August 12, 2009

سلسلة قل كلمتك وامش -ذكرى هدم الخلافة - الأستاذ أبو محمد الأمين

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

لقد جرت العادة في مثل هذه المناسبة أن تذكر أسباب هبوط الدولة الإسلامية وانهيارها وكيف قضى عليها الكافر المستعمر وقام عملاؤه الخونة المجرمون بإلغاء الخلافة التي كانت تجمع المسلمين في دولة واحدة يرتفع عليها راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، وكيف تم تقسيم هذه الدولة العظيمة مترامية الأطراف إلى دويلات صغيرة بل إن بعضها أشبه ما يكون بالحارات في البلد الواحد حتى بلغ عدد هذه الدويلات أكثر من خمسين دويلة متناحرة متقاتلة.

إنني لا أريد أن أذهب في هذا المنحنى ولكنني أريد أن أبين وأقارن بن حال المسلمين في ظل دولتهم - دولة الخلافة- وكيف يعيشون هذه الأيام ومنذ أن هدم الكافر المستعمر الخلافة فأقول:

لقد عاش لمسلمون في دولة الخلافة في عزة ومنعة، لا ينازعهم منازع، وإن حصل فيقضون على من ينازعهم بالجهاد، فالجهاد كفيل بجعل المسلمين مرهوبي الجانب، حتى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم- قال: " نصرت بالرعب مسيرة شهر"، ويكفي أن نذكر الحوادث التالية لندلل على صدق ما نقول:

1-فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يأتيه وفد من عكل وعرينة فاستوخموا المدينة المنورة فأمر لهم بإبل وراع وأمرهم أن يخرجوا خارج المدينة فيأكلوا من لحومها ويتداوو بأبوالها، وما أن خرجوا حتى قتلوا الراعي، وأخذوا الإبل وهربوا، فأرسل - عليه السلام- نفرا ً من المسلمين فأرجعوهم. وفي المدينة أمر الرسول بإخراجهم إلى الحرة وهي منطقة خارج المدينة فأمر - عليه الصلاة والسلام- بسمل أعينهم وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وتركهم في الحرة يستسقون ولا يسقون حتى ماتوا.

2-وكذلك فإنه - عليه الصلاة والسلام- أمر المسلمين بحصار بني قريظة بعد حادثة الأحزاب لنقضهم العهد وتآمرهم مع قريش على المسلمين، وبعد الحصار استسلم بنو قريظة ونزلوا على حكم سعد بن معاذ -رضى الله عنه- الذي حكم فيهم حكما ً رضيه الله -سبحانه وتعالى- من فوق سبع سماوات؛ حكم أن تقتل المقاتلة وتسبى النساء وتصادر الأموال والسلاح.

3-وهذا أبو بكر الصديق - رضى الله عنه-، وأثناء حروب الردة قدم عليه وفد بني أسد وغطفان يسألونه الصلح فخيرهم - رضي الله عنه- بين حرب مجلية أو خطة مخزية، فقالوا: يا خليفة رسول الله، أما الحرب المجلية فقد عرفناها، فما الخطة المخزية؟ قال: تؤخذ منكم الحلقة والكراع، وتتركون أقواما ً تتبعون أذناب الإبل حتى يُرِيَ الله خليفة نبيه والمؤمنين أمرا ً يعذرونكم فيه، وتؤدون ما أصبتم منا ولا نؤدي ما أصبنا منكم، وتشهدون أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، وتدون قتلانا ولا ندي قتلاكم.

4-وفي معركة صفين بين معاوية بن أبي سفيان رحمه الله وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب- رضي الله عنهما- كتب ملك الروم إلى معاوية يعرض عليه المساعدة والوقوف بجانبع في الحرب فمتب معاوية إليه: " والله لئن لم تنته وترجع إلى بلادك يا لعين لأصطلحن أنا وابن عمي عليك ولأخرجنك من جميع بلادك ولأضيقن عليك الأرض بما رحبت".

5-وهذا أمير المؤمنين هرون الرشيد - رحمه الله تعالى- يكتب إليه نكفور إمبراطور الروم كتابا ً يطلب منه أن يرجع ما أخذ من أموال من الإمبراطور قبله ويهدد ويتوعد، فكتب إليه هرون الرشيد على ظهر كتابه: " من هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى نكفور كلب الروم: الجواب ما تراه دون ما تسمع"، وسار بجيش من المسلمين هزم فيه كلب الروم وأخذ منه الجزية كما كان يأخذ.

6-وهذا ملك بريطانيا يكتب رسالة إلى أمير الأندلس يرسلها مع ابنة شقيقه التي ذهبت للدراسة جاء فيها: " من جورج الثاني ملك إنجلترا والسويد والنرويج إلى الخليفة ملك المسلمين في مملكة الأندلس صاحب العظمة هشام الثالث الجليل المقام:
بعد التعظيم والتوقير نفيدكم أننا سمعنا عن الرقي العظيم الذي تتمتع بفيضه الصافي معاهد العلم والصناعات في بلادكم العامرة فأردنا لأبنائنا اقتباس نماذج من هذه الفضائل لتكون بداية حسنة في اقتفاء أثركم لنشر أنوار العلم في بلادنا التي يحيط بها الجهل من أركانها الاربعة، وقد وضعنا ابنة شقيقنا الأميرة (دوبانت) على راس بعثة من بنات الأشراف الإنجليز لنتشرف بلثم أهداب العرش والتماس العطف لتكون مع زميلاتها موضع عناية عظمتكم، وقد زودت الأميرة الصغيرة بهدية متواضعة لمقامكم الجليل أرجو التكرم بقبولها مع التعظيم والحب الخالص.

الإمضاء: من خادمكم المطيع جورج الثاني ".

7-وهذا المعتصم أمير المؤمنين تناديه امرأة من أقصى أطراف البلاد قائلة وآمعتصماه، فلما بلغه الخبر صاح لبيك ي أمة الله، وأخذ يعد الجيوش للثأر لتلك المرأة المسلمة، وأثناء إعداد الجيش جاءه المنجمون وقالوا له إن الوقت غير مناسب لغزو الروم الآن، وطلبوا منه تأجيل الغزو إلى ما بعد نضج التين والعنب، لكن المعتصم - رحمه الله- لم يستمع لقولهم، وقاد الجيش وانتقم لها بقتل أكثر من تسعين ألفا ً من الروم، مما أثار الشاعر أبا تمام وقال قصيدة طويلة يمجد فيها فتح عمورية حتى قال:

تسعون ألفا ً نضجت جلودهم قبل نضج التين والعنبِ
8-ولا ننسى الخليفة عبد الحميد خان - رحمه الله- آخر الخلفاء الأقوياء في الدولة العثمانية فإنه حينما سمع أن الفرنسيين سيقومون بعرض مسرحية تسيء إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم- كتب إلى حكمة الفرنسيين طالبا ً عدم عرض المسرحية فامتثل الفرنسيون للطلب، وقررت الحكومة البريطانية عرضها فكتب لهم السلطان - رحمه الله- كما كتب للفرنسيين من قبل فأجابته الحكومة البريطانية بأن بريطانيا بلد ديمقراطي لا تستطيع منع عرض المسرحية، فكتب لهم مهددا ً بأنه سيذيع على جميع المسلمين في العالم بأن بريطانيا تسيء للرسول - صلى الله عليه وسلم- وأنه - أي السلطان- سيعلن الجهاد، فرضخت الحكومة للأمر و لم تعرض المسرحية.

إن ما تقدم إنما هو غيض من فيض وأمثلة قليلة على العزة والمنعة التي كان يعيشها المسلمون، وكيف كان خلفاء المسلمين يتصرفون بكل عزة وقوة وكيف كان أعداؤهم ينظرون إليهم ويخاطبونهم.

أما اليوم وبعد أن هدمت الخلافة وتفرق المسلمون شذر مذر فإننا إذا ما تلفتنا حولنا نجد أول ما نجد أن بلاد المسلمين التي كانت بلدا ً واحدا ً ذات كيان واحد يظلها خليفة واحد يرعاها بكتاب الله - سبحانه - وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم- نجد هذا الكيان الواحد أصبح أكثر من خمسين كيانا ً هزيلا ً يتبع الغرب الكافر، وقد أقام الكافر على هذه الكيانات عملاء مأجورين له سماهم حكاما ً وملوكا ً وأمراء ورؤساء جمهوريات يحرسون ما أقام الكافرون وينفذون ما يريد الكافر المستعمر من سياسات.

والأنكى من ذلك وأخطر أن دعاة الكفر خرجوا من جحورهم وصار لهم سوق بين المسلمين تحميهم قوى النظام الكافر الذي يجثم فوق صدور المسلمين، وصدق شوقي - رحمه الله تعالى- حينما قال ضمن قصيدته الغراء في رثاء الخلافة:

ولتسمعن بكل أرض داعيا ً يدعو إلى الكذاب، أو لسجاح ِ
ولتشــهدن بكل أرض فتنة ً فيها يبـاع الديــن بيـع سمـاح ِ

فهؤلاء حكام باكستان الخونة ينفذون أوامر أمريكا فيقتلون الآلاف من المسلمين في بلادهم ويشردون الملايين ثم يقفون ويطلبون أجرتهم من أوروبا وأمريكا على قتل المسلمين فيقف ما يسمى رئيس الوزراء، ويطالب أوروبا بإمداده بالمال والسلاح لإكمال مهمة قتل المسلمين، وقبل ذلك فإنهم مهدوا الطريق وساعدوا رأس الصليبية الحاقدة أمريكا على احتلال أفغانستان حيث قتلت عشرات الآلاف واعتقلت مئات الآلاف وعذبتهم ونكلت بهم.

وكذلك حكام الشمال الإفريقي وعلى رأسهم حكام مصر عملاء الأمريكان الذي يعملون سماسرة لليهود لتثبيتهم، ويقومون باعتقال كل من يدعو إلى الله - سبحانه- ويعمل على إعادة الحكم بما أنزل الله، ويعذبونهم عذابا ً شديدا ً حتى أن العشرات بل المئات ماتوا تحت التعذيب، كل هذا تعرض عنهم أمريكا الصليبية وتبقيهم على كراسي الحكم الهزيلة.

وكذلك حكام بلاد الشام جميعا ً، وحكام نجد والحجاز فإن السجون ملأى بالشباب المسلم، هذا عدا عما قتلوه بحجة محاربة الإرهاب.

أما الذل والضعف الذي يعيشه المسلمون في هذه الكيانات فحدث ولا حرج، فالأعداء الكفار يقيمون قواعدهم العسكرية في بلاد المسلمين فتنطلق منها جيوشهم وطائراتهم وصواريخهم لقتل المسلمين في كثير من بقاع العالم، والمسلمون لا يحركون ساكنا ً، وإن أرادوا فكل قوى الشر التي تخدم الأنظمة تقف في وجههم قتلا ً وسجنا ً وضربا ً وتعذيبا ً حتى يبقى الخنوع يسيطر على المسلمين فيقوم الكافر بنهب الثروات وتخريب البلاد، والأخطر في ذلك أن الأنظمة تناصب المسلمين العداء، وتعتبرهم أعداء لا رعايا حتى أضحى الأمر يذيب حشاشات القلوب ألما ً مما آل إليه أمر المسلمين بعد الخلافة وقديما ً قال الشاعر:

حتى المحاريب تبكي وهي جامدة حتى المنابر ترثي وهي عيدانُ
لمثل هذا يذوب القـــــلب من كمد ٍ إن كان في القلب إسلام وإيمانُ

هذا ما أردنا ذكره في ذكرى الخلافة التي هدمها الكافر على يد عميلهم المجرم مصطفى كمال تذكير المسلمين بالوضع الذي كانوا عليه من عزة ومنعة زمن الخلافة وما أفضى إليه حالهم من ذل وهوان بعد هدم الخلافة.

وفي الختام أسأل الله - تعالى- أن يوفق العاملين المخلصين لإعادة الخلافة التي بشر بها الرسول - صلى الله عليه وسلم-، وأن يهيء لهم على الحق أعونا ً وأنصارا ً إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أخوكم، أبو محمد الأمين

المزيد من القسم سياسة

يا علماء الأزهر: الشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار!!

ذكرت جريدة اليوم السابع في 26/10/2015م، أنها حصلت على نسخة من تقرير مهم لمرصد الأزهر الشريف أكد فيه "أن التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة "جائزة"، ما دامت ليست من قبيل الاستعانة بالمشركين على المسلمين طلبا لخذلان المسلمين، كما ذكر أن من مقاصد الشريعة عمارة الكون ولتحقيقها تمت الاستعانة بهم في نواح عديدة، منها الإدارية والصناعية والكتابية والقتالية وغيرها، واستدل بأن الرسول r استعان حينما هاجر إلى المدينة برجل مشرك ليدله على الطريق، وكان له غلام يهودي يخدمه بالمدينة، ولما قدم إلى المدينة كتب معاهدة بين المسلمين واليهود جاء فيها: (وأن بينهم النصر على من داهم يثرب)، ولما توجه رسول الله إلى مكة عام الحديبية ووصل إلى ذي الحليفة أرسل عينا له من خزاعة يأتيه بخبر قريش، وكان ذلك الرجل مشركا"، ليختم قائلا: "أما التحالف مع غير المسلم في مواجهة جماعة متطرفة تهدد أمن المجتمعات وسلامتها فعلينا هنا أن نفرق بين من يستعين بالمشركين على المسلمين طالبا خذلان المسلمين، قاصدًا هدم دولتهم، هادفًا إلى إضعاف شوكة الإسلام، كارها مبغضا لهذا الدين وأهله، فهذه الحالة نهى عنها ربنا تبارك وتعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وبين من يفعل ذلك ردا لعدوان فئة باغية لا يستطيع رد عدوانها وحده، مع احتفاظه بسيادة دين الإسلام في بلده ظاهرا غالبا، فلا مانع له أن يستعين بغير المسلمين تحقيقا لمصالح المسلمين؛ ولضرورة أمن المجتمع وسلامته".

من الواضح جدا أن الوضع في الشام يلقي بظلاله على المنطقة كلها، وأن هناك ترتيباً وتحضيرات لكي تصبح مصر مخلبا من مخالب أمريكا في الشام بإدخالها إلى حلبة الصراع كما فعلت في ليبيا من قبل، كجزء من حلف أمريكا في حربها الصليبية الجديدة بعد أن أوشكت روسيا على الفشل، وحتى لا يغضب أبناء الكنانة لتحرك جيشهم تجاه إخوانهم في الشام، ويكون هناك مبرر لقمع من يظهر الغضب منهم، فلا بد من مبرر قوي وفتوى شرعية لخداع أهل الكنانة وأبنائهم في الجيش حتى لا يؤرقهم فيما بعد تلوث أيديهم بدم إخوانهم في بلاد الشام، وبدلا من أن يصدر مرصد الأزهر وعلماء الكنانة بيانا وفتاوى تحرم تلك التحالفات على أبناء الأمة وتجرم الدخول فيها، وتبين وجوب نصرة أهل الشام وأهل فلسطين وغيرهم ورد كيد أعداء الأمة من أمريكا ويهود والغرب الكافر، أصدر المرصد تقريرا أجاز فيه التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة، ما دامت ليست من قبيل خذلان المسلمين، وكأن قتل المسلمين ليس خذلانا لهم أو أنه قد أصبح أحد مقاصد الشريعة، ولا ندري من أين أتى المرصد بهذه الفتوى وما دليله عليها؟! ولا عن أي شريعة وأي مقاصد يتحدث؛ فمقاصد الشرع تحفظ النفس المسلمة لا تقتلها بتحالف مع عدو الله ورسوله وعدو الأمة، والمعلوم من قول رسول الله r «إنا لا نستضيء بنار المشركين» ورده على المشرك الذي لحق بالجيش «إنا لا نستعين بمشرك»، أما الاستعانة في الأمور الإدارية فلم يرد تحريمها، وهي تختلف جملة وتفصيلا عن الاستعانة في القتال فضلا عن قتال المسلمين، والأصل فيها الإباحة ولا يجوز قياسها على قتال أهل البغي من المسلمين بأي حال من الأحوال، فهي ليست من الأمور الإدارية وإنما هي أحكام شرعية لأفعال الأصل فيها التقيد بأحكام الشرع المستنبطة من أدلتها، وما أتى به النص الصريح هنا في قتال طائفتين من المؤمنين ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّه﴾ فالأصل في قتال طائفتين من المؤمنين أن نعمل على الإصلاح بينهما ثم يقاتل المسلمون، والمسلمون فقط دون غيرهم، الفئة الباغية طالما بقيت على بغيها حتى تعود عنه، ولا يجوز لهم أن يستعينوا بكافر على إخوانهم بعدوهم أبدا، فكما في الصحيحين «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وحتى نفصل في الفتوى يجب أن نستعرض واقع الأمة اليوم؛ حيث لا وجود لدولة إسلامية بالمفهوم الشرعي بل كلها بلاد إسلامية يسكنها مسلمون، يحكمها حكام ضرار مغتصبو سلطة وضعهم الغرب الكافر على رؤوس البلاد والعباد لرعاية مصالحه ولقهر الأمة واستعباد شعوبها للغرب الكافر، وكل من حاول الانعتاق من التبعية والتملص من ربقة الغرب يتسلطون عليه بسلاح ثمنه من أموال وأقوات الأمة واصفين كل من حاول الانعتاق بكل أوصاف التطرف والإرهاب والخروج.

وهنا مع هذا الواقع يكون واجب الأمة خلع هؤلاء الحكام وتنصيب خليفة واحد تكون رئاسته عامة لجميع المسلمين ويحصل الحكم ببيعة شرعية صحيحة ويحكم الأمة بالإسلام كاملا شاملا غير منقوص، ويكون له وحده حق تبني الأحكام الشرعية وسنها دستورا وقوانين، بهذا فقط يكون لدينا دولة إسلامية من حقها وحدها قتال البغاة والخارجين، أما هؤلاء الحكام وعلماؤهم وعملاؤهم فهم مغتصبون لسلطان الأمة محاربون لله ورسوله وأوليائه، وهم آخر من يقيم للإسلام وأحكامه وزنا أو احتراما في بلادنا ولا علاقة لهم لا بالشرع ولا بمقاصده، وأول من يدرك ذلك هم العلماء قبل عوام الناس من أهل الكنانة وغيرها، فلا يجوز لهم أن يبرروا ويشرعنوا خياناتهم في تجارة بالإسلام واستغلال واضح لجهل الناس بأحكامه لصالح حكام السوء ومن خلفهم الغرب الكافر عدو الإسلام والمسلمين، والذي يبررون الآن التحالف معه لوأد ثورة الأمة في الشام وغيرها، في محاولة يائسة لمنع عودة الخلافة على منهاج النبوة والتي أصبح نجمها يعلو في الأمة بعمومها والشام خاصة، والتي فضحت العملاء وعلماء السوء وأبت إلا أن تكشف كل متلون مخادع، ولن يبقى ثابتا إلا من يستحقون بحق أن يكونوا كأمثال الصحابة وأن تقام على أكتافهم دولة خلافة على منهاج النبوة يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض.

يا علماء الأزهر الكرام وأحفاد العز بن عبد السلام سلطان العلماء، لا تكونوا أكثر الخاسرين فتبيعوا دينكم بدنيا غيركم، ولن ينفعكم حكام السوء أو يغنوا عنكم من الله شيئا، فكونوا مع الحق الذي تعلمون وطالبوا أهل مصر الكنانة وجيشها بخلع حكام السوء وإعلانها خلافة على منهاج النبوة، ونصرة أهل الشام وفلسطين وسائر المستضعفين من أبناء الأمة، فهذا دوركم ودورهم، فأنتم ورثة الأنبياء وهم جند الله ورسوله ودرع الأمة وحماة الإسلام فحرضوهم على نصرة الله ورسوله تفوزوا وإياهم ويكون لكم وللكنانة السبق في ركب الجنة.

يا أهل الكنانة وعلماءها وجيشها، يا من كنتم للإسلام درعا وحصنا وكان للإسلام بكم عزٌّ ومنعة من للإسلام، إن لم يكن أنتم من ينتصر لحرمات المسلمات غيركم من يحرر الأقصى دونكم، إن الأقصى والشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار وخلف عدو من أعداء الله ولخدمة الغرب الكافر ولفرض نفوذه ومخططاته ومنع عودة الحياة الإسلامية من خلال خلافة على منهاج النبوة، وإنما تنتظركم أنتم جند صلاح الدين تحت راية رسول الله r، تنتظركم ناصرين فاتحين محررين كما عهد بكم، تنتظركم بأسا شديدا على أعداء الله ورسوله وعزا لدينه ومددا لأنصاره، واعلموا أن نصر الله قادم لا محالة، فليكن بأيديكم أنتم وليكن لكم السبق للفردوس الأعلى مع أنصار الأمس فإنها الجنة، والأيام القادمة أيام فاصلة فانحازوا فيها لما يحب الله ويرضى وانصروا إخوانكم في حزب التحرير واحملوا معهم مشروع الأمة المنبثق عن عقيدتها خلافة على منهاج النبوة تنهي التبعية للغرب الكافر وتعيد عز الإسلام وأهله وتعيد بلادنا سيدة الدنيا كما كانت، اللهم اجعله قريبا واجعله بأيدينا.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله عبد الرحمن

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

نعمة الأمن والأمان في الأردن

نتغنى في الأردن بالأمن والأمان، وإذا ما تكلم بعضنا بوجوب نصرة الشام والأقصى رد علينا آخرون بقولهم أنتم تريدون إشاعة الفوضى في البلد والقضاء على الأمن والأمان، ألا ترون ما حدث لأهل سوريا ومصر وليبيا واليمن وغيرهم؟

أقول لمثل هؤلاء: إن نعمة الأمن والأمان والرخاء الاقتصادي كان يتنعم بها أهل مكة، فقد آمنهم الله من الجوع والخوف بينما كانت القبائل من حولهم يغير بعضها على بعض فيقع فيهم القتل والأسر، قال تعالى مذكرا إياهم أنهم كانوا في أمان بينما غيرهم يعيش في خوف ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ فماذا حدث لأهل مكة؟ هل استمر الأمن والأمان؟ هل حافظوا على نعمة الأمن والأمان؟ قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾.

أطعمهم من جوع: أمان اقتصادي... كانت خيرات الجزيرة العربية والشام واليمن تجبى إليهم في رحلتين سنويتين، رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام، وآمنهم من خوف: كانت القبائل تسعى إلى ودِّهم لأنهم أهل الحرم،كما أن الرحلة في الصحراء إلى اليمن جنوبا والشام شمالا دليل على الأمن الذي تنعَّم به تجار مكة.

ولما بعث رسول الله r إليهم طلب منهم أن يحافظوا على هذه النعمة، كيف؟

اسمعوا قوله تعالى ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ

إذن المحافظة على الأمن والأمان تكون بطاعة الله عز وجل، وتنفيذ أوامره سبحانه في الحياة العامة، في الحكم والاقتصاد والاجتماع والتعليم والسياسة الخارجية، وليس الاقتصار على تنفيذ أمر الله في العبادات والأخلاق والمطعومات والملبوسات فقط، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ أي نفذوا أحكام الإسلام كلها، فلا يجوز أن نقصر الإسلام على جزء منه ونترك الباقي خوفا من أمريكا وأوروبا وغيرهما من دول العالم.

فحتى نحافظ على الأمن والأمان يجب تغيير الدستور إلى دستور إسلامي وتغيير النظام الحاكم من نظام علماني إلى نظام إسلامي، وأن تسترد الأمة سلطانها وتختار حاكمها لتبايعه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله r... وفي ذلك تحقيق لعبادة رب البيت.

وأما عصيان الله وإعلان الحرب على أحكامه الشرعية فهو خسران الأمن والأمان، والحكم بغير ما أنزل الله خروج عن طاعة رب البيت، والتنسيق مع روسيا في حربها على المسلمين في الشام خروج عن طاعة رب البيت، والمشاركة في التحالف الصليبي خروج عن طاعة رب البيت، وإباحة الربا باسم الحرية الاقتصادية، وإباحة التعري والسفور والاختلاط والمثلية الجنسية باسم الحرية الشخصية خروج عن طاعة رب البيت، وترك قطعان يهود يمارسون عربدتهم في الأقصى خروج عن طاعة رب البيت، وتأييد نتنياهو في تركيب كاميرات التجسس خروج عن طاعة رب البيت، وخذلان أهل سوريا وتركهم لبشار وروسيا وإيران وحزبها في لبنان خروج عن طاعة رب البيت، وإرسال الجيش الأردني ليحارب المسلمين بدلا من توجيههم لمحاربة يهود وتحرير الأقصى وفلسطين منهم هو خروج عن طاعة رب البيت...

أهل مكة رفضوا دعوة الله فخسروا الأمن والأمان.

انقسم المجتمع إلى مؤمنين وكافرين... أصبح الأخ يعادي أخاه والابن يعادي أباه والزوجة تعادي زوجها والعبد يعادي سيده. عصا العبيد أسيادهم، وعصا الشعب حكامه، وسموا زعيمهم أبا الحكم بأبي جهل. وأمر الله نبيه والمؤمنين بتهديد أبي جهل ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ ثم أمره أن يعلن الوصف الحقيقي لأبي جهل ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ ثم يستأنف التحدي والتهديد والوعيد ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ثم أمر رسوله والمؤمنين بعصيان الحاكم المجرم وإعلان التمرد على دستوره ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.

لو دخل أبو الحكم في الإسلام وعبد ربَّه الذي أعطاه الأمن من الجوع والأمن من الخوف لما فرق مجتمعه، ولو آمن زعماء مكة لحققوا شرفا ما بعده شرف، ولظل ذكرهم معطراً خالدا، ولكنهم رفضوا الشرف واستغربوا وعد الرسول r بالانتصار على فارس والروم، واتهموه بالجنون، ففقدوا الأمن والأمان وقُتلوا في معركة بدر، أين هم الآن؟!.. في الجحيم والعياذ بالله وقانا الله وإياكم ذلك المصير. أما أولادهم الذين آمنوا بدعوة الإسلام فقد حافظوا على نعمة الأمن والأمان وأصبحوا قادة البشرية.

ونحن في الأردن إذا لم نعِ الدرس وندرك أن الحفاظ على الأمن والأمان لا يكون إلا بعبادة رب البيت... فسنخسر الدنيا والآخرة.. نعوذ بالله من ذلك... وها نحن نرى بعض البوادر في فقدان نعمة الأمن والأمان من انتشار العصابات والعنف في الجامعات والعشائر وفساد الدولة ونهب المال العام والفقر والبطالة... وإذا لم نعد إلى ديننا عودة حقيقية فسيستمر الخسران حتى نجد أنفسنا مشردين لاجئين كأهل البلاد من حولنا... لا قدر الله.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نجاح السباتين – ولاية الأردن