قيادة الأمة
February 24, 2023

قيادة الأمة

الكلمة الثانية

قيادة الأمة

الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على حبيبي محمد إمام المتقين وسيد المرسلين، أما بعدُ أيها الإخوة الكرام، يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَكَانَ خَيۡراً لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ [آل عمران: 110]

هذه الأمة أمةٌ عظيمة أمة بذاتها، أخرجت للناس لتحمل رسالة الإسلام، فهي بطبيعتها أمةٌ قائدة، والأمة القائدة التي من عملها القيادة والتي جعلها الله شاهدةً على العالمين فقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة: 143]، هذه الأمة التي حُمّلت أعباء الرسالة كلها وصارت نائبةً عن النبي محمد ﷺ، تشهد على الناس أجمعين، هذه أمةٌ قائدةٌ بطبعها، فإذا ما كنت تريد أن تقود أمةً للمعالي، وهي أمةٌ أصلاً منشغلةٌ بالمعالي بحكم طبعها الذي صاغه دينها فيها، فأنت أمام مهمة ليست بالمعقدة بل هي مهمةٌ يسرها الله لعباده، قيادة الأمة ليست عملاً يتصدى له الإنسان وإنما هي نتيجةٌ طبيعيةٌ لآلية وضعها الشرع الحنيف لهذه الأمة. عندما تتعثر الأمة وتتخلى عن مكانتها أو يُحال بينها وبين واجبها كما حدث بعد هدم الخلافة الإسلامية، فإن الأمة لا بد لها ممن يعملون للتغيير، لا بد من أهل الحلِّ والعقدِ فيها أن يتحركوا، لا بد للملأ من الأمة الذين يملؤون العيون، لا بد لهم أن يقودوا المسيرة وقد مُعست الأمة وأصيبت في كَبدِها، أصيبت إصابة فظيعة يوم هدمت خلافتها فنشأ في الأمةِ من يتصدون للتغيير، وكان ممن نشأ فيهم حزب التحرير فخاض غمار هذه المعركة ودخل في صناعة الأمة ودخل في الكفاح السياسي والصراع الفكري مع الأفكار الباطلة، وصرع هذه الأفكار وحطّمها وبيّن للأمةِ زّيفها، وتعرّض لسياسات الحكّام الفاشلة القبيحة التي تمثّل حراسة مصالح الاستعمار في بلاد المسلمين، وقاد الناس بهذه المفاهيم فتحلق الناس حولهُ وآمنوا بفكرته؛ فكرةِ إقامة الدين، هذه الفكرة لا تحتاج إلى كبير جهدٍ حتى تُقنعَ بها النّاس، بل إن الناس بطبيعتهم يأتون إليك إذا رفعتَ هذه الشعار، أمةٌ تُريدُ هذه القضية وتحملُ هذه المهمة ليس بينك وبينها حواجز فهي تنقاد إليك، ورغم ذلك فإن الحزب قد خاضَ غمار المعارك مع الأنظمة الفاسدة العميلة المجرمة وقدّم التضحيات الكبيرة وقدّم الشهداء وقدّم كثيراً من الجهود العظيمة، وشبابه يسجنون في كافة أنحاء الأرض ويتعرضون للتضييق عليهم في الأرزاق وفي كل شيء. عندما حدث التفاعل من الحزب في هذه الأمة أثمر التفاعل رأياً عاماً في هذه الأمة على الأفكار التي تناولها الحزب فيها، وأخذ الناس بهذا الأمر، وصارت فكرة الخلافة وما يتصلُ بها من أمور أساسية شائعة في المسلمين ماثلةً في عقولهم وفي مواضع التأثير في نفوسهم، حمل الناس هذه الأفكار وتحركوا بها واستجابوا لنداءات حملة الدعوة ومضوا في هذا الطريق معاً.

لكنّ انقياد الناس لهذه الدعوة لا يلمسُ لمساً حسياً مباشراً وذلك لأسباب، من هذه الأسباب التي لا تُلمس فيها القيادة الفعلية أن النظام الذي نحياه مليءٌ بأشجار الدمن وخضراوات الدمن، وأقصد بذلك الحركات التي تعتاش على المال السياسي القذر، التي تكبر وتنتفخ فيراها الجهالُ فيظنونها شيئاً كبيراً، فإذا ما رأوا حملة الدين الحقيقيين ليس لهم الأثر المادي الملموس في المجتمع ظنوا أن أولئك خيرٌ من هؤلاء، والحال ليس كذلك فإن محمداً ﷺ كان طريداً مهاجراً متخفياً في الغار لكنه كان مؤثراً وكان له وهج وكانت له قوة وكان له انقياد، وعلى الرغم من أن الصولة والجولة في يدي عدوه وأنهم يملكون القوة المادية الكبرى ويظهرون في الميدان أنهم أصحاب القرار وأصحاب الكلمة وأصحاب القيادة وأن الناس منقادون إليهم، إلا أن الحق أن الناس منقادون لهذا الفكر الجديد الذي جاء به محمد ﷺ، لهذا الدين الحق الذي أوحاه الله عز وجل إلى محمد ﷺ، فلم يكن له بهرجٌ ماديٌّ طاغٍ يدل على أن محمدا ﷺ قد مدَّ جناحيه في الأرض وأثّر وانقاد الناس إليه، لم يكن هذا ظاهراً إنما كان في الخفاء، وكذلك الحركةُ المبدئيةُ التي لا تلتصقُ بالواقع ولا تدخلُ في معادلات المكاسب المادية الآنية والتي تقف عند المبدأ لا تتجاوزه، هذه الحركات لا يظهر حجمها الحقيقي، أثرها الفاعل، قبل أن تملك زمام الأمر وإنما كما قال الله تعالى تكون في ثوب الضعف والذلِ أمام الناس فيؤويها الله عز وجل وينصرها: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الانفال: 26].

فقد كانوا قبل أن يؤوَوا من الله عز وجل كانوا خائفين، كانوا قلة، كانوا مستضعفين، فلو قالوا نحن القادة لسخر القوم منهم، لو قالوا إن الأمة تنقاد لنا لقال الناس أثبتوا لنا بالبرهان الساطع وبالبيان الواضح.

فيا أيها الإخوة الكرام، يا حملة الدين، يا حملة الدعوة، ثقوا أن الأمة منقادة إليكم، لكن هناك حوائل تشعركم أنكم بعيدون عنها، فمثلاً سيطرة الكافر المستعمر على الأنظمة وعلى الأوساط السياسية ونفاذه في هذه الحكومات العميلة المجرمة يُشعرُ الناس أن السلطان لهذه القوة التي تبدو طاغية في المجتمع مع أن هذه القوة نخرها السوس؛ فقدت مشروعيتها، بانت سوءتها، صارت البرلمانات التي وضعتها هذه الأنظمة لتكون ديكوراً وتجميلاً لها، صار يقف النائبُ فيها، كما حصل في الأردن، فيقول نحن دولةٌ وظيفيةٌ أنشأنا الاستعمار لحماية العدو وهذا الاستعمار يمنعنا من استخراج ثرواتنا ويريد أن يجعلنا في هذا الضمور وهذا الضعف، هذا صار يقال في المؤسسات التي تتبع لهذه الدول المهترئة، صار يقول هذا الكلام أبناء هذه الأنظمة لأن الحقيقة تصدم الجميع، فنحن عندما نقول إن قيادة الأمة في أيدينا فذلك حق لأننا نجتمع مع الأمة على لغةٍ واحدة وحسٍ واحد وهدفٍ واحد، نجتمع مع الأمة على طريقٍ واحد، نجتمع مع الأمة على فكرٍ واحد، نجتمع معها على دينٍ واحد، المسافة بيننا وبينها صفرية، ثم إن ثقة الأمة بمن يحملون الدين لا تتزعزع ولا تتراجع، ثقةٌ تزداد يوماً بعد يوم، فثقوا أيها الإخوة أن قيادة الأمة هي في أيدي الثلة المؤمنة التي سعت للتغيير وأعلنت لونها بصراحة ووضوح دون تملق ولا تزلف ولا تلون ولا تبدل ولا تغيُّر، هذه الفئة التي ثبتت على الحق ولم تكن فئة واقعية تضمر وتضرب بالصفعات لأنها آمنت أن القيادة تؤخذ بالصندوق الزائف أو أنها تؤخذ بالتزلف والخضوع لآليات المجتمع الفاسدة. أنتم تقودون الأمة بثباتكم وصبركم وإصراركم وعزيمتكم، هذا الذي ينولكم قيادة الأمة فعلاً، وما هي إلا لحظات، ما هي إلا أيام أو أشهر أو مدد قريبة إن شاء الله تعالى، حتى يأذن الله عز وجل بفرجه، القضية قضية تحطيم حواجز وضعت أمامنا، وهذه الحواجز لا بد أن ننفذ إليها ونحطمها بتوفيق الله وبإذنه ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: 5]، هذا أمرٌ معلوم لا بد أن يحصل. الذي يحول بيننا وبين الأمة حواجز مادية لا بد أن نكسرها، لا بد أن يقيض الله لنا رجلاً صالحاً أو رجالاً صالحين في هذه الجيوش يحملون قضيتنا ويحملون همنا ويقبلون علينا.

اللهم إنا نسألك أن تعجل لنا بهم يا أرحم الراحمين وأن تيسر لنا نصرةً عظيمة عاجلة يا أكرم الأكرمين، اللهم هيئ لنا أهل نصرةٍ يحملون همنا ويحملون قضيتنا وينصرون ديننا يا أرحم الراحمين... وبارك الله فيكم، والسلام عليكم.

الشيخ يوسف مخارزة

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر