قطر تجند آلتها الإعلامية القوية لإسكات منتقدي الإنفاق الضخم على كأس العالم  بادعاء استغلال هذه الفرصة للدعوة إلى الإسلام!
November 24, 2022

قطر تجند آلتها الإعلامية القوية لإسكات منتقدي الإنفاق الضخم على كأس العالم بادعاء استغلال هذه الفرصة للدعوة إلى الإسلام!

قطر تجند آلتها الإعلامية القوية لإسكات منتقدي الإنفاق الضخم على كأس العالم
بادعاء استغلال هذه الفرصة للدعوة إلى الإسلام!


بمجرد أن انتشر خبر الإنفاق القطري الضخم على التحضيرات لكأس العالم والذي بلغ 220 مليار دولار (19 ضعف ما أنفقته روسيا على كأس العالم الأخير سنة 2018)، ظهرت مقالات كثيرة تحاول تبرير هذا الإنفاق وتنوه بالجهد القطري لاستغلال هذا الحدث الرياضي والإقبال الكبير عليه لنشر أحاديث النبي ﷺ وبإعلاء صوت الأذان وباستقدام الداعية ذاكر نايك و...


وطبعا لسنا ضد استغلال أي حدث للدعوة إلى الله، ولا نملك إلا أن ننوه بأي جهد لنشر دين الله، خصوصا إذا ما قورن هذا بما يقع في بلاد الحجاز من حرب صريحة على الإسلام ومن نشر للرذائل والمناكير.


إلا أن حكمنا على الأمور يجب أن يستند إلى مقاييس واضحة ثابتة ولا ينبغي للعاقل أن ينجرف تحت تأثير الواقع أو تأثير الأهواء، فنحكم بصحة الأشياء ليس بناء على واقعها وإنما بناء على مقارنتها بما هو أسوأ منها، أو بناء على حبنا لكرة القدم، أو بناء على الانبهار بالأضواء.


للأسف لقد فرض علينا الواقع البعيد عن الإسلام وشيوع أجواء الهوان، خفض سقف التوقعات، وجعلنا غياب التصور الدقيق لما يجب أن تكون عليه الحياة في المجتمع الإسلامي، نفتخر بأمور المفروض ألا تكون محل نقاش أصلا، وأن تكون من المسلمات.


ومن هذه الأمور التي يروج لها المتفاخرون بالإنجازات القطرية، قصة منع الخمر ورموز الشذوذ في الملاعب ومحيطها، وأنا أتعجب كيف يروج لهذا الأمر على أنه إنجاز عظيم، علما أن الخبر يحمل في ثناياه دليل عجزه؟! فهل الخمر والشذوذ محرمان فقط في الملاعب ومحيطها ومباحان خارجها؟! هل حرم الإسلام هذه المنكرات فقط في مساحة معينة؟! هل أصبح تحريم الحرام في مساحة صغيرة وإباحته خارجها إنجازا منقطع النظير يستحق الثناء والتنويه؟!


إن السماح بوجود المسجد إلى جانب المرقص، وجعل الصلاة كوصلة تتوسط وصلات الرقص، وقبول وجود المحتشمة إلى جانب المتبرجة؛ كل هذا لا يعتبر دعوة إلى الإسلام، وإنما هو دعوة صريحة إلى العلمانية التي لا تقيم للدين أي اعتبار، وتبيح للفاجر أن يفجر وللمتدين أن يؤدي عباداته، على أن تبقى الدولة محكومة بتشريعات البشر. أما الدعوة إلى الإسلام كما علمنا الله ورسوله، فتكون بتقديم النموذج الإسلامي الخالص الذي لا تشوبه شائبة من حرام.


إن فرض كرة القدم كحدث عالمي وإعطاءه هذه الهالة الضخمة هو في حد ذاته مؤامرة على الإسلام حتى لو منع الخمر فيه بالكلية وليس في الملعب ومحيطه فقط. ما معنى أن يشغل الناس بكرة يتقاذفها اللاعبون؟! ما معنى أن يشغل الناس بأمر لا فائدة منه مطلقا حتى لو فازت قطر أو أي دولة عربية أخرى بكأس العالم نفسه وليس فقط بتنظيمه؟ ماذا سيقدم أو يؤخر في حياة الناس؟ ماذا جنت الدول التي سبق وأن نظمت هذا الحدث؟ ماذا جنت الدول التي فازت بكأس العالم؟ ما معنى أن يشغل المسلمون بهذه التفاهات في وقت تسفك فيه دماؤهم وتنهب خيراتهم وتنتهك حرماتهم؟! كيف يدافع عاقل عن لهو في الوقت الذي يدنس فيه يهود أقدس بقاع المسلمين ويقتلون صفوتهم؟! كيف يدافع عاقل عن لهو وبذخ فيما يفتقر الملايين من المسلمين إلى كسرة خبز أو قطعة قصدير تقيهم حر الشمس أو مطر السماء؟! كيف يدافع عاقل عن لهو فيما تغص سجون الظالمين بالعلماء والصالحين والمجاهدين؟! أين أولوياتكم أيها المسلمون؟! كيف ترتبونها؟! أي الحاجات أولى؟! كيف تقدم، لا أقول الكماليات، بل كماليات الكماليات، على أولى الأولويات؟! أي حكمة هذه وأي بُعد نظر؟!


إن القول إن قطر إنما نظمت هذا الحدث للدعوة إلى الله، هو مخالفة للواقع وسذاجة دون شك، فقطر لم تحمل يوما همّ الإسلام، بل كانت منذ نشأتها مستعمرة بريطانية، وتحولت ابتداء من تسعينات القرن الماضي إلى وكر للمؤامرات البريطانية خصوصا بعد إطلاق قناة الجزيرة.


لكن للأسف ذاكرة الناس قصيرة جدا، وسرعان ما يتم التلاعب بعقولهم!


• فهل نسينا أن قطر تستضيف قاعدة العديد الأمريكية التي تستعمل لضرب المسلمين في العراق وسوريا وأفغانستان؟
• هل نسينا الدور الخبيث الذي لعبته قطر، باعتراف أكبر مسؤوليها، لاختراق الفصائل السورية وحرفها عن مسار الثورة؟
• هل نسينا دور قطر، باعتراف أكبر مسؤوليها، للضغط على حماس ودفعها نحو مسايرة سلطة عباس على درب التطبيع؟
• هل نسينا أن قناة الجزيرة كانت السابقة في التطبيع الإعلامي مع يهود، ولا تزال إلى اليوم تسير على الطريق نفسه رغم تباكيها على شيرين أبو عاقلة؟
• لماذا يغيب ذكر فتح البلاد أمام السياح اليهود الذين سيحضرون إلى قطر لحضور المباريات في رحلات جوية مباشرة من كيان يهود الغاصب لفلسطين؟


إن كانت الغاية هي الدعوة إلى الله فعلا، فإن عبد الرحمن السميط الداعية الكويتي رحمه الله، وهو فرد أعزل، يقدر عدد من أسلم على يديه في أفريقيا وحدها بـسبعة ملايين شخص، ولم ينفق عشر معشار ما أنفقته قطر! ولا أقام لنفسه هذا البهرج الزائف.


هذا عن الدعوة التي يتولاها الأفراد، أما عن الدول، فإن مما علّمنا رسول الله ﷺ أن طريقة حمل الدولة الإسلامية للدعوة هي تطبيق أحكام الشرع داخل الدولة وحمله إلى الخارج بالدعوة والجهاد في سبيل الله، لفتح البلدان وتطبيق الإسلام على أهلها فيروا الإسلام عمليا على الأرض، فيكون ذلك مدعاة لهم للدخول في دين الله. فإن كانت قطر عاجزة عن حمل الإسلام إلى الخارج، فلا أقل من تطبيقه في الداخل. واليوم يتفاخر الناس بأن قطر تعرض أحاديث النبي ﷺ في الأماكن العامة وتذيع الأذان بأصوات جميلة، ويعدون هذا إنجازا عظيما لصالح الإسلام! فماذا لو أنها طبقت هذه الأحاديث وباقي الأحكام الشرعية عمليا، كيف كان سيكون الوضع؟


إن مشكلة قطر أنها يوم أن أنشأتها بريطانيا جعلتها دولة صغيرة جدا مساحة وسكانا (11570 كلم مربع، 300 ألف نسمة، 10% من مجموع سكان الإمارة)، بالمقارنة مع الدول المجاورة لها، إذ تبلغ مساحة السعودية 185 ضعفا، ومساحة إيران 142 ضعفا، ومساحة العراق 37 ضعفا. ويبدو أن هذا الأمر أوجد عند حكام قطر هوسين:


1. هوس المحافظة على الحكم، فهم يعلمون أنهم صنيعة الاستعمار ولا غطاء شعبي لديهم، وأن رفع غطاء الاستعمار عنهم يجعلهم لا يصمدون في الحكم إلا أياما قليلة. لذلك فهم لا يوفرون طريقة لاستدامة رضا الغرب عنهم، ويتطوعون لخدمة مشاريع الاستعمار بكل تفانٍ، لعلهم يفوزون بتجديد عقود عملهم، ومن الواضح أن معظم المبالغ التي أنفقت على التحضير لكأس العالم إنما كانت من نصيب الشركات الغربية والبريطانية بالخصوص.


2. هوس الخشية أن تلتهمهم إحدى الدول المحيطة، فهم يعلمون أن ضعف مساحة الدولة وضعف إمكانياتها البشرية وطبيعة جغرافيتها يجعل أمنها هشاً حتى لو جهزت جيشها بأقوى العتاد، ويذكرون جيدا كيف اجتاح العراق الكويت والتي تفوق قطر مساحة وسكانا بـ1.5 ضعفاً في سويعات، لذلك فهم ينفقون الأموال الهائلة ليكون لهم صيت في العالم ومقعد "محترم" تحت الشمس، ظنا أن اشتهار صيتهم يمكن أن يشكل حماية لهم ورادعاً من اكتساحهم.


لكنهم لا يعلمون أنهم مهما أنفقوا وتسلحوا وبذروا فإن ذلك لن يمنحهم:


• لا حصانة من المستعمر، وها نحن نرى الغرب لم يحرك جنديا واحدا للدفاع عن أوكرانيا التي يقاسمها الدين والعرق والتاريخ، واكتفى بإرسال بعض الأسلحة ولسان حاله يقول اذهبي أنت وشعبك فقاتلي إنا ها هنا قاعدون.


• ولا حصانة من دولة الخلافة القائمة قريبا إن شاء الله التي ستكتسح المنطقة وتقضي على هذه العروش المهترئة في لمحة بصر.
وفي الأخير، أقول إن المسلمين لم يخلقوا للعب واللهو وإن كان مباحاً. نعم يجوز التفريج على النفس بشيء من اللعب والمرح، ولكن على ألا يكون هو الأصل، وألا يكون على حساب الأمور الجدية، وألا يشوبه محرم.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
محمد عبد الله

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر