رد تونس على اقتحام غزة: غابت الطلقة الشجاعة، فأين الكلمة الأمينة؟!
October 26, 2023

رد تونس على اقتحام غزة: غابت الطلقة الشجاعة، فأين الكلمة الأمينة؟!

رد تونس على اقتحام غزة: غابت الطلقة الشجاعة، فأين الكلمة الأمينة؟!

ربما يجب أن يكون المتابع على قدر كبير من الغباء والسذاجة حتى يُقنع نفسه بأن النظام في تونس متضامن فعلا مع غزة وفلسطين، وأنه صار يغرد خارج سرب أنظمة الملك الجبري التي تعمل على احتواء كل حراك داعم لتحرير أرض الإسراء والمعراج من براثن يهود، وعلى امتصاص غضبه وتوجيهه إلى حيث يريد النظام الدولي، العدو الأول للإسلام والمسلمين، مع الحفاظ على واقع التجزئة والتقسيم التي جاءت بها منظومة سايكس بيكو المهترئة، والأهم الحفاظ على تلك العروش والكراسي المعوجة التي قد يزلزلها غضب الشعوب وانكشاف حجم الخيانات، وهذا ما اضطرها أحيانا إلى الدعوة إلى مسيرات تفريغ شحنات الغضب وربما قيادتها بالرايات الوطنية "المقدسة" التي قد يستوجب الولاء لها تنكيس راية رسول الله ﷺ والتباهي بذلك عبر الإذاعات "الوطنية".

ولذلك فإن التطبيل المبالغ فيه للموقف التونسي الذي صوره البعض على أنه استثناء في المنطقة، لا يتطلب حملة تفسيرية لفهم أبعاده، خاصة إذا عدنا إلى تاريخ الزعماء الوهميين الذين صنعهم الاستعمار على شاكلة عبد الناصر والقذافي وياسر عرفات، ممن تاجروا بقضية فلسطين وهتفوا باسمها، حتى كادت الشعوب تصدق أنهم يسعون فعلا إلى تحريرها. مع أن الواقع أثبت أن أصحاب تلك الحناجر الصادعة بحق أهل فلسطين، هم أول من سلم فلسطين وأهل فلسطين على طبق من ذهب لأعداء الأمة لتتم تصفية قضية فلسطين، بدولة هزيلة على حدود 67، لا تسمن ولا تغني من جوع، وفق الرؤية الأمريكية للمنطقة.

ولا يتطلب الأمر طول شرح وعمق بيان لحقيقة الموقف التونسي الذي يتغطى وراء صراخ مصطنع وشعارات رنانة من قبيل "التطبيع خيانة عظمى"، كانت ولا تزال جزءاً من حملة انتخابية لرئيس يتهيأ لخوض انتخابات 2024، فقد عودنا حكام الضرار برفع راية فلسطين الوطنية، والهتاف بتحريرها والتزلف إلى الشعوب بذكرها في كل موكب رسمي، احتفاء بما أنجزه سايكس وبيكو من تكريس لحالة الفرقة والتبعية.

ولكن حسبنا هنا أن نشير إلى "الرد المزلزل" الذي جاء على لسان قيس سعيد ضمن اجتماع مجلس الأمني القومي إثر استهداف مستشفى المعمداني في غزة، حيث استغل اللحظة التي سقط فيها مئات الأبرياء وتقطعت فيها أشلاء الأطفال، ليصرخ ويزمجر مجددا، ويقول بأنه "لم يجتمع من أجل الشجب والتنديد، وإنما ليؤكد ما كانت منظمة التحرير الفلسطينية تؤكده كل يوم، وهو العهد على مواصلة مسيرة النضال بالكلمة الأمينة، المعبرة عن الطلقة الشجاعة من أجل تحرير كامل الوطن المحتل، بالجماهير العربية مُعبّأة ومنظمة ومسلحة، وبالحرب الثورية طويلة الأمد أسلوبا، حتى تحرير كل فلسطين"!

طبعا بعد هذا القصف الكلامي المدوي الذي أرعب كيان يهود حسب بعض الروايات المطبلة للنظام، لن يجرؤ أحد على مساءلة الرئيس عن أسباب غياب الطلقة الشجاعة وعدم تحريك جيشه لنصرة المستضعفين في غزة وتلبية نداء الواجب مع أن الله سبحانه يقول: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾، فغبار التعاطي الإعلامي مع هذا الخطاب قد حجب حقيقة الموقف الخياني المضلل، كما أن الجيش الذي أعزه الله بالإسلام وكانت له اليد الطولى في مواجهة ودحر "إرهاب" نسجت خيوطه مخابرات الدول الأجنبية المتربصة بتونس، قد أوكل إليه النظام العلماني مهام أخرى، من قبيل حراسة الشركات البترولية الأجنبية ونقل النفايات!

ولذلك قد يكون الأولى الآن هو الوقوف عند ما اعتبره الرئيس "كلمة أمينة" تستمد أمانتها من منظمة التحرير الفلسطينية، الأداة الاستعمارية الأولى في تصفية قضية فلسطين، بل سبب إنشائها منذ 1964.

إن الحديث عن مجازر ودماء وأشلاء، هو حديث معلقين صحفيين لا من يقودون في بلادهم قوات مسلحة وجيوشا نظامية تتضمن فرقا خاصة وقوات نخبة ذات صيت عالمي، وإن التخاذل عن نصرة أهل غزة لا يبرره تخاذل بقية الأنظمة، حتى صرنا نشاهد حكامنا وهم يتنافسون على خذلان أهل غزة، في وقت تتداعى فيه القوى الصليبية على الأمة كما تداعى الأكلة إلى قصعتها!

ففي الوقت الذي ترسل فيه القوى الاستعمارية وفي مقدمتهم أمريكا، أسلحة وصواريخ وقاذفات وطائرات وحتى بارجات حربية عملاقة، لدعم كيان يهود في حربهم القذرة ضد أهل غزة، نجد قادة القوات المسلحة في بلادنا يرسلون الغذاء والدواء ويطلبون من شعوبهم الدعاء! يعينهم في ذلك أشباه علماء هم دعاة على أبواب جنهم، يبررون هذا الحجم من العجز والتخاذل تحت عنوان "طاعة ولي الأمر"! ثم بعد هذا كله وما يتطلبه من طمس للحقائق وسكوت عن الحق، تظل "المساعدات الإنسانية" التي أرسلها قادة النضال والتحرير المزعوم إلى فلسطين على حدود غزة، تنتظر الإذن بالتحرير من قادة يهود! ألا ساء ما يحكمون جميعا.

فعن أي كلمة أمينة يتحدث الرئيس، وهو يتبنى خطاب سائر الخونة من أشباه الحكام نفسه، ممن يقف مصطلح كامل فلسطين في قاموسهم عند حدود 1967؟! وأين الأمانة عند كل من يريد دفن عقود من النضال لأهل فلسطين في مقبرة حل الدولتين الذي يعطي شرعية لكيان يهود على معظم الأرض المباركة، ويبقي الفتات للمسلمين برعاية دولية من قبل ما يسمى بالمجتمع الدولي؟! ألم تسمعوا يا سادة قول الشاعر الفلسطيني رحمه الله وهو يقول منذ عقود:

أعيرونا مدافعكم ليومٍ، لا مدامعكُمْ

أعيرونا وظلُّوا في مواقعكُمْ

بَني الإسلامِ، ما زالت مواجعنا مواجعكُمْ

مصارعُنا مصارعُكُمْ

إذا ما أغرق الطوفان شارعنا

سيغرق منه شارعُكُمْ؟!

ما يتجاهله معشر المطبلين في بلدنا، هو أن الرئيس الذي تناسى قيادته للجيش وراح يتحدث عن جماهير معبأة ومسلحة، لم يختلف عن سائر رؤساء هذا الزمان ممن يستجدون المجتمع الدولي للتدخل، فهل يُقبَل ممن يزعم دعم قضية فلسطين أن يدير ظهره لمن يستنجده ويستنصره ثم يذهب ليستجدي قادة التحالف الصليبي ويتمسح على أعتاب المجتمع الدولي؟!

ألم يقرأ قوله سبحانه: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾؟ ألم يقرأ قوله ﷺ: «لَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ الْمُشْرِكِينَ»؟ فإلى متى يستمر حكامنا في استجداء من يشرف على قتل إخواننا في غزة، إما بالصمت على جرائم الإبادة أو بالمشاركة الفعلية فيها؟!

والسؤال الأهم، هل أرض الإسراء والمعراج هي ملك يمين هؤلاء الحكام حتى يُفتي فيها كل من يحاول الحصول على الزعامة وكسب الشعبية من خلال التمسح بقضية فلسطين؟ ثم هل يُتهم من يسوّق للحل الأمريكي بدولة على حدود 67 عاصمتها القدس الشرقية، بدل تلبية نداء أهل غزة الجريحة بغير الخيانة العظمى؟

إن غزة تستنصر جيوش المسلمين عاجلا غير آجل، وتشكو إلى الله تخاذل الحكام ممن جعلوا من مأساة أهلنا في الأرض المباركة موسما للمزايدات السياسية والمتاجرة الرخيصة بقضية فلسطين، فظلوا ينتظرون إراقة شلالات من الدماء ليضعوا السم في الدسم ويسوّقوا للحلول الاستعمارية التي تهدف إلى تصفية قضية فلسطين، وأمثلهم طريقة من اقترح تهجير سكان غزة إلى صحراء النقب! ثم يظهرون أمام شعوبهم في مظهر الزعماء الأبطال المنتصرين للقضايا العادلة! ألا تبت أيدي كل المتخاذلين المتآمرين.

أما جيشنا الأبي في تونس، فقد نال شرف المشاركة في حرب أكتوبر 1973 الشهيرة، وقد تنادى جنوده الأبطال لتلبية نداء الواجب، فقاتلوا أعداء الله مقبلين غير مدبرين، وقد بلغ صوت التكبيرات عنان السماء، ورغم أن الجيش المصري قد استطاع تحطيم أسطورة خط بارليف الدفاعي، إلا أن أمريكا تدخلت لتحول النصر إلى هزيمة ثم تفرض شروط الحرب وتقود الجميع نحو سلام مزعوم مخيب للآمال وخيانة عظمى تواطأ فيها حاكم مصر.

وإنه اليوم على نصرته إخوانه وتغيير المعادلة لأقدر بإذن الله، متى اعتصم بحبل الله وحده ووعى على مكائد أمريكا، بل إن تحركه وتلبيته للنداء سيكون لها حتما ما بعدها بإذن الله، وملهما لبقية جيوش المنطقة.

ختاما، أهل غزة لم يطلبوا غير تحرك المخلصين في الجيوش وهم كثر بفضل الله، لا يمنعهم إلا تآمر الحكام الخونة مع أعدائهم، وإن الحد الأدنى من مواقف الدعم والتضامن مع أهل غزة، يقتضي قطع العلاقات مع رأس الكفر أمريكا وغلق سفارتها وتعليق الاتفاقيات الخيانية معها، وفي مقدمتها تلك الاتفاقية العسكرية المشؤومة مع نظام قيس سعيد والتي لا نعرف عنها شيئا منذ توقيعها في 2020/09/30!

أما عن الأرض المباركة، فقد كانت في يد الخليفة عبد الحميد الثاني رحمه الله ولم يسمح بأن تصبح قضية وقال إنها ملك المسلمين... لأنها ليست ملك الرويبضات من الحكام حتى يسوق لنا أحدهم حلول المجتمع الدولي المنافق، أو يحمل لواء حقوق الإنسان نيابة عن أسياده وأوليائه، إنما هي ملك للمسلمين جميعا والمطلوب هو تطهيرها من رجس يهود، ولا يطهرها إلا الطاهر التقي النقي، أما من أصابته لوثة الرجس والعمالة والنجاسة الغربية من دعاة حروب التحرير الوطنية، فحري به تطهير نفسه أولا، قبل الحديث عن التحرير، فتحرير المسجد الأقصى شرفٌ عظيم لا يناله الحكام العملاء ممن تعلقت قلوبهم بالرايات الوطنية، بل يناله عبادٌ لله يجاهدون في سبيل الله تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله ولا يخافون في ذلك لومة لائم، ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾.

روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ فَيَقْتُلُهُمْ الْمُسْلِمُونَ، حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوْ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللهِ، هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ».

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. وسام الأطرش – ولاية تونس

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر