ربط الفكرة بأصحابها هو السبيل إلى التغيير الجذري
October 05, 2025

ربط الفكرة بأصحابها هو السبيل إلى التغيير الجذري

ربط الفكرة بأصحابها هو السبيل إلى التغيير الجذري


لا يخفى على العاملين المخلصين لنهضة الأمة الإسلامية بالإسلام ما آلت إليه أحوال الأمة من تكالب الأمم عليها كما تتكالب الأكلة على قصعتها، ولا يخفى على المراقبين ما وصلت إليه الأمة من وضوح في واقعها ومعرفة سبب مآسيها وآلامها، والذي أصبح معلوماً لديها، محصوراً في الكافر المستعمر، والحكام الخونة، والأنظمة التي نصبها الكافر المستعمر على رقابها للتنكيل بها، ونهب خيراتها، ومنعها من الانعتاق من هيمنته بإقامة خلافتها على منهاج النبوة.


لذلك برز في الأمة كثير من الدعاة والمؤثرين على وسائل التواصل، يحدثونها عن مكمن الداء وأس البلاء، فصار لهم العديد من المتابعين، لأنهم يخاطبون الناس بآلامهم، وفي ذلك نوع من التسكين والتصبير للأمة على البلاء الذي أصابها، إلا أنهم لم يقدموا للناس الحل الصحيح الذي يخرجهم مما هم فيه من بؤس، وحصرا تقديم الخلافة على أنها البديل الحضاري الذي به يصلح حالهم وتسترد عزتهم.


إن التقصير الحاصل من هؤلاء الدعاة والمؤثرين يتمثل في عدم ربطهم وعيهم ووعي الأمة على واقعها ومكمن دائها - المتمثل بالحكام والأنظمة - بالحل الذي يجب أن تعمل من أجله. كما لم يُبرزوا أن تغيير الحال إلى أحسن حال هو مسؤولية الأمة وحدها، وأن الحال لن يتغير من تلقاء نفسه أو يكون مهمة غيرهم، أو حتى فريق منهم، ما دامت لم تتحقق الكفاية فيمن انبرى لتغيير الحال إلى أحسن حال.


أما التقصير الأكبر الذي وقع فيه هؤلاء الدعاة، فهو أنه مع علمهم أن الإسلام السياسي المتمثل بالعمل لإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة هو العمل الذي يبرئ ذمتهم وذمة المسلمين من واجب تحكيم شرع الله في الأرض، إلا أنهم لم يبينوا أن هذا العمل هو وحده الكفيل بإخراج الأمة مما هي فيه وتغيير حالها إلى الحال المنشود. ومع علمهم أن الحزب الوحيد الذي يعمل لهذه الغاية هو حزب التحرير، فإنهم لم يعملوا معه، مع أن ذلك أوجب في حقهم من غيرهم من عامة الناس. بل فضلوا العمل منفردين، بعيداً عن العمل لهذه الغاية وهذا المشروع مع الفئة الظاهرة بإذن الله. بل إن أكثرهم رأى ألا يذكر الحزب كقائد لهذا العمل، فضلاً عن عدم دعوة الناس للعمل معه، مع أنه يمثل قارب نجاتهم. وما ذلك إلا لأنهم أرادوا أن يظلوا يعملون ضمن الخطوط المسموح بها من تلك الأنظمة التي يحلمون بالخلاص منها، فاختاروا مبدأ السلامة على حساب سلامة المبدأ والانتصار له وإيصاله إلى سدة الحكم.


إن الوعي على واقع الأمة وما أصابها، والوقوف على مستوى الوعي، يتطلب عملاً واحداً فقط لإيصال المبدأ إلى سدة الحكم، وهو ربط الحل بأصحابه. وما ينقص الأمة الآن هو العمل مع حزب التحرير والالتفاف حوله وتسليم قيادتها له حتى يصبح هو والأمة وحدة واحدة وجسداً واحداً. لذلك وجب أن تكون جهود الدعاة والعاملين في حزب التحرير مركزة على ربط الحل بالحزب ارتباطاً وثيقاً، حتى يتمكن الحزب - بلحمه وعظمه - من قيادة الأمة للقيام بعملية التغيير وإنجاز الخطوة الأخيرة المتبقية، والمتمثلة بالإطاحة بالأنظمة، وإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة بدلاً منها.


ويمكن تلخيص معنى وجوب ربط الحل بالحزب وبالشخصيات السياسية فيه في النقاط التالية:


1. إبراز الناحية العملية لفكرة الحل وربطها بأصحابها: فالحزب يرى أن الفكرة لا تصبح حية وقوية إلا إذا ارتبطت بأشخاص أو جماعات سياسية يحملونها بجدية ويضحون في سبيلها. فعندما تُنسب فكرة التغيير إلى رجال معروفين بصفائهم ونقائهم، واستقامتهم وجرأتهم، تصبح الفكرة أكثر قوة وجاذبية، بخلاف أن تبقى مجرد فكرة بلا حامل مخلص لها، حيث تظل نظرية فلسفية في أذهان بعض الناس أو في بطون الكتب، وهذا ما كان عليه سيد الخلق محمد ﷺ، حيث أظهر نفسه ودعا لفكرته جهارا نهارا غير متخفٍ، حتى بعد أن ردته قريش ونالت منه ومن صحابته، لم يتغير نهجه الواضح والصريح والمباشر.


2. تحويل الفكرة من حالة الدعوة إليها إلى العمل الواقعي بها: فالحزب يرى أن فكرة الحكم بالإسلام ليست فكرة للحديث عنها على المنابر أو على وسائل التواصل فقط، بل هي مشروع للتنفيذ على الأرض. ولذلك لا بد أن ترتبط الفكرة بقيادات سياسية حقيقية، مثل الحزب الذي يعمل على تحويلها إلى واقع سياسي ملموس، وبشبابه المعروفين بانتمائهم إليه، كما لا يخجل الحزب وحامل الدعوة أن يطلب قيادة الأمة والحكم للحزب باسمه ورسمه، وهذا أيضا من هدي المصطفى محمد ﷺ، لدرجة أنه ﷺ لم يقبل القسمة أو الاشتراك في القيادة والحكم بينه وبين قريش.


3. حماية الفكرة من التحريف والاحتواء: فإذا بقيت الفكرة مجردة أو مجهولة الحامل، سهل على الأنظمة أو الخصوم تبنيها شكلياً ثم تفريغها من مضمونها. وقد حدث شيء من هذا مع تنظيم الدولة وإعلانه المزعوم للخلافة. أما إذا التصقت الفكرة بأصحابها الأصليين، فقد أصبح واضحاً للناس من يمثلها ومن يفرغها من محتواها، فيبقى الولاء للفكرة مرتبطاً بحامليها الحقيقيين المخلصين.


4. إيجاد الرأي العام المبني على الوعي العام: وذلك على أساس القيادة المبدئية المعروفة للناس. فالحزب يرى أنه لا يتم إيجاد الرأي العام على أساس الوعي العام إلا بربط الفكرة بمن يحملها ويمثلها سياسياً. فالناس لا تتحرك وراء الأفكار في فراغ، بل تلتف حول رجال أو كيانات سياسية تجسد فيها هذه الأفكار وتدعو إليها.


5. تمييز الحامل المبدئي للفكرة عن الانتهازي: من فوائد هذا الربط أنه يفضح من يحاول ركوب موجة فكرة التغيير لمصالحه الخاصة أو لخدمة مشاريع أنظمة أخرى. لذا يجب أن يكون واضحاً للناس أن هذه الفكرة مرتبطة بالحزب وبشبابه، فلا ينخدعون بالبدائل المزيفة.


إنّ العمل الفردي، أو العمل الذي لا يُربَط بأصحابه من العاملين لإقامة الخلافة وبالحزب الذي يجمعهم، عملٌ مسموحٌ به قانونياً؛ لأن الأنظمة تدرك أن هذه الجهود لا تُشكِّلُ تهديداً وجوديّاً لها، ومهما اشتدَّت وكثُرت فلن تُفضي إلى تحقيق غاية التغيير. ومهما تعاظمت أعداد المتابعين والمحبّين لمن يحدِّث الناس عن مآسيهم، فإن هذه الأعداد لن توصل الدعوة إلى سدة الحُكم. فإذا انشغل الدعاة بالابتهاج بالأرقام والجموع الغفيرة المتبعة لهم، سرعان ما ينفضّ عنهم هؤلاء المتابعون حين يُطلَب منهم التكلُّف بالعمل السياسي والشرعي الذي يوصل الدعوة إلى سدة الحكم، فينتقل بهم الحال من التحمّس الإعلامي إلى الفتور عند مواجهة مطلب المسؤولية والعمل الحقيقي، فهم كمن قال فيهم سبحانه وتعالى: ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾.


وعليه، فإن الحزب يرى أن ربط فكرته به وبحامليها الحقيقيين يجعلها فكرة مؤثرة وعملية ومحمية من التحريف، ومرتبطة بقيادته السياسية الواعية، وهذا هو السبيل لتحقيقها في أرض الواقع، بخلاف الأفكار المعلقة في الهواء أو المختطفة من قوى معادية أو جاهلة أو مضللة. لذلك يجب أن تكون جميع الأعمال التي يقوم بها المخلصون، ومنهم حملة الدعوة، معلومة الأصل والفصل والمصدر، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
بلال المهاجر – ولاية باكستان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر