رفع الحظر على القيادة ليس انتصاراً للمرأة السعودية
October 03, 2017

رفع الحظر على القيادة ليس انتصاراً للمرأة السعودية

رفع الحظر على القيادة ليس انتصاراً للمرأة السعودية


(مترجم)


"خطوة كبيرة إلى الأمام في مجال حقوق المرأة" و"يوم تاريخي" و"لحظة تاريخية" و"نقطة تحول في البلاد"... هذه هي التصريحات التي أدلى بها العديد من الناشطين في وسائل الإعلام والناشطين في مجال حقوق المرأة لوصف رفع النظام السعودي حظر قيادة السيارة على النساء في البلاد. وقد تم تكريم الملك سلمان وابنه ولي العهد محمد بن سلمان بالثناء على الصعيدين المحلي والدولي من أجل "هذه الخطوة التاريخية" لتحسين حقوق المرأة في المملكة على ما يبدو. لقد تم الاحتفال كما لو كان هذا الأمر هدية للمرأة!


أحقا ذلك؟؟؟!!! إلى أي درجة انخفضت توقعاتنا حيث أصبحت المرأة خاضعة لهذه الأنظمة الاستبدادية، حيث يلقون ببعض الفتات في طريقنا مما يملؤنا بالفرح والاحتفال، وحتى الشعور بالامتنان والإعجاب أو الاحترام تجاه هذه الديكتاتوريات التي قمعتنا بوحشية لعقود وما زالت.


هل نسينا أن هذا النظام ذو ملكية مطلقة، حيث يمكنه انتزاع حقوق النساء والرجال على السواء بأسرع ما يمكن، استنادا إلى نزوة الملك أو الأمير في السلطة في ذلك الوقت؟ هل نسينا أن النساء ليس لديهن صوت سياسي في ظل هذه الديكتاتورية ويعانين من الاعتقال والسجن لمجرد انتقاد السياسات الاستبدادية لهؤلاء الحكام غير الشرعيين المقيمين في الغرب؟ هل نسينا أن هذا هو النظام الذي اغتصب ثروات الأرض للاستمتاع بأنماط الحياة الفخمة، في حين زاد الفقر بين السكان؟ ولكن الأهم من ذلك، هل نسينا أن هذه ديكتاتورية قد سفكت دماء الآلاف من المسلمين في العراق وسوريا، وهي المسؤولة عن المجاعات والإبادة الجماعية للنساء والأطفال في اليمن؟ كل هذا بالإضافة للقوانين غير الإسلامية الصارمة التي تتعرض لها النساء في البلاد، مثل وضع حد سخيف للسن من 30-55 عاماً على النساء المسلمات السعوديات اللواتي يرغبن في الزواج من مسلمين غير سعوديين وإرغامهن على طلب الإذن من الدولة لمتابعة الزواج. هذا بالإضافة إلى حرمانهن من حقهن في منح الجنسية السعودية لأطفالهن، ومنع النساء المسلمات المغتربات من باكستان وبنغلاديش وميانمار وتشاد من الزواج من السعوديين.


بالتأكيد يجب أن ندرك أن هذا النظام الملكي المطلق الاستبدادي الذي يتنكر بكونه دولة إسلامية، ليس لديه أي اهتمام حقيقي برفاهية المرأة وليس لديه ذرة إيثار عند منحها حقوقها. بل تكون هذه الأعمال دائما لتحقيق مصالح شخصية ولها دوافع خفية، وبشكل أساسي تهدف لتعزيز حكمهم وإطالة قبضتهم على السلطة. والواقع أن رفع هذا الحظر ليس سوى حيلة متعلقة بالعلاقات العامة الرخيصة من جانب نظام ضعيف يكابد يائساً لتحسين صورته على المسرح العالمي ويسعى لاسترضاء نقاده الليبراليين في الغرب. إنها محاولة ضعيفة لتقديم أداء رخيص لحرف الانتباه عن الظلم الذي ما تزال تعاني منه النساء في البلاد، وعن فشل النظام السياسي والاقتصادي وعن الوحشية في البلاد المجاورة. وذلك يشبه اللفتة الفارغة التي تسمح للمرأة بالتصويت في مجالس البلديات التي لا طائل منها، أو أن تكون جزءا من مجلس شورى غير منتخب وضعيف، وكلاهما لا يمنح سلطة الشروع في أي تغيير حقيقي في حياة المرأة، ولا ما تسمى بـ"الامتيازات" يمكن أن تفعل أي شيء لتحسين الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمرأة في البلد من حيث القيمة الحقيقية. هذه الإصلاحات السخيفة هي مجرد تجميل لتحريف الحقائق لخلق جو من "الحداثة" أو "التقدم" في التعامل مع المرأة، في حين إن الواقع هو أن ذلك أبعد ما يكون عن الحقيقة!


وبدلاً من الإشادة بهذا المرسوم الجديد باعتباره نوعاً من الانتصار لحقوق المرأة في البلاد، وإظهار الحكام السعوديين والثناء غير المبرر عليهم... يجب أن نتأمل بالتأكيد أن هذا الحق للمرأة في القيادة، والذي يسمح به الإسلام، لم يكن لهم الحق في سلبه في ابتداء! ومن المؤكد أننا نطرح السؤال... من الذي أعطى هذا النظام غير الشرعي الذي يتبع الغرب الحق في أن يقرر ما إذا كان سيمنح أو يحظر الحقوق التي يضمنها الإسلام بالفعل للنساء أو الرجال؟ في الواقع، ما هي الشرعية التي يملكها هؤلاء الحكام المعيّنون من الأجانب، للبت في أي مسألة تتعلق بهذه الأمة؟


وعلاوة على ذلك، ألم نكن هنا قبل...!! الديكتاتوريون يستخدمون حقوق المرأة كستار من أجل تحقيق أجندات سياسية... وبشكل أساسي لحشد الدعم من العناصر العلمانية الليبرالية من حكوماتها العامة والغربية لتعزيز قبضتهم على السلطة والحفاظ على أنظمتهم، وكذلك لإخفاء الطبيعة الحقيقية لأنظمتهم العلمانية القمعية! وقد كتب (ماداوي الرشيد) وهو أستاذ زائر في مركز الشرق الأوسط في كلية لندن للاقتصاد، في مقال نشرته صحيفة الجارديان بتاريخ 27 أيلول/سبتمبر "إن الأنظمة الاستبدادية اليوم ستفوز بمزيد من الثناء حيث يبدو أنها تحرر النساء المسلمات من قمع الإسلام. السعودية ليست استثناءً... إنهم يعتبرون أنفسهم محررين لهذه النساء المضطهدة في حين يتم إظهار المجتمع بأنه مضطهِدهن. وعلى وجه الخصوص وفي الآونة الأخيرة تم وصف الإسلام والشريعة الإسلامية أنهما سبب معاناة المرأة".


حاول الدكتاتوريون في تونس مثل بورقيبة وبن علي تقديم أنفسهم كأبطال للنساء من خلال الدفاع عن المفهوم الغربي للمساواة بين الجنسين، ومن خلال العلمانية وتحرير القوانين الاجتماعية الإسلامية المتعلقة بالمرأة والحياة الأسرية، على سبيل المثال عن طريق إلغاء تعدد الزوجات، وإضفاء الشرعية على الإجهاض، ومهاجمة مفهوم ولاية الرجل. وفي الوقت نفسه، تعرضت آلاف الناشطات اللواتي تحدثن ضد السياسات القمعية للنظام للمضايقات والترصد والتخويف وحملات التشهير وتدمير الممتلكات والاعتداء الجنسي والإقامة الجبرية والاحتجاز التعسفي والسجن والاعتداء الجسدي، بما في ذلك التعذيب الذي ارتكبته السلطات التونسية. هذا إلى جانب منع النساء من ارتداء الحجاب في المدارس والمباني الحكومية ومضايقة النساء اللواتي يرتدين اللباس الإسلامي في الشوارع والأسواق. وكان الأمر مماثلاً لما فعله الدكتاتور المصري حسني مبارك الذي تنكر بكونه بطل حقوق المرأة في الوقت الذي تعرضت حياة ملايين النساء للفقر في ظل نظامه الرأسمالي الفاشل وسياساته وسرقته لثروة الشعب، وكذلك إسكاته للصوت السياسي لمن يعارضون حكمه القمعي من خلال المضايقات والاحتجاز والسجن.


وبالمثل، فإن رفع النظام السعودي حظر القيادة على النساء ليس متعلقاً بالتطور المفاجئ في حقوق المرأة من قبل مجلس آل سعود. لا، بل الهدف بعيد عن ذلك! فبدلا من ذلك هناك أجندات سياسية واقتصادية في اللعبة. ففي نيسان/أبريل 2016 أعلن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان عن مشروع "رؤية 2030" للنظام السعودي - وهي مبادرة تنطوي على مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية بما في ذلك الحد من اعتماد الدولة على النفط، وزيادة التوسع في القطاع الخاص غير النفطي والتنمية في المناطق مثل الرعاية الصحية والتعليم والبنية التحتية والترفيه والسياحة. ويهدف هذا البرنامج إلى محاولة إنقاذ الاقتصاد المتضرر الذي تأثر بشدة خلال انخفاض أسعار النفط العالمية، فالفقر يزداد في الدولة، ويبلغ معدل البطالة بين الشباب الآن 30٪، بالإضافة إلى تراجع عملة الاحتياطي الأجنبي بسرعة (وقد حذر صندوق النقد الدولي من أن السعودية لن يكون لديها المزيد من العملة الاحتياطية الأجنبية خلال 5 سنوات)، بل إن بعض المحللين صرحوا بأن هناك خطر الإفلاس المالي. في الواقع، ذكرت المجلة الإخبارية "The Week" في نيسان/أبريل 2016 أن السعودية قد تواجه اضطرابات وفوضى اجتماعية في وقت قريب بسبب تدهور الوضع المالي، مشيرةً إلى أنه "بدون النفط فإن الدولة السعودية ليس لديها إلا القليل من الممتلكات" الوضع سيصبح سيئاً!


إن مشروع "رؤية 2030" والتي وصفها العديد من المعلقين بأنها غير ممكنة في أحسن الأحوال وخيال في أسوأ الأحوال، ويتطلب تحقيقه زيادة مشاركة المرأة في سوق العمل. ويشير المشروع إلى هدفه المتمثل في زيادة عمالة الإناث من 27 في المائة إلى 30 في المائة بحلول عام 2030، الأمر الذي يتطلب توفير حرية تنقلهن داخل المجتمع. وبالتالي، فإن رفع الحظر على القيادة يخفض من القلق بشأن حقوق المرأة، ويعتبر محاولة يائسة لنمو اقتصاد منحدر بزيادة عدد العاملات!


وباعتبارنا نساء مسلمات، ينبغي ألا نرضى بالإصلاحات السياسية والمجتمعية الصغيرة، أو سراب التغيير السياسي، أو فتات الحقوق التي يلقونها لنا من قبل الحكام والأنظمة الاستبدادية لمحاولة استرضاء رغبتنا في إحداث تغيير حقيقي في أراضينا. إن الله أقر لنا من الحقوق أكثر من ذلك بكثير!


إن انتصارنا الحقيقي سيكون بتخليص أنفسنا بشكل كامل وإلى الأبد من هذه الأنظمة الاستبدادية التي تخدم المصالح الشخصية، وإقامة دولة تحترم وتقدر حقا مركزنا كنساء وحقوقنا التي قررها الله سبحانه وتعالى، والمذكورة في القرآن الكريم والسنة. دولة مسؤولة تماما وتجسد سيادة الشرع كمبدأ أساسي للحكم حيث لا يمكن للحاكم منح أو تجاهل الحقوق التي منحها الله للناس جراء نزوة. وهي دولة يتم فيها تشجيع النساء على التعبير عن صوتهن السياسي وانتخاب ومحاسبة من يحكمهن، وحيث يمكن لهن التحدث علانية ضد أي انتهاك لحقوقهن دون خوف. دولة تضمن كل الحقوق السياسية والاقتصادية والتعليمية والاجتماعية التي عرفها ديننا، فالنبي e قد حكم بذلك في المجتمع قبل 1400 سنة باعتباره رئيسا للدولة، بطريقة تفوق تلك الواردة في كافة نواحي الحياة والنظم. وهي الدولة التي ستكون الدرع الحامي للمسلمة ودمها وشرفها وممتلكاتها وجميع حقوقها كلما انتهكت. هذه الدولة ليست سوى الخلافة على منهاج النبوة التي هي القيادة الإسلامية الحقيقية التي حددها الله سبحانه.


لذلك أيتها النساء المسلمات، إذا كنا نريد حقا شيئا يبهجنا ونحتفل به، دعونا نضع جهودنا الكاملة في إقامة هذه الدولة المجيدة فورا، بدلا من أن يغرينا الفتات القليل! فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَأَنِ ٱحكُم بَينَهُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِع أَهوَاءَهُم وَٱحذَرهُم أَن يَفتِنُوكَ عَن بَعضِ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيكَ﴾ [المائدة: 49]

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير


د.نسرين نواز


مديرة القسم النسائي في المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر