رسالة إلى المعتصمين أمام القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية
April 11, 2019

رسالة إلى المعتصمين أمام القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية

رسالة إلى المعتصمين أمام القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية

أيها المعتصمون أمام قيادة الجيش: ها أنتم تكسرون حاجز الخوف وتتخطون كل ما رسمه النظام لتبقوا مكبلين خاضعين له، بحراككم السياسي السلمي، ولأن التجربة لإسقاط النظام فشلت في السودان مرات عدة، وتم استنساخ ما هو أفشل منه، رغم سقوط الحكومات، وفشلت في بلدان الربيع العربى، وأتت بأمثال السيسي عميلا لأمريكا وصديقا مخلصاً ليهود، يقتل أهل مصر في سيناء وغيرها، ويسومهم سوء العذاب، وأبقت على بشار أسد في سوريا وهو يضاهي هولاكو في إجرامه، وجعلت اليمن وليبيا تدخلان في حروب مصطنعة، قضت على الأخضر واليابس... لأجل ذلك ولأجل بلوغ الثورة غاياتها، فلا بد من أن تأخذوا في الاعتبار الحيطة والحذر من الانزلاق والوقوع في المصير نفسه!

لا بد في البداية أن تعلموا يقينا أن لأي حراك سياسي أهدافاً وغايات واضحة مبلورة، يسعى منظموه للوصول إليها، وإلا كان العمل عبثاً، وإهداراً للتضحيات، والثائرون في السودان قد حددوا أول الأهداف بكل وضوح منذ البداية فكان شعار "تسقط بس" هو الهدف الذي يسعى له كل ثائر صدحت حنجرته بقول "لا" لنظام الإنقاذ، الذي فشل في تحقيق الحد الأدنى للحياة الكريمة، وإنه من الطبيعي أن يكون طريق الوصول لهذا الهدف وغيره واضحاً مبلوراً، لكي لا ينتهي العمل إلى حركة لولبية نهايته الفشل والإحباط.

ثم إن الكيانات السياسية والأحزاب التي تسعى لانتزاع زمام المبادرة لقيادة الثورة، هي لا تعرض على الثوار مشروعاً بديلاً، إلا من رحم العلمانية نفسه، التي حكمت بها الإنقاذ، وهي أن يحكم الشعب نفسه بماذا؟ بأهواء البشر، وأصبح الأمر ليس سعيا لتغيير حقيقي بل ترقيعاً وإحلال أشخاص مكان آخرين، مع استمرار نظام الحكم نفسه الذي لا يختلف كثيراً عما سبقه إلا أنه علمانية صريحة بدل العلمانية الملتحية.

إن الطريق الموصل لهدف إسقاط النظام يبدأ بتصوّر البديل الذي سيحلّ مكانه، فلا يُتصور أن تهدم بيتاً دون أن تمتلك تصوّراً عما ستبنيه بدلاً عنه، وكذلك فإن وجود هذا التصور لدى السائرين في هذا الطريق سيُحدد لهم كثيراً من معالم هذا الطريق، ويختصر كثيراً من الوقت والجهد ويجعلهم أكثر ثباتا وحنكة في التعامل مع المستجدات، وكذلك فإنه سيُبين لهم المخاطر والعقبات التي ربما اعترضت طريقهم، فلذلك كان اعتبار "تسقط بس" هدفاً ليس كافياً بل لا بد أن يقترن بالتصور عن النظام البديل الذي يجب أن يعرض على الناس لتنويرهم به دون أي تكتم أو حجب، وعندما افتقدت ثورتكم هذا التصوّر بدأت تتقاذفها أمواج التآمر المحيطة بالثورة، وأول ذلك خروج أحزاب من صلب النظام الحاكم أو المعارضة المنضوية تحته يهتفون بشعارات الثورة! فإن رضيتم بهؤلاء داخل ثورتكم فاعلموا أن سفنكم قد رست على برّ العمل لإسقاط النظام دون بديل يقود لتغيير حقيقي، وهذا يعني أنه حسب الواقع ستتبنون معالجة الواقع حسب ما يتطلب من معالجات بالواقع نفسه، وهذا حال من افتقد التصوّر، أما من أخذ تصوّره ورؤيته من العلمانية وصرح بفصل الدين عن السياسة والحرية والمساواة بين الجنسين مثل تجمع المهنيين فذاك قد أوحلت قدماه في قاع الأرض فلن يستطيع أن يسير في طريقه لأنه يُردد أساطير الغرب ظانّاً أنهم سيساندونه يوماً ما ولأنهم خُدعوا بشعارات براقة تدّعي زوراً أن الحل هو أن نتبع الغرب شبرا بشبر وذراعا بذراع وأن نجعله قبلة الأنظار!

لهذا كلّه وغيره كان لا بد للثائرين في السودان أن يمتلكوا تصوّراً عن النظام البديل حتى يحفظوا أنفسهم وثورتهم من الضياع في متاهات السياسة، ويتقوا شرّ ما يُحاك لهم في دهاليز السياسة، فيتلمسوا خطاهم نحو هدفهم بكل ثبات وإرادة، وإلا أجهضت ثورتهم رغم التضحيات والدماء الزكية التي سالت.

ويسبق هذا ويصاحبه التأكد من المسارعة إلى فك الارتباط القائم بأعداء الثورة الذين يسارعون بها للانزلاق في حبائل مختطفي الثورات الذين يركبون صهوة جوادها لأجل تطبيق العلمانية المقيتة بأنواعها المختلفة صريحة أو ملتحية، وتذكروا أن الالتفاف على الثورة حدث في كل ثورات ما يسمى بالربيع العربي وكل ثورات السودان منذ الاستقلال المزعوم، وما لم تحصَّن الثورة من هؤلاء فستُختطف وستزور إرادة الثوار وتروح تضحياتكم هدرا.

إن الثورات لا تنتصر إلا بالاعتماد على ذاتها وعدم الارتباط بالدول القائمة في العالم اليوم كلها، فهي لن تُحقق مصالحها فحسب، بل ستستخدم الثورة لتحقيق مصالحها، ولن تأبه هذه الدول لا بدماء ولا بأشلاء، ولا تعرف حقوق إنسان ولا إنسانية، وما ترفعه من شعارات ما هو إلا للخداع والتضليل الذي يخدم تحقيق مصالحها فقط.

إن الطريق إلى إسقاط النظام يبدأ بتبني مشروع الإسلام، وهذه الخطوة تُحدِّد ما يليها، فالإجراءات العملية التي ستُتبع في هذا الطريق تُحدَّد تباعاً فور السير في الطريق، فلا يقبل تدوير نظام الإنقاذ العلماني الملتحي، ولا تقبل دعوة للمشاركة في حلٍّ رسمت معالمه دولُ الغرب، أي كانت عروضه ولو بتنحي البشير بإحلال العلمانية الصريحة، فكذلك يُرفض مشاركة حركات والأحزاب المرتبطة بالتمويل الخارجي الذي يجر للتنازل عن الأهداف والغايات، ويجب أن تكون كل البدائل المطروحة مقيّدة بالحكم الشرعي فقط، دون النظر لمرضاة أحد من الناس، فيسعى الثائرون لجمع كلمتهم حول هذا المشروع، ويُوجهون جهودهم بخطة تُسقط النظام وتقيم البديل الأصيل؛ شريعة الإسلام دين رب العالمين.

 وأي حزب سياسي لا يملك مشروعاً سياسياً مستنبطاً من كتاب الله وسنة الرسول e، فهو أداة لإجهاض الثورة وهو غير كفؤ ليحل محل النظام البائد لأنه سيبدأ بالتجارب البشرية الوضعية نفسها التي يسيطر عليها الغرب، لهذا ندعو الثوار لتبنّي هذا المشروع المنقذ والمؤيَّد بنصر الله؛ مشروع استئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، بذلك تتضح معالم الطريق، وتبرز مراحله ومحطاته، ويحمل هذا المشروع في طياته كل التحوطات والتحذيرات من كل العقبات التي ربما تعترضه، وفوق ذلك هو مشروع سلكه رسول الله e في عمله لإقامة الدولة الإسلامية الأولى.

فالذي يجهض الثورات كما حدث في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا هو عدم تبني المشروع الإسلامي المُستنبط من الكتاب والسنة والذي سيُحدد لهم فيه برنامج وخطة العمل عالم الغيب والشهادة، كل خطوة سيخطونها وكل حركة يسيرون بها هي أحكام شرعية، فبتبني هذا المشروع يكون الطريق إلى إسقاط الأنظمة الطاغوتية سالكاً، وهذا التبني يتطلب قراراً ذاتياً من الثائرين أنفسهم، فإنه لا يستقر الدين ولا تُحفظ الأعراض ولا يقوم العدل إلا بإقامة الخلافة ونصب الخليفة لأن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: «وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً». وقال أيضا: «إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَىْ بِهِ» ولا بد من التوكل التام بلا رجوع، وبإيمان واعتقاد بوعد الله تعالى وبشرى الرسول e.

وبناء عليه لا بدّ أن نعلم أن طريق إسقاط الطغاة واستبدال شرع الله وحكمه بهم، هذا الطريق هو حكم شرعيٌ، يجب الالتزام به وبكيفيته، وهو طريقٌ محفوف بالمكاره والصعوبات، لا يصح للسائرين فيه أن يكلّوا أو يملّوا أو ييأسوا، فهو طريق المؤمنين العاملين، تجد تعليمات السير فيه في كتاب الله مسطورةً إلى يوم الدين، فهو قد خاطب المؤمنين مُحذراً من الهوان فقال عز وجل: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.

فإن كان هذا، كانت معية الله عز وجل وبهذا المنهج وطريقة التغيير الشرعية، وبهذه المعية من الله عز وجل، لن تتغلب قوى الأرض ولو اجتمعت على مُريد التغيير، لأن هذه الثورات التي قامت في بعض بلاد المسلمين هي ثورات أمة بالدرجة الأولى، ثم هي التعبير القوي عن إرادة التغيير عند أمة الإسلام الأمة الوحيدة التي تملك مشروعا سياسيا من عند خالق البشر، كتاب الله وسنة رسوله e.

فعلى الثائرين أن يسيروا مستنيرين بكتاب الله سبحانه وبسنة نبيه e فيلتزموا أوامر ربهم بعدم الركون للظالمين، وبالولاء للمؤمنين، واتباع سيد المُرسلين، والسير على نهجه في إسقاط الطغاة، فلا تنازل ولا هوان، بل ثبات على المبدأ وعزّة على الأعداء، وثقة بنصر ربّ العالمين، فمهما طال ليل الظالمين فلا بد أن يبزغ فجر عدل الإسلام، عندما تُقام الخلافة على منهاج النبوة.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الأستاذة/ غادة عبد الجبار- أم أواب

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر