February 07, 2015

  قراءة في تشكيلة الحكومة... وكذب الوعود الانتخابية  


أعلن الحبيب الصيد رئيس الحكومة المكلف يوم الاثنين 2 شباط/فيفري 2015 تشكيلة حكومته، بعد الرفض الواسع الذي قابلته التشكيلة في نسختها الأولى يوم 23 كانون الثاني/جانفي، ورغم التغيير الطفيف والشكليّ الذي لا يتجاوز تفسيره على أنه مسرحية سياسية عَجزَ عن إحكامِ إخراجها رئيس الحكومة ولها أسبابها... وقد تمثلت هذه التشكيلة في إعادة تسمية أطراف وقعت تسميتها في حقائب وزارية في التشكيلة الأولى وأضافت وجوها جديدة، مما يُفسر أن هذه الخطوة ما هي إلاّ مكافآت وترضيات، وقد أجمع على ذلك المتابعون.


وتجاوزًا لموضوع تغيير النظام وهو الأصل، إلا أنه بمنطق الأشخاص والحكام فلم تسلم هذه الحكومة من الشهادة بفساد بعض أعضائها على غرار وزير الداخلية المتهم من قبل القضاء بمضايقة القطاع في الحقبة النوفمبرية، كما ظهر في هذه التشكيلة أفرادٌ تمعّشت بل واستوزرت زمن الدكتاتورية، فضلا على الشهادة بعدم الكفاءة، فمن شغل منصب وزير التشغيل في حكومة سابقة قُلد وزارة الصحة!! ومن وزير نقلٍ إلى وزير تنمية وتعاون دولي، فبأيّ معايير يقيسون؟ كما لا تُخفي هذه التشكيلة التخبّط وضبابية الرؤية والسقم الفكري الذي يعتمد على استنساخ النموذج الغربي من حيث الإدماج في الوزارات أو الإنشاء لها، فتُستحدث كتابة دولة لتأهيل المؤسسات الاستشفائية (ولا نعلم هل هي العمومية أم الخاصة؟؟ ما يُؤشر لاستمرارية خصخصة الصحة الذي بدأته حكومة الترويكا مع الجانب التركي...)، وتُستحدث كذلك كتابة دولة مكلفة بملف الشهداء وهو ملف الالتفافات والتهافت على رفع شعار الثورية.


كما أن المرحلة المرتقبة ملفاتها والتي أرجأتها الحكومات المتعاقبة بعد الثورة وادّعت انتظار حكومة رسمية غير مؤقتة ولا مكلفة بتسيير أعمال للاشتغال على أهداف الثورة، وخاصة ملفا الاقتصاد وما يُسمى مكافحة الإرهاب في ما يتعلق بتداعيات الأوضاع في التراب الليبي (في سياق إقليمي يعتبرُ الجماعات المسلحة المدعومة أمريكيًا مثل حركة حفتر حركة سياسية لها مبرراتها على غرار جماعة الحوثي المدعومة أمريكياً كذلك ولا تُصنّف رغم ذلك بالإرهابية..)، وتبقى هذه الملفات حارقة في غياب الرؤية والمنطلق فضلا على غياب الإرادة التي تُفتكّ بها كرامة البلد وهذا ما تعجز عنه مثل هاته الحكومات ولا تتعاطى مع هذه القضايا إلا بمزيد الإرهاب بالإرهاب وعدم كشف الحقائق وبالتضييق أكثر على موارد رزق الناس مقابل التفريط في الثروة وفتح المجال للمستثمر الأجنبي.


وبعد الزخم الذي رافق المشاورات حول تشكيل الحكومتين وما يُنتظر من نيل ثقة نواب قبّة البرلمان سواء التسريبات والتصريحات أو الانسحابات والمواقف، حضرت المحاصصة والتسوية وغابت البرامج والأهليّة والكفاءة في تعدٍ صارخٍ وإخلافٍ لوعد انتخابيّ مُموّلٍ ومُثقلٍ على كاهل أهل البلد.


ووقفة أمام أحد الأطراف المُشكِّلة للحكومة وهو حزب الأغلبية، حزب حركة نداء تونس، والذي حمل شعار "ضد تجربة الإسلاميين وحكم الترويكا"، واعتبر إقصاء النهضة وتجربتها ذروة سنام برنامجه الانتخابي، نجده اليوم يُشرِّك النهضة بدعاوى متهافتة ما حرّك قواعده الانتخابية وحتى الحزبية بل وصل إلى نائبين في البرلمان يمثلانه وأُطلقت حركةٌ احتجاجية تحت عنوان "لا تراجُع" وهو الموقف الذي عبر عنه الأمين العام للحركة ووزير الخارجية المكلف!! في تصريحٍ للإعلاميين بأن جناحًا في حركة نداء تونس غير راضٍ ويقوم بضغوطات، وهو ما يُنبئ بفشلٍ لاحق في استمرارية الحكم فضلا على إمكانية تفكّك هذا الحزب الهجين وانشطاره، فيُضاف بذلك عامل آخر على فشل وخيانة الحكام الجدد لوعودهم الانتخابية.


أمّا الطرف الآخر وهو الحزب الثاني، حركة النهضة، فقد حملت شعار "ضدّ إرجاع المنظومة القديمة" وترنحت مواقفها في علاقتها مع قواعدها الحزبية والانتخابية وشهدت الحياة السياسية عندهم في فترة الانتخابات سياحة انتخابية قياسا على السياحة الحزبية سابقا داخل المجلس التأسيسي المنتخب!! وتناقضت المواقف قبل النتائج وبعدها على اختلاف المحطات الانتخابية وحسب تكتيكات المرشد والهيئة المنظمة مجلس الشورى، فمن بحثٍ على شخصية وطنية تُزكّى وتُرشّح وبالطبع تلقى الدعم، إلى الحياد والتبرؤ من الشريك السابق، إلى عدم ترك حزب الأغلبية يغرق وحده في إدارة البلاد، إلى المشاركة بتمثيليةٍ في الحكومة، تُسوّق خرقًا سياسيا ولو كانت غير ملائمة مع حجم الحركة، ونجاحًا للحركة في التّموقع في المشهد السياسي ومنه الحكم والإدارة على اختلاف حساسيتهما.


أما الطرف الثالث فهو لا يُعبّر إلا عن شخص أو اثنين ومجموعة ممن يُقدّمون أنفسهم خبراء أو تكنوقراط، يُمثّلون صفراً بالمائة وجوداً سياسياً على المستوى الشعبي والحركي، وهذا الحزب ما ظهر إلا في جولاته الانتخابية وحين تجارى صاحبه لتلقُّف منصب وزير النقل في أول حكومة بعد الإطاحة بنظام بن علي، ما يُثبت عقلية انقضاضية وصولية، ويمثل كذلك صفراً بالمائة كرصيد نضالي، ونسبة انتخابية مُضخمة قائمة على نظام أكبر البقايا مما يكشف إرادةً لتثبيت من ليس له وجود ما يفسح المجال لأكثر مساومات داخل قبة البرلمان.


أما الطرف الرابع فلا يختلف عن حكم الأخير من حيث النشأة والخواء الفكري والسياسي، مع امتياز وتفرّد على بقية الأطراف الأخرى بالأموال الضخمة في حملته، وهو الذي صرّح صاحبه "رجل الصفقات" أنه فهم السياسة فهي على قوله: أموال (مهما كان مصدرها) في تلاقح مع برامج (مُستوردة ومشتراة بأموال طبعا)... وقد اختار عنواناً لحملته الانتخابية "نحو القضاء على الفقر" وهو الملف الذي يتجاوز الحزب والدولة "الوطنية" ليستقرّ ضمن مخططات إعلان الألفية المنبثق عن الأمم المتحدة المموّلة عبر شركائها الماليين حسب الأهداف الثمانية التي أعلنت عنها الدول الكبرى عبر المنظمة، ومن هذه الأهداف القضاء على الفقر في أفق 2015، فتُثبّتُ التبعية باعتماد التوجيهات والتمويلات ولا يتجاوز دور هذا الحزب إلاّ الديكور.


أما ما تبقى ممن اختاروا المعارضة وخاصة الجبهة الشعبية (حركات يسارية وقومية)، والتي لم تعِ بالدور العالمي عبر الإقليمي في التمسّك بمسارات البلاد، فلن يتجاوز دورها المعارضة والتشويش، وستُستغل كالعادة في أحداث لإيجاد وضعيات، ثم يُرجع بها إلى دور المشاكسة، فالتغريد خارج السرب مع خسارة المناصب.


ويبقى حزب التحرير متمسكا بشعار الثورة "الشعب يريد إسقاط النظام"، وهو الذي قاد تحركا في الذكرى الرابعة للثورة في بوزيد يوم 17 كانون الأول/ديسمبر 2014، وفي العاصمة أمام وزارة الداخلية يوم 14 كانون الثاني/جانفي 2015، وقد اختار لنفسه شعار: "تغيير النظام لا تغيير الحكام" وهو لا يزال يعمل مع الأمة ويصل ليله بنهاره يتواصل مع الناس ولا يُقدم وعودا ولا عروضا، وإنما يُقدم واجبا تلبّس به يستنهض به الأمة لتتبوأ مقعدها بين الأمم.


﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾


كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
محمد البسكري - تونس

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر