات دولية ملزمة للكيان الفلسطيني الموعود، وللدول القائمة في البلاد الإسلامية، وهو ما ترفضه الأمة جملة وتفصيلا، وليس ثمة جدوى للتبريرات السياسية والإعلامية حول قبول هذا الحل السلمي ومشروعيته، ولا يجدي هنا منطق التسطيح السياسي ممن يقول إنه يرفض الاعتراف ولكن يقبل الدولة، أو من يقول بضرورة قبول يهود للمبادرة العربية التطبيعية لعام 2007، وكل التبريرات التي يمكن أن تتفتق عن قرائح الكتّاب والساسة لتمرير القبول بدويلة في حدود 67، هي أقرب "للهلوسة السياسية"، وهي خارج سياق الفهم الجاد للتصريحات التي يدلي بها الساسة حول قبولهم بتلك الدولة، إذ هي تتناقض تماما مع كل الأسس التي انطلقت منها المقاومة الفلسطينية بشقيها الإسلامي والعلماني، بل ومع مواثيقها التي أعلنتها، إضافة إلى الرباط العقدي عند الأمة الإسلامية للأرض المباركة فلسطين، وتجذّر العداء العقدي تجاه قتلة الأنبياء يهود. ومحاولات القبول بحل الدولتين ليست إلا محاولات غير ناجحة للتخفيف المرحلي لوطء تلك الهرولة نحو "المجتمع الدولي" والتطبيع مع دولة يهود، والاستجابة لمتطلبات اللعب في ساحاته أمام الشعوب، لتسويق النهج السياسي الجديد داخليا، إذ يدرك الساسة الغربيون تماما مغزى تلك التصريحات، وخصوصا عندما يؤكد كارتر مثلا أن "جميع قادة المقاومة الإسلامية يرغبون في العيش بسلام على أرض 1967"، ومن ثمّ لا ينفي أولئك القادة مثل تلك التوجهات بالأعمال قبل الأقوال، بل تتواتر تصريحاتهم في كل مناسبة حول قبول الدولة الفلسطينية.

ولا شك أن حل الدولتين والاعتراف بدولة لليهود، ولو في قرية تائهة في مشارف عكا فكيف بها على جل الأرض، هو باطل سياسيا وشرعيا لدى الأمة سواء أكان الحل مرحليا، كما تنادي بعض القيادات التي ترفع شعار الإسلام حاليا، وكما نادت المنظمة في بداية مشوار سقوطها العلني في مستنقع الاعتراف عندما أعلنت مبدأ "خذ وطالب"، فالأرض المباركة التي ملّكتها الأحكام الشرعية للأمة الإسلامية، ذاتها التي تفرض على الأمة التحرك الفوري لتحرير الأرض المباركة واقتلاع كيان يهود، فملكية الأمة الإسلامية للأرض المباركة أنشأتها الأحكام الشرعية التي جعلت من أرض فلسطين أرضا خراجية وجعلت من الجهاد وتحريك جيوش المسلمين طريقة وحيدة لتحريرها وتخليصها من الاحتلال. وهذا الحق الرباني الذي جعل من الأرض المباركة ملكا للأمة الإسلامية، لا يمكن استرجاعه إلا بالطرق الشرعية، فتحرير فلسطين لا يكون إلا بتحريك جيوش الأمة الإسلامية صاحبة ذلك الحق تنفيذا للفرض الشرعي الذي يقع على عاتقها، والطرق والآليات التي وضعها الغرب للمطالبة بالحق لا تعدو كونها أبوابا لتكريس كيان يهود وتثبيت أركانه بقرارات دولية.

بينما الاحتلال أخذ شرعيته من قرارات وقوانين الشرعية الدولية، التي أنشأت له حقا "مزيفا" في الأرض المباركة عبر الاعتراف به وبأحقيته في الوجود عليها، والاحتكام للقرارات الدولية في قضية فلسطين أو الدعوة للحماية الدولية هو احتكام لغير الله، بل احتكام لمن أنشأ (حقاً!) لكيان يهود في بلادنا. وهذا الاحتكام لن يجلب إلا غضب الله والتفريط والخيانة والتنازل عن الأرض المباركة لكيان يهود الغاصب، فهل يمكن تحصيل حق ممن لا يملك الأرض بل من وهب أرضا لا يملكها لشذاذ الآفاق يهود؟! وهل يتصور أن تكون الآليات والخطط التي وضعها لتثبيت كيان يهود طريقا لتحرير الأرض؟! وهل يسعى عاقل لطرق باب الغرب المستعمر أو أدواته الدولية الخبيثة كمجلس الأمن للحصول على حق مغتصب؟! وهل يمكن أن تكون سبل الشياطين طريقا لاسترجاع حق رباني؟!

إنّ القضية أخطر من القادة ومن العلماء ومن الفصائل الفلسطينية جميعها، وهي بلا شك أهم من غضب الجميع، إذ اليوم انتهت أشواط الانبطاح للأنظمة والمنظمة والسلطة والفصائل الوطنية بعدما صار قبول حل الدولتين عندها مقدمة لأي جهد سياسي، كما حصل مع الإمارات وتطبيعها مع يهود، والهرولة نحو التطبيع مع دولة يهود يقذف بأهل فلسطين والأمة الإسلامية في دروب لا طائل منها بل تضفي شرعية على كيان يهود وتجعل منه شريكا في الأرض المباركة، فاستنكار الاستيطان في الضفة الغربية فقط لا يعني إلا التنازل عن جل الأرض المباركة التي اغتصبت عام 48، والمطالبة بإقامة دولة على حدود 67 يقر بأحقية الكيان الغاصب في الوجود على ما اغتصب من الأرض قبل ذلك وبعده، ومنه التنازل عن القدس والأقصى الشريف، ودفع الناس للتظاهر السلمي، وتكرار مقولة إن فلسطين قضية فلسطينية وليست قضية الأمة، هو وسيلة لإرجاع الحقوق حسب التعريفات الدولية يعني التخلي عن حق الأمة في تحريك الجيوش لتحرير فلسطين كاملة وإرجاعها لحضن الأمة الإسلامية، واستثناء الحل العسكري واستنصار جيوش الأمة للتحرك من فورها للتحرير هو خذلان لقضية الأرض المباركة واختزالها في مسار لا يفضي إلا لشرعنة وجود كيان يهود وتثبيت أركانه.

ولذلك آن للمخلصين أن يخرجوا عن صمتهم وأن يعيدوا تعريف - بل تأكيد - أسس العلاقة مع الاحتلال على أنها في شكل واحد لا يتعداه يتمثل في حالة حرب دائمة حتى التحرير الكامل: فهل من علماء وقادة وأحزاب يوقفون مسيرة الترويض والتطبيق هذه قبل أن لات حين مناص؟! أم يستمر دفن "العقل" في رمال المكائد الغربية تحت شعار إحسان الظن بالقادة وحرمة لحوم العلماء الذين يفصّلون الفتاوى على مقاس المطبعين مع من نقضوا العهود مع نبينا محمد e وقتلة الأنبياء يهود؟!

إنّ الحل الوحيد المقبول إسلاميا لقضية فلسطين هو تحريرها بكامل ترابها من الاحتلال، ويكون ذلك بتحرك جيوش الأمة وعلى رأسهم جيش باكستان نصرة لفلسطين ولأهلها، ولا مجال للحديث عن سيناريوهات أخرى بدولة واحدة أو دولتين، إلا من قبل أعدائها أو فاقدي الهوية والبوصلة كحكام العرب والمسلمين العلمانيين الذين انسلخوا تماما عن أمتهم الإسلامية وباتوا يتصرفون كمرتزقة مستعدين لدفع الغالي والنفيس والقبول بأية حلول مقابل الحفاظ على كراسيهم ومكتسباتهم وثرواتهم. وقد قرر الإسلام بأن قضية فلسطين هي قضية إسلامية، أرضها ملك للأمة الإسلامية إلى يوم الدين، وتحريرها واجب على أبنائها المقتدرين، وحرم التفريط بشبر واحد منها تحت أي ظرف أو مبرر، فلا حاجة للأمة للتفكير بمؤامرات ومكائد الكفار المجرمين للأرض المباركة فلسطين. ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾.

إنّ فلسطين على موعد قريب بإذن الله مع النصر والتحرير على أيدي جيوش الأمة الأغيار، على أيدي جيوش الخلافة الراشدة على منهاج النبوة وجحافلها عند إقامتها قريبا بإذن الله ﴿فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً﴾.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

بلال المهاجر – ولاية باكستان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر