رسالة أوباما لأهل السودان وأهمية الوعي السياسي
January 08, 2015

رسالة أوباما لأهل السودان وأهمية الوعي السياسي


بعث الرئيس الأمريكي باراك أوباما، الثلاثاء، برسالة تهنئة للشعب السوداني بمناسبة الذكرى الـ59 للاستقلال، وهي ليست المرة الأولى، وقال في رسالته "يحدوني الأمل في هذا العام بتحقيق السلام والأمن في كل أرجاء البلاد، التي كانت معبراً للشعوب والحضارات المتنوعة عبر التاريخ".


ووجه خطابه للسودانيين قائلاً: "بهذه المناسبة، تشاطركم الولايات المتحدة الأمريكية في تحقيق طموحاتكم لمستقبل مزدهر للسودان، متمنين لكم ممارسة حقوقكم وواجباتكم مواطنين بشكل كامل" شبكة الشروق 2014/12/31م.


ردود الفعل تجاه ذلك متفرقة ومختلفة وكلها تنمّ عن عدم وعي سياسي على الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في هذا الجزء من العالم الذي عانى وما يزال، بسبب سياسات أمريكا، ولنأخذ بعضاً من تلك التعليقات:


بعضهم لفت النظر للتعامل غير اللائق بمقام الرئيس البشير، وركزت تلك التعليقات على الضرب في شخصية أوباما انتقاما للبشير، لأنه لم يذكر اسم الرئيس البشير في التهنئة لأن مثل هذا النوع من الرسائل عادة ما توجه إلى رؤساء وملوك الدول، وهذا تقليد متبع حسب الأعراف والبروتوكولات السائدة. وهذا أعمق التعليقات مقارنة بالسطحية غير الطبيعية، نعم، من موقع على شبكة الإنترنت من شكر أوباما بطريقة تذكرنا بتلك المرأة التي أنشدت في ريغان الرئيس الأمريكي السابق لأنه أرسل إغاثة للمتضررين بالجفاف والتصحر، ودعت شبكة مراغا لأوباما، حيث كتب أحد مدونيها "الله يبارك فيك وشكرا على المعاملة الكريمة"!!!


عجبا لأمر هؤلاء ما لهم كيف يحكمون؟ إن الأمر ليس بين شخصية البشير وأوباما لأن الإدارة الأمريكية لا تضع خططاً ليوم أو يومين أو لفترة حكم رئيس، إنما هي استراتيجيات تنفذ، لهذا لا يهم من نفّذها أوباما أم نكسون، فكلهم أشخاص لا يؤثرون في الاستراتيجية، فمن السطحية أن يناقش الأمر بأن أوباما لم يحترم الرئيس وأنه سيعمل على إزالته وحكومته من الوجود، كما ظن البعض.


أما شر البلية فهو أن يقول أحد المسلمين لكافر "بارك الله فيك"! "إنه تعامل كريم من هذا الكافر أن يهنئ بالعيد الوطني"، فكيف يبارك الله في من كفر به تعالى!


وكل التعليقات تنم عن عدم وعي كافٍ للتعاطي مع تهنئة أوباما، هذا الرئيس الذي هو من ضمن استراتيجية أمريكية ترمي إلى تجميل صورة أمريكا عند الشعوب، بسبب بشاعة الصورة التي التصقت بالولايات المتحدة الأمريكية بسبب سياساتها الرأسمالية، فقد خلف أوباما بوش الابن، الذي كان واضح الخطاب مع المسلمين، ما أوجد كرهاً وتذمراً ضد أمريكا، فجاء أوباما ليزيل هذه الصورة فقام عدة مرات بتهنئة المسلمين بأعيادهم، بل دخل مع زوجته وهي ترتدي خماراً إلى أكبر مسجد في إندونيسيا ليبرهن على تسامحه، ولكنْ للسياسي الحصيف فهمٌ مستنيرٌ لكل ما يقوم به أوباما!


وجاء في موقع قناة العربية: "من جانبه أعرب الرئيس الأمريكي باراك أوباما عن سروره البالغ لقيام "شعب جنوب السودان بتحديد مصيرهم"، قائلا إنه "مسرور للغاية" لبدء الاقتراع بشأن الاستفتاء حول تقرير مصير الجنوب السوداني". فكيف ينظر لهذا الفرح والسرور لتقسيم السودان وتجزئته؟ بل بعد ذلك عمد الرئيس السابق كارتر على أخذ تعهد بإعفاء دولة جنوب السودان من الديون وصيرورة الديون للقسم الشمالي من السودان، وقال أيضا في مقابلة مع قناة العربية "تحدثت مع الرئيس البشير، قال إن الدين بأسره ينبغي أن يؤول إلى شمال السودان لا الجزء الجنوبي، لذا يمكن القول بأن جنوب السودان سيبدأ بصفحة بيضاء على صعيد الديون".


إذاً فما نعانيه اليوم من أزمة اقتصادية طاحنة جراء انفصال الجنوب هو بسبب أوباما، ثم يأتي ليمسح دموع معاناتنا بكلمات فارغة المحتوى! فأين السلام والأمن والبلد تعج بالحروب المصطنعة؛ التي خلفها التنافس الأمريكي الأوربي على السودان؟! صحيح أن السودان معبر الحضارات لأفريقيا، لكن بانفصال الجنوب بأيدي أمريكا وأذيالها أقفلت هذه البوابة التي لن تفتح إلا بدولة إسلامية يكون همها هو تطبيق الإسلام ونشره، أي حمله لغيره من الأمم والشعوب، دولة الإسلام التي توجد عند رعاياها وعياً سياسياً كافياً للتعامل مع كل صغيرة وكبيرة بما تغرسه فيهم من أفكار ومفاهيم إسلامية صرفة تجعل عقيدة لا إله إلا الله محمد رسول الله هي الأساس في النظر إلى العالم، لأن هذا ما يجلّي الحقيقة ويركزها ويجعل المسلم يناضل متبنيا الإسلام، ويحارب غيره ويصبح المسلم بهذا (ناراً تحرق الفساد ونوراً يضيء طريق الهدى)، كما يلزم تنزيل الأفكار على الوقائع بعيداً عن التجريد والمنطق، والنضال ضد المطاعن التي تهاجم مفهومه عن الحياة وضد مفاهيم الأعماق التي جاءت من العصور الغابرة وضد التضليل الذي يبثه الأعداء وضد اختصار الغايات السامية وتقزيمها إلى غايات جزئية، كما يجب أن يحذر من تسلط ميوله على الآراء والأنباء.


والوعي السياسي أمر في منتهى البساطة وهو ميسور لكل الناس حتى للأميين والعوام، فلا يظن أحد أنه شيء ضخم لا يستطيع أن يتمتع به إلا الأذكياء والمثقفون، لأن الوعي السياسي لا يعني الإحاطة بالإسلام كله، فمجرد وجود النظرة إلى العالم مهما كانت معارفه عنه قليلة أو كثيرة، وأن تكون هذه النظرة من زاوية خاصة يكفي للدلالة على الوعي السياسي عند من يحكم على مجريات الأحداث؛ فمثل تهنئة أوباما تلك يجب أولا النظر لأوباما ودولته التي تسيطر على العالم من زاوية العقيدة الإسلامية؛ فهو ودولته يحملون فكرة مضادة لفكرة الإسلام وهي الرأسمالية (فصل الدين عن الحياة) يتحكمون بها في كل العالم، وهي تنظر لأي شيء من ناحية المصلحة والمنفعة، فيتعاملون ببرغماتية مع كل العالم، وهذا هو مبدؤهم، لهذا ينشأ مباشرة في ذهن من يفكر بهذه الكيفية أن أوباما إنما يرسل تهاني للشعب السوداني بيوم الاستقلال لأن هذا الوضع هو وضع في صالحه، فوجود الثروات التي تُسيل لعاب أمريكا والموقع الاستراتيجي كما أسماه معبراً للحضارات، كل ذلك يجعل التعامل مع السودان بواقع أنه الولاية الواحدة والخمسين للولايات المتحدة، ويخاطبهم بأنه يتمنى لهم وضعا مزدهراً ونيل الحقوق والواجبات الوطنية الذي هو حريص عليها، لأن في دوامها دواماً لاستعماره لهم، والتحكم فيهم عن بعد وعن قرب بسياسة (فرق تسد).


فلو أن السودان ولاية من ولايات الخلافة الراشدة عندها لن يستطيع أوباما أن يهنئهم بهذا الوضع، لأنه سيخلع يده الآثمة التي مزقت السودان وسلبت الثروات وجعلتنا عالة على الدول، ولأن سلفه عندما كان السودان جزءاً من دولة الخلافة كان يدفع ضريبة لدخول سفنها مياه البحر الأبيض المتوسط.


صحيح أن الوعي السياسي يتفاوت قوة وضعفا تبعا لتفاوت المعارف عن العالم، وعن الأحداث السياسية، ويتفاوت كذلك بتفاوت المعارف عن الزاوية الخاصة، ولكنه كله وعي سياسي يؤدي النتيجة نفسها مهما تفاوت؛ وهي الارتفاع عن السطحية في السياسة والترفع عن التفاهة في النظرة إلى الأمور، فيكون الحكم على الأحداث حكماً فيه من الكياسة والفطانة ما يبهر العالم ويجعل تعامله مع المسلمين بقدرهم، وعلى هذا يتبين أن الوعي السياسي ليس أمراً خاصا بالسياسيين المفكرين حصراً، بل يحتم اعتناقهم للعقيدة الإسلامية أن يكون الوعي السياسي متجذرا في مجمل الأمة. والأمة هي التربة التي ينبت فيها الرجال فلا بد أن تمدهم بالوعي السياسي على أساس الإسلام لمجابهة الأخطار الخارجية بوعي صحيح، فتوضع المعالجات الصحيحة وليس كما نحن اليوم توضع لنا المعالجات وننفذ بذل ومهانة، بل تسمى سياسة الجزرة والعصا علانية ويرددها سياسيونا كما لو كانوا لا يعون على معناها!!


إن الطريقة لإيجاد الوعي السياسي في الأفراد والأمة هي التثقيف السياسي بالمعنى السياسي سواء أكان تثقيفاً بأفكار وأحكام الإسلام، أم تتبعاً للأحداث السياسية فيتثقف المجتمع بالأفكار والأحكام لا باعتبارها نظريات مجردة بل بتنزيلها على الوقائع وبتتبع الأحداث السياسية ليس كالصحفي ليعرف الأخبار، ولا كالمعلم ليعرف معلومات، بل بالنظرة إليها من زاوية خاصة لإعطائها الحكم الصحيح بعد ربطها بإحكام بغيرها من الأحداث والأفكار، فيوجد طبيعيا حشد من السياسيين المبدعين.


فمن دون التثقيف بالمبدأ والسياسة لا يمكن أن يوجد وعي سياسي، مما يعطل الأمة عن الاضطلاع بوظيفتها الحقيقية؛ وهي حمل الدعوة الإسلامية إلى العالم، ونشر الهدى بين الناس.



كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أم أواب / غادة عبد الجبار

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر