صحّة الطّفل في تونس بين سراب الاتفاقيات الدولية وحقيقة الواقع الرّأسماليّ المُزري
March 26, 2020

صحّة الطّفل في تونس بين سراب الاتفاقيات الدولية وحقيقة الواقع الرّأسماليّ المُزري

صحّة الطّفل في تونس
بين سراب الاتفاقيات الدولية وحقيقة الواقع الرّأسماليّ المُزري


أعلنت وزارة المرأة والأسرة والطّفولة وكبار السّنّ عن احتضان تونس مؤتمرا أمميّا تحت عنوان "طفولة بدون تعذيب بدني" في حزيران/يونيو 2020 ليُشارك ضمنه أكثر من 700 خبير ومسؤول دوليّ، وذلك بإشراف منظمة الأمم المُتّحدة.


أوّلا: لعاقل أن يتعقّل فيربط بين حقيقة الواقع ومضمون القوانين والجلسات والمُؤتمرات التي لا تشرف عليها دولة تونس ولا هيئات تابعة ولا وزارات، بل "النّظام الرأسمالي العالمي" نفسه من يسهر على نموّها وتغلغلها داخل الأمّة، فلا ينفك يثبّت عروقه في كلّ المجالات ليكون آخر مشاريعه وآخر من في قائمة مخطّطاته هي الطّفولة، وإنّنا نعي جيّدا ما يُحاك في الكواليس المُظلمة، إذ تحلّ تونس المركز الأوّل عربيّا وأفريقيّا في مؤشّر حقوق الطّفل سنة 2019، في مقابل وابل من المعاناة وحالات الانحطاط التي يشهدها واقع الطّفولة اليوم، وهو أقل ما يقال عنه بأنّه واقع كارثيّ على جميع الأصعدة.


إنّ المعلوم ضرورة أنّ من أهمّ مقوّمات العيش لأجل بناء طفل سليم جسديّا وعقليّا ونفسيّا هي الصّحّة، وهي مؤشّر على دنوّ الأمم من ارتقائها، فعودة بنا نحو وضع الصّحة للأطفال بتونس لنجده حتما وضعاً كارثيّاً، فنجد الرعاية الاستشفائية تشهد نقائص ليست بالهيّنة بل هي بدورها المُسبّبة في عدّة مشاكل، ومن ذلك نقص التّجهيزات الّذي أودى بحياة الكثير من الأطفال والذي هو بدوره عادة ما ينجم عنه أخطاء طبيّة، فحسب تصريح للمُتفقّد العام بوزارة الصّحّة طه زين العابدين أنّ 40 مولوداً يهلكون من 100 ألف مولود سنويّا بسبب تقصير طبي أثناء عمليّة الولادة، وعلّنا لا ننسى حادثة "الكرتونة" في كانون الثاني/يناير 2019 التي ذهبت فيها حياة 12 رضيعا في سلّة مُهملات الدّولة بعد أن حمّلوهم إلى أهاليهم في "كرتونة"، فحتى الموت لا خشوع أمامه!


كما إلى اليوم لم تُفد البحوث الأمنيّة بمُلابسات القضيّة ومن المتسبّب وراء ملحمة جماعيّة باردة؟!


كما لا يُلقى كلّ الوزير على النّقائص في الجانب التّجهيزيّ للمُستشفيات، بل تُسجّل الإحصاءات تواطؤاً كبيرا من الإطار الطّبّي في عدم التّمحّص في الحالات المرضيّة المعروضة، وأشهر حادثة نستدلّ بها على هذا الطّرح هي حالة محمّد أمين الطّفل من مواليد أيار/مايو 2013 والّذي قرّرت عائلته ختانه بتاريخ تموز/يوليو 2014 ليغادر غرفة المشفى مشلولا وفاقدا لنعمة البصر جرّاء جرعة زائدة من التّخدير.


وحسب مُنظّمة الصّحّة العالميّة فإنّه قد تم استيراد لوالب القلب المنتهية الصّلاحية عبر "الكنام" والتي تورّطت فيها أربع مصحّات معروفة بتونس وذلك سنة 2016، ممّا يكشف لنا عن حقيقة وجود العصابات المُنكبّة على المتاجرة في الأرواح البشريّة مُقابل غايات نفعيّة مصلحيّة، وفي ذلك تسليط للضّوء على الحقيقة البشعة للنّظام الرّأسماليّ المُهيمن.


ولا ننسى أيضا ذكر حالات الاكتظاظ بالمستشفيات (معدّل 12/3 طفلاً وأمّاً تقريبا في الغرفة الواحدة) ممّا يسبّب تلوّثا يغيب فيه التّعقيم والنّظافة للغرف والأغطية والأسرّة ودورات المياه وبعض الأحيان للآلات الطبيّة نفسها فيصبح الطّفل المريض معرّضا للإصابة بمرض ثان (الزّكام، العدوى البوليّة، أمراض الجلد) أو كأقلّ تقدير لا يمكن أن نطلق على هكذا أماكن مخصّصة من الدّولة كمستشفيات ترتقي بصحّة الطّفل وكلّ الأفراد.


في المقابل تتفاقم الأخطاء الطبيّة، أمام سكوت مُطبق من الدّولة وتقصير في مُحاسبة الجُناة والمتورّطين في هذه الحوادث حيث سجّلت 570 قضيّة مرفوعة لدى المحاكم سنة 2015 من جملة 7000 حالة خطأ طبّيّ كلّ سنة وذلك ما أفادت به وزارة الصّحّة التّونسيّة لتسجّل أيضا 105 حالة وفاة سنة 2017 بسبب تعفّن بقسم أمراض الدّمّ نجم عن إهمال الإطار الطبي لهذا القسم لتتراجع في النهاية النسبة العامة للمطابقة لمتطلبات حفظ الصحة بالمستشفيات من 86٪ سنة 2015 إلى 51٪ سنة 2017، فماذا إذاً ننتظر من دولة جباية غيّبت دورها الرّعوي لشؤون النّاس ومصالحهم؟


إضافة إلى أنّ مستشفى البشير حمزة بالعاصمة تونس هو المستشفى الوحيد المخصّص لعلاج الأطفال على مستوى البلاد وهو بدوره يعاني من حالات اكتظاظ ونقص في الأدوية والمعدّات ممّا يؤثّر سلبا على صحّة الأطفال المرضى كما يؤثر أيضا على طبيعة العلاقة بين الأولياء والطّاقم الطبيّ، وذلك ما أفادت به طبيبة الأطفال سامية حمودة، وفي خضمّ هذه النّقائص والتّجاوزات الّتي يشهدها قطاع الصحّة للأطفال بتونس فإنّ ميزانيّة وزارة الصّحّة في قانون الميزانيّة لسنة 2019 قد قدّرت بـ20.055 مليار دينار، أي ما يعادل 5.04٪ من مجموع الميزانيّة العامّة، و80٪ منها تصرف نحو نفقات الأجور والتّصرّف، فيما تخصّص 269 مليون دينار لتطوير القطاع وبناء المستشفيات وتدعيمها في مقابل أن الدّين العمومي للوزارة قد بلغ أربعة أضعاف ميزانيّتها.


وكتلخيص عامّ لوضع الصّحّة في تونس، يدوّن الوزير السّابق للصّحّة في تدوينة له على موقع التّويتر: "ما لم يتمّ الوقوف جديّا وإصلاح قطاع الصحّة في 2019، فسنقول وداعا لمنظومة الصّحّة العموميّة في تونس".


وكما يقال "شهد شاهد من أهلها" فأيّ بيان وإثبات لحال المنظومة الصّحّيّة المُتآكل والمزري بعد هذا؟


تنصّ المادّة عدد 3 من الإعلان العالمي لحقوق الطّفل: "تكفل الدّول الأطراف أن تتقيّد المؤسّسات والإدارات والمرافق المسؤولة عن رعاية أو حماية الأطفال بالمعايير الّتي وضعتها السّلطات المُختصّة ولا سيما في مجالي السّلامة والصّحّة وفي عدد موظّفيها وصلاحيّتهم للعمل وكذلك من ناحية كفاءة الإشراف".


وتونس من البلدان الأعضاء للدّول الّتي تكفلها منظّمة الأمم المُتّحدة، والواقع أكبر شاهد على زيف القوانين الّتي تمرّر لنا عبر الحبل الغربيّ، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يدل على فقدان الدّولة سيادتها بفعل أيادي المستعمر الّتي لا شاغل لها اليوم إلاّ لعب دور المفعول به أو المُستهلك لكلّ منتوج قانوني غربيّ سواء تعارض مع عقيدة الإسلام أم وافقها!


فاتفاقية حقوق الطّفل الصّادرة في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 1989، قد فرضت في سياق إملاءات على تونس، فيما لا نرى أثرا لقوانينها - خياليّة المضمون - على أرض الواقع، لتليها وثيقة "عالم جدير بالطّفولة" الّتي تسعى من خلالها الجمعيّة العامّة للأُمم المُتّحدة إلى تثبيت أفكار وقيم تتعارض تعارُضا تامّا مع أحكام الإسلام ليصِل أثر هذا الإفساد إلى تونس عن طريق تحضير إدراج مادّة "التّربية الجنسيّة" الّتي تدعو صراحة لإباحة الإجهاض وتُشجّع ضمنيا على الزّنا (إدراج سياسات منع الحمل ببرنامج التّاسعة أساسي) والشّذوذ (إمكانيّة تقبّل أشكال أخرى للعائلة مثل: أب وأب وطفل يكوّنون أسرة)، بطابع غربيّ علمانيّ لا يعترف بالإسلام ولا يحسب له مكانة لرأيه الواضح والجازم في هذا المشروع.


إنّ هذا المُؤتمر الّذي تُخطّط له العصابة الغربيّة بالتّعاون مع سياسيين قد سلبوا الدّولة سيادتها إنَّما هو مثال آخر على عجز الطّبقة السّياسيّة في رعاية شؤون الطّفل من جهة عبر استيراد قوانين واتفاقيات غير مرغوب فيها من الأمّة ولا هي من ثقافتها الإسلاميّة المُتأصّلة فيها، ومن جهة أخرى يشير هذا الأمر على عمالة الدّولة ووصاية المُستعمر في أدق تفاصيل مستقبل الأمة وهي الطّفولة، فلو اطمئنّ الغرب على نهب الثّروات والتّدخّل في الشأن الاقتصادي والسّياسي والاجتماعي للدّولة، فإنّه قد ترك حيّزا من الجهد لرقبته، فيحنيها نحو النّاشئة الجديدة عبر إفسادها.


فهو على دراية بأهميّة "الطّفل" بالنّسبة للأمّة الإسلاميّة، فماذا لو كان ذخرا لها وجندا ضديدا عنيدا لمصالحه في الأراضي الإسلامية؟


إن المُتسبّب في كلّ هذه المعضلات إنّما هو نتاج وتحصيل حاصل لعلمانيّة النّظام وطابعه الرّأسماليّ في معالجة الأمور وذلك يعني فصلاً لعقيدة الأمة الإسلامية عن سياسة حياتها، فلم تورث هذه السياسة السيئة الإخراج غير طبقة سياسية هشّة وعميلة للغرب المستعمر، طبقة سياسيّة تفرح وتضرب الطّبول لتتويجات مهداة لها من العدوّ في حين إن الواقع مخالف تماما لظاهر هذه الاحتفالات والتهاني، فمن جهة فإن دولة تونس دولة علمانيّة تفصل الدين عن السياسة، ومن جهة أخرى تسارع لهاثا في استيراد مناهج وعقائد ووجهات نظر غربيّة بطابع ليبيراليّ دينه النّفعيّة والمصلحة، يرفضه أهل الزّيتونة خاصّة وأمة الإسلام عامّة بطبيعة أنّه يتعارض كليا مع أصل عقيدتنا وذلك ما تسبب بشقاء الطفولة كإفراز طبيعي وتلقائي لعلمانيّة الدّولة.


إنّ الطّفولة اليوم بتونس مهدّدة بالإتلاف والعبث، ليس في الجانب الصحّيّ فقط وليس في تونس فقط، بل في كلّ البلاد الإسلاميّة ولا حلّ للحدّ من هذه المُؤامرة إلاّ بسيادة الدّولة، ولا سيادة للدّولة إلاّ بنظام الإسلام العظيم الّذي بسياساته يقطع دابر عداء غربيّ. فتوفير الصّحّة في دولة الإسلام هو حُكم شرعيّ ينفّذه الحاكم خدمة للرعية جميعا لتكون هذه السلطة ذات وظيفة رعويّة، لا جبائية رأسمالية تسيّرها النّفعيّة والمصلحة، فلا سبيل للطفل بحياة كريمة وصحّة سليمة وأسرة متينة كما أرادها له الله عزّ وجلّ إلاّ بالإسلام حتّى تعود للأمّة عزّتها وللرّاية رفعتها.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
رحاب عمري

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر