رداً على اقتراح توسيع نطاق اتفاقات أبراهام لتشمل الدول التركية
March 31, 2025

رداً على اقتراح توسيع نطاق اتفاقات أبراهام لتشمل الدول التركية

رداً على اقتراح توسيع نطاق اتفاقات أبراهام لتشمل الدول التركية

وجّه أكثر من 50 حاخاماً نداءً رسمياً إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتوسيع نطاق اتفاقات أبراهام لتشمل الدول الناطقة بالتركية. وفي رأيهم فإن هذه الخطوة تخدم تعزيز العلاقات بين كيان يهود والبلاد الإسلامية. اتفاقات أبراهام (Abraham Accords) هي اتفاقيات بين كيان يهود وعدة دول عربية للاعتراف الرسمي بـه وتطبيع العلاقات الدبلوماسية معه. وعلى الرغم من أن اللوبي اليهودي والحاخامات يقترحون توسيع اتفاقات أبراهام إلا أن أمريكا هي المعنية أكثر بهذه المبادرة، ويؤكد ذلك أن أولى الاتفاقيات الموقعة بين الكيان والإمارات نُفذت في البيت الأبيض بقيادتها. فشعوب الشرق الأوسط التي تمتلك ثروة تمثل 80% من الاقتصاد العالمي تتحدث بلغة واحدة وتدين بدين الإسلام.

لقد انكشفت عبثية الديمقراطية التي أدخلت في حكمهم وظهر فراغ سياسي مبدئي. ومن الواضح أن هذه العوامل ستؤدي بالمنطقة المقسمة بحسب القومية والوطنية إلى التوحد. وإن الغرب المستعمر الذي يقلقه ذلك يحاول أن يحافظ على كيان يهود الذي لا يعرف حدوداً في زرع الفتنة والفساد ولا في معاداة المسلمين. ويؤكد هذا الرأي رئيس أمريكا السابق جو بايدن الذي قال "لو لم تكن هناك (إسرائيل) لأوجدناها". يخدم كيان يهود أمريكا عبر توفير المعلومات السرية وتنظيم محاولات الاغتيال ضد القادة السياسيين المعارضين وغيرها من الأعمال الشنيعة. ولذلك فإن أمريكا تسمح له بالانتشار أيضا في المنطقة. في عام 2021 عندما تم توقيع اتفاقات أبراهام كان كيان يهود يسيطر على المناطق التي يسكنها الدروز والأراضي السورية التي تقع في الداخل بعيداً عن هضبة الجولان والآن عمل على توسيع تلك الأراضي، والغرض من ذلك هو تشكيل دولة يهودية بين المسلمين تمنع وحدتهم، وجعلها أقوى دول المنطقة. وبذلك يتجه الصراع الفكري والسياسي للمسلمين نحوها ويضعف العداء لأمريكا والغرب، وهي وبلاد المسلمين ستعتمد على أمريكا في حماية بعضها من بعض ويصبح اللجوء إليها لطلب مساعدتها كأنه هو الحل الوحيد.

لقد اختير اسم إبراهيم عليه السلام لهذه الاتفاقية المسمومة لتطبيع العلاقات مع كيان يهود عن قصد بناء على المخططات الخبيثة الماكرة، لأن إبراهيم عليه السلام هو أبو الأنبياء وقائد طريق التوحيد الذي هو أساس الشرائع كلها. بالإضافة إلى أن سيدنا محمداً ﷺ وغيره من الأنبياء ينتسبون إليه عليه السلام. إذن الهدف من اختيار اسم إبراهيم عليه السلام لهذا الاتفاق البغيض هو أن ينظر جماهير المسلمين إلى يهود الغاصبين بالاحترام وأنهم من أهل الكتاب وإيجاد النظر بعين الأمل إلى الاتفاقات التي توقع معهم.

بعد توقيع الاتفاق بين الإمارات وكيان يهود انقسمت الدول العربية والبلاد الإسلامية إلى فريقين: مؤيد ومعارض. أما المعارضون فهم إيران وماليزيا جزئيا وتركيا. بدأ نظام أردوغان بالضغط على الإمارات متهما إياها بتمويل محاولة انقلاب 15 تموز/يوليو 2016 واستمر تدهور العلاقات بين البلدين. وبعد أربع سنوات رأت تركيا أن أمريكا قد جمعت الإمارات مع كيان يهود في البيت الأبيض وهي إشارة إلى الخطر الذي يهددها. فقامت تركيا باستدعاء سفيرها في محاولة لخلق توتر سياسي بسبب تهديد مصالحها. لكن أردوغان الماكر قال إنه اتخذ هذه الإجراءات من أجل شعب غزة واتهم الإمارات بخيانة شعب فلسطين المظلوم. وبدأ كيان يهود في إظهار فوائد توقيع الاتفاقية معه. نسي كيان يهود "حسنات" تركيا أردوغان الذي حافظ على علاقاته التجارية معه حتى خلال حرب الإبادة التي كان يشنها على غزة! وعلى الرغم من أن الإمارات لا تطل على البحر الأبيض المتوسط إلا أن كيان يهود بدأ في جذب الإمارات إلى أعمال في هذه المنطقة المتنازع عليها مع تركيا. وافق الكيان على شراء الإمارات 50 طائرة مقاتلة من طراز F35 و18 طائرة بدون طيار من طراز MQ-9 من أمريكا. كما افتتحت الإمارات سفارة لها في تل أبيب ووقعت اتفاقية بشأن الجمارك والتجارة والسياحة وسُمح لها باستخدام التكنولوجيا الحديثة التي أنتجها الكيان. والآن دعونا نلقي نظرة على ما خسرته الإمارات منذ قبولها الاتفاقات الإبراهيمية. فهي لا يمكنها استخدام الأسلحة العسكرية المشتراة من الخارج إلا للدفاع عن مصالح أمريكا وكيان يهود! وفي سبيل ذلك فإن سفك دماء شعبها أو دماء المسلمين يُعتبر أمرا مشروعا عندها! وإذا لوحظت أي محاولة لاستخدام هذه الأسلحة لأغراض أخرى فإن واشنطن ستوقف هذه التقنيات. وتوقفت الإمارات عن تقديم الأموال لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى، ومنذ ذلك الحين تقلصت مساعداتها التي يقال إنها تساعد 6 ملايين فلسطيني.

ومع ازدياد عدد الدول التي قبلت هذا الاتفاق المسموم القاتل سقطت قضية حل الدولتين ووضع القدس من جدول الأعمال العربي. تشير المواد الافتتاحية للاتفاقات الإبراهيمية إلى مسألة الأمن ولكن لم يرد ذكر فلسطين بالاسم في أي مكان في المشروع. ولو كان الغرض من الاتفاقية هو تأمين السلام لكان التركيز على فلسطين أولا، بل إن الاتفاق يطلب التعامل مع القضية الفلسطينية بوصفها مسألة داخلية لكيان يهود وعدم التدخل فيها. لهذا السبب عندما قال ولد فلسطيني إنه سيشكو إلى الله الجيوش والقادة كان هؤلاء الحكام مشغولين بالدفاع عن كيان يهود وفقاً للاتفاقات الإبراهيمية!

وفي الختام نريد أن نؤكد بأنه لا يقترب من كيان يهود إلا تلك الأنظمة البلهاء المنخرطة في خصومات تافهة مع جيرانها، والحكام الخونة الذين هم تابعون لأمريكا ويريدون مساعدتها. إذا نظرنا من هذا المنطلق ولاحظنا التقارير المتداولة حول هذا الموضوع يتولد لدينا انطباع بأن اقتراح انضمام الدول التركية إلى اتفاقيات أبراهام جاء من أذربيجان. ولا يخفى على أحد أن نظام أذربيجان على اتصال وثيق مع كيان يهود، فهو الذي يزود كيان يهود المجرم بالنفط باستمرار. ومن المعروف أيضاً أن العلاقات بين أذربيجان وروسيا أصبحت باردة إلى حد ما في الآونة الأخيرة. وهذا بالتأكيد مرتبط بإسقاط روسيا طائرة مدنية أذرية. والأرجح أن يكون إلهام علييف قد طلب وساطة يهود لكسب الدعم الأمريكي وتعهد في المقابل بانضمام أذربيجان إلى الاتفاقات الإبراهيمية، وكذلك بإقناع نظامي كازاخستان وأوزبيكستان بالانضمام لها.

في حين إن هذا الأمر لا يزال على مستوى اقتراح غير رسمي في الوقت الحالي إلا أنه لا يمكن تجاهله، لأنه يعتبر خيانة كبرى لله ولرسوله ﷺ وللأمة الإسلامية. وعلى وجه الخصوص إنه عمل شنيع لرش الملح على جراح إخواننا المسلمين المظلومين في فلسطين المباركة. ولو كان لدى النظامين الكازاخستاني والأوزبيكي القليل من الشجاعة لكان عليهما أن يردا بقوة على مثل هذا الاقتراح بمجرد سماعه، لأن عرض الانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية إهانة وإذلال خطير للبلاد الإسلامية ولكل مسلم لديه قدر من العزة. ولكن للأسف وكالعادة لم تنطق هذه الأنظمة بكلمة بل اختارت صمت القبور. بالطبع لا ينبغي أن يكون هذا مفاجئاً، ففي نهاية المطاف فإن مقياسهم مبني على المصلحة وإذا كانت هناك أي فائدة يمكن أن تعود عليهم من هذا الاتفاق فلن يترددوا في الانضمام إليه.

إننا نحذر بشدة هذه الأنظمة التي يعتبر حكامها أنفسهم مسلمين! بما أنكم قد ارتكبتم بالفعل أكبر جريمة وخيانة باعترافكم بكيان يهود كدولة وإقامة علاقات وثيقة معها فلا تفكروا الآن حتى في أسوأ عمل وهو الانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية! مزعج ومقلق للغاية أنكم على الأقل لا تدينون مثل هذا الاقتراح المسيء! لا تظنوا أنكم ستُرضون المستعمرين الكفرة كأمريكا بهذه الفظائع وغيرها! واعلموا أن هؤلاء الكفار واليهود لن يرضوا عن المسلمين أبداً حتى يعرضوا عن الإسلام ويدخلوا في دينهم!

﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الرحمن الأوزبيكي

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في أوزبيكستان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر