سلسلة قل كلمتك وامشِ- مشاهدات متصورة لأرواح الشهداء ح2 - غزة - الأستاذ أبي محمد الأمين
February 05, 2009

  سلسلة قل كلمتك وامشِ- مشاهدات متصورة لأرواح الشهداء ح2 - غزة - الأستاذ أبي محمد الأمين

في هذا الموضوع سنتحدث عن مشاهد متصورة فيها اجتمع بعض من أرواح الشهداء بإذن الله في الملأ الأعلى، وأخذت هذه الأرواح تتذاكر فيما جرى لها نتيجة عدوان غاشم لئيم من أجبن خلق الله، وكيف أن إخوانا ً لهم تركوهم لمصيرهم عزلا ً إلا من إيمان بالله وثقة بعفوه.

ابتدأت الأرواح مسيرتها متجهة إلى الجناح الغربي من العالم الإسلامي، على اعتبار أن مصر هي بمثابة القلب في العالم الإسلامي، فكان أول بلد وصلت إليه الأرواح هو ليبيا. أرادت بعض الأرواح أن تحط رحالها على أرض فقالت إحدى الأرواح لا حاجة بنا للنزول إلى أرض دنسها العملاء المتخاذلون بل يكفي أن نسبح في الفضاء الواسع وسنسمع ونرى من حيث نحن في فضاء الله الواسع. وافقتها باقي الأرواح على ذلك. أصخت الأرواح السمع لما يقال في هذا البلد المبتلى بحاكم عدو لله ورسوله، حاكم غيّر وبدّل في القرآن. حاكم أنكر السنة الشريفة، سنة الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- والذي وصفه رب العزة بأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

هذا الحاكم الذي تفوح مع أنفاسه رائحة الكفر النتنة يقف ويتبجح ويظهر رجولة كاذبة لا وجود لها في الواقع. يقول ويطالب الدول العربية بفتح باب التطوع لنصرة أهل غزة المعتدى عليهم، فهل فعل هو ذلك؟ هل فتح باب التطوع؟ هل أرسل قطعة سلاح مهما كانت لأهالي غزة ليدفعوا عن أنفسهم عدوان المعتدين؟ نعم، إنه فتح الباب على مصراعيه لمظاهرات التنديد والتأييد، التنديد بالعدوان والتأييد لأهل غزة، فماذا جنت غزة من هذا؟ إنه رغم الفم الكبير والجعجة التي لا تري طحنا ً لم يقدم شيئا ً لفلسطين، وإننا لم ننس بعد ماذا فعل في أبناء فلسطين الموجودين في ليبيا للعمل حينما جمعهم ورماهم في الصحراء، على الحدود مع مصر ليذهبوا إلى ياسر عرفات. لقد رماهم في الصحراء دونما ماءٍ أو غذاءٍ أو غطاء.

قالت الروح المستنيرة: كفى ما رأينا وسمعنا في ليبيا، فلننتقل إلى تونس الخضراء.

وصلت الأرواح إلى تونس وأطلت من عليّ ، فلم تجد اخضرارا ً في البلد، بل وجدت بلدا ً يبابا ً، لا خضرة فيه ولا روح، وما ذلك إلا لأن حاكمها المستبد عميل المخابرات الأمريكية، قام بتجفيف منابع الإسلام في البلد، وحارب كل ما يوحي بإسلام أو إيمان، حتى أن جامع الزيتونة الذي كان ينافس الأزهر في القاهرة لتدريس العلوم الشرعية لطلبة العلم والذي كان يعج بآلاف الطلاب، وإذا به مقفرا ً إلا ببضعة مئات من الطلاب يقوم بتدريس العلوم الشرعية فيه أساتذة علمانيون لا علاقة لهم بالإسلام وعلومه. أما بالنسبة للأحداث الجارية فإن الحاكم العميل لم يتكلم بشيء . أما مظاهرات التنديدِ والتأييد فكانت بشكل محدود جدا ً. صحيح أن المظاهرات لا تسمن ولا تغني من جوع، إلا أنها أضعف الإيمان لإبراز مشاعر الأخوة والتضامن.

قالت الروح: دعونا نترك هذا البلد، الذي لا يستطيع أن يعلن من يتزوج بالثانية من الزوجات مخافة المحاكمة والسجن، ويستطيع أن يعلن بالعشيقة والخليلة.

انتقلت الأرواح إلى الجزائر، بلد المليون شهيد كما يقال، البد الذي نال التأييد والدعم من كافة أنحاء العالم العربي والإسلامي أثناء ثورته للتخلص من الاستعمار الفرنسي. هذا البلد الذي يقتل ضباطه عملاء العلمانية الفرنسية أبناءه المسلمين الذين أرادوا أن يعودوا للإسلام حكما ً وتشريعا ً. لم تسمع الأرواح أي كلام من المسؤولين الجزائريين تنديدا ً بالعدوان ورفعا ً من معنويات أهل غزة الصامدين أمام العدوان اليهودي الإجرامي. وأكثر من ذلك وجدت الأرواح أن تحركات التأييد الشعبي لإخوانهم المسلمين في غزة كانت ممنوعة. وكم حاول بعضهم الحصول على إذن للتظاهر والنظام يرفض ذلك إلى أن سمح بذلك على استحياء بعد أربعة عشر يوما ً من العدوان.

قالت الروح: دعونا نرحل، وسنسمع الكثير الكثير من أرواح الشهداء الذين قضوا على أيدي عملاء الكفر والكافرين حينما نجتمع بهم في الملأ الأعلى.

 طارت الأرواح إلى المغرب، البلد الذي يحكمه أمير المؤمنين الذي وصلت إليه إمارة المؤمنين عن أبيه ورثها كابرا ً عن كابر، لن تسمع الأرواح شيئا ً من أمير المؤمنين ولا من بطانته المؤمنين أيضا، وجدت الناس ينزلون إلى الشوارع لتأييد أهل غزة والتنديد بالعدوان الغادر. لقد وجدت الأرواح حيوية في أهل المغرب رغم ما يلاقونه من إرهاب وتنكيل واعتقالات، ورغم الفقر المدقع الذي يعيشونه ولينعم أمير المؤمنين بالقصور الفارهة والحياة الباذخة التي لم يعرف التاريخ لها مثيلاً.

قالت الروح: دعونا نغادر البلد المنكوب بما يسمى أمير المؤمنين ظلما ً وعدوانا ً.

 وصلت الأرواح إلى موريتانيا آخر بلد في الجناح الغربي، فوجدت الأرواح مسلمين التهبت مشاعرهم لما يحدث، ولم يمض يوم إلا ومسيرات التنديد والتأييد تسير في الشوارع والأصوات ترتفع بالمطالبة بنجدة أهل غزة وإغلاق سفارة دولة اليهود العدوة في بلدهم، لكن حكامهم لم يستجيبوا لنداءاتهم، ولو عرف أهل المسيرة بحقيقة الأمور لما طالبوا بإغلاق السفارة وطرد السفير، لأن مثل هذا قرار يحتاج إلى موافقة السيد المستعمر الذي يتحكم في البلاد من وراء ستار.

قالت الأرواح: دعونا نذهب للاستراحة لنقوم برجلتنا القادمة في الجناح الشرقي من عالمنا الإسلامي، علنا نجد شيئا ً يثلج الصدور وإن كنا لا نتوقع ذلك.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أخوكم أبو محمد الأمين

المزيد من القسم null

تعمل الحكومة الكينية من جهة والمنظمات والجمعيات النسوية في كينيا من جهة أخرى على قدم وساق، في سباق مع الزمن، لتحقيق أهداف الألفية التي وضعتها الأمم المتحدة لبلدان العالم، آملة في الوصول للنمو والتقدم المنشودين. ويتمركز هذا العمل حول تحقيق المساواة الفعلية بين الجنسين في كافة المجالات، وإدماج المرأة بشكل كامل في كافة مؤسسات الدولة وجعلها شريكاً فعالاً في الاقتصاد والتنمية. وبينما تتباهى الحكومة وهذه الجمعيات بما تم تحقيقه من مكاسب، تتأمل فتاة صغيرة كسيرة أطلق عليها الإعلام المحلي اسم "ليز" من مقعدها المتحرك هذا الصخب وتلك الشعارات الرنانة والوعود الكاذبة بمستقبل أفضل للمرأة في كينيا، وشتان بين ما يدّعونه والواقع المرير الذي تعيشه "ليز" والكثير من نساء وفتيات هذا البلد الذي يصور كنموذج لبلدان القرن الأفريقي.


لا شك أن هذه الصورة البراقة للمرأة في كينيا تتناقض مع ما تنقله وكالات الأنباء عن أوضاع المرأة في كينيا، مثل الخبر الذي أورده الموقع الإنجليزي لمؤسسة تومسون رويترز نقلاً عن الديلي نيشن بتاريخ 28-10-2013 حول تعرض فتاة كينية في السادسة عشر من عمرها لاغتصاب جماعي وحشي من قبل ستة رجال أدى لعاهة مستديمة وضرر في العمود الفقري، وقد ألقى المجرمون بالفتاة في جارور مرحاض عام عمقه 6 أمتار بعد القيام بفعلتهم الشنيعة التي يعجز القلم عن سرد تفاصيلها. وقد ألقت الشرطة القبض على ثلاثة من الذئاب البشرية بعد تعرّف الفتاة عليهم، فما كان من الجهات الأمنية إلا أن أفرجت عنهم بعد أداء عقوبة بتقطيع عشب الحديقة الملحقة بقسم الشرطة!


لم يفاجئ هذا الخبر المتابعين لأوضاع المرأة في كينيا التي تتميز عن الدول المجاورة لها بانتشار العنف وخصوصاً العنف الموجه ضد المرأة، بينما تصل حالات الاغتصاب في العشوائيات لمستويات وبائية (تقرير منظمة العفو الدولية 2010)، وقد اعتاد أهل كينيا لسنوات رؤية ملصقات في الشوارع كتب عليها "احذري من الذئب البشري، لا تكوني آخر ضحايا الاغتصاب.. كل 30 دقيقة تغتصب امرأة في كينيا". وتنتشر جرائم الاغتصاب في أرجاء البلاد في ظل عادات ومعتقدات مهينة للمرأة ومجتمع مادي تسوده قيم النفعية والاستهتار بالضعفاء، فيما تهيمن الرأسمالية مصطحبة معها كالعادة قانون الغاب؛ حيث يُغيب صوت الضمير ويستبدل به صوت جهوري ينادي صاحبه "لا مجال للتردد طالما ستنفذ من العقوبة"!! شاعت الجريمة وعم البلاء حتى اعتاد الناس عليها ولم ير البعض فظاعة في هتك الأعراض وارتكاب جرائم العنف ضد النساء. ومما يدل على مدى هذا التهاون ما ذكرته الصحيفة الكينية أن أستاذ أحد المغتصبين اللذين تعرفت عليهم الفتاة "ليز" طلب من صاحب الشرطة تأخير القبض على الطالب حتى ينتهي من امتحاناته، وقد لبّت الشرطة هذا الطلب مما أعطى المتهم فرصة للتخفي. ولا يزال المغتصبون طلقاء يهددون حياة ضحيتهم ويتحينون الفرصة للفتك بغيرها.


بالرغم من المؤتمرات المعقودة والشعارات البراقة وتجميل الحكومة للصورة، تشعر النساء بعدم الأمان والغضب من فساد الشرطة وتهاونها في معاقبة المجرمين وكأنها تشجع على المزيد من الانتهاكات. هذا الغضب نتج عن سلسلة من القضايا التي أبرزت سلبية المجتمع وتهاونه في حماية المرأة ونتج عنها حملة شعبية منددة بقضية الفتاة "ليز" التي وصفت "بأسوأ عقوبة على جريمة اغتصاب". وقد نادى بعض النشطاء لوقفة جادة حتى تكون قضية ليز حدًّا فاصلاً ونهاية لهذه المهازل، وقد لاقت هذه المبادرة تجاوبا كبيرا؛ حيث وقّع أكثر من مليون ومائتي ألف شخص على عريضة تطالب باعتقال ومحاكمة ثلاثة مشتبهين، على خلفية اغتصاب جماعي للصبية "ليز". ويزعم البعض أن الحكومة ستلبي مطلبهم، ولكنهم يتناسون المفارقة الكبرى في قضية "ليز" وغيرها.. حيث إن الرئيس الكيني أوهورو كينياتا ونائبه وليام روتو يواجهان تهماً من محكمة الجنايات الدولية بتدبير أعمال عنف وقتل وجرائم اغتصاب عقب الانتخابات الرئاسية التي أجريت عام 2007 في كينيا. حيث أسفرت هذه الجرائم المروعة عن مصرع أكثر من 1200 شخص وتهجير 600 ألف من مساكنهم. إن المرأة بحاجة لمن يحميها من هذه الحكومة، فكيف تحتمي بها؟؟ المشكلة ليست في كيفية معاقبة أفراد مستهترين في جهاز الشرطة أو تغيير بعض الأفكار السلبية عن المرأة، إن المشكلة أعمق وأكبر من ذلك وتحتاج لتغيير جذري. مشكلة "ليز" وغيرها متشعبة ومتشابكة وتستدعي نظرة متكاملة للفرد والمجتمع والدولة.


تعيش كينيا كغيرها من البلاد المنكوبة بالقوانين الوضعية؛ حيث تتفاقم الهوة بين الواقع المرير وما توهمنا به هذه الحكومات الفاشلة والمنظمات والجمعيات من دعوات براقة لدمج المرأة في العملية السياسية وتفعيل دورها في الاقتصاد بقصد تحقيق الرقي. فهم يشغلون المرأة بتحقيق أهداف الألفية وهي في أمسّ الحاجة للأمن والأمان.. إنه ذرٌّ للرماد في العيون. يسحرون أعين الناس ويصورون لهم أن الرقي يكمن في تقلد المناصب العليا بينما لا تجرؤ المرأة على السير في الشارع دون أن يتعرض لها من في قلبه مرض! ثم أية أهداف تُرجى من أنظمة تؤذي شعوبها للوصول لسدة الحكم؟! إنه السراب بعينه.


كلما سمع المرء بقصص "ليز" وأخواتها خنقته العَبرة وهو يقول: ما أحوج البشرية لنظام الإسلام، ما أحوج المرأة للعيش في ظل حكمٍ رشيد يحفظ كرامتها ويوفر لها الأمان. هذا الأمان لا يتحقق بمناصب سيادية لبعض النسوة ولا بشعارات براقة ووعود كالسراب من منظمات لها مآرب أخرى ولا تكترث لدماء وأعراض أهالي المستعمرات. إن هذا الأمان غائب بسبب غياب فكر رباني يحمي المرأة وينظر لها كعرض يجب أن يصان، فتركز الدولة هذا الفهم في رعاياها وتوجد رأياً عاماً يحمي المرأة ونظاماً يردع كل من تسول له نفسه المريضة بأن يتطاول على أعراض الناس؛ وبهذا تتحقق الحماية الفعلية للمرأة على المدى الطويل. أما ما دون ذلك فلا يسمو لطموح المرأة كإنسان يقدم الأمن على ما سواه من مكاسب ويتوق للعيش بكرامة وعزة. ما سواه لا يعدو كونه عِصيَّ سحرة فرعون في اللحظة الفاصلة أمام عصا سيدنا موسى.


﴿قَالَ أَلْقُوا ۖ فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُ‌وا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْ‌هَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ‌ عَظِيمٍ ﴿116﴾ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ﴿117﴾ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿118﴾ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِ‌ينَ ﴿119﴾ وَأُلْقِيَ السَّحَرَ‌ةُ سَاجِدِينَ ﴿120﴾﴾



كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أم يحيى بنت محمد

في 30 سبتمبر 2013، أعلن رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان، عن حزمة إصلاحات ديمقراطية جديدة في البلاد. وكان أحد أهم التغييرات التي جاءت في الحزمة هو الرفع الجزئي للحظر القمعي للخمار (غطاء الرأس) عن موظفات القطاع العام في المؤسسات العامة، والذي تعرضت له النساء المسلمات لعقود عدة. وقد قدم رئيس الوزراء التوضيح التالي: "سنرفع الحظر المفروض على ارتداء الخمار في المؤسسات العامة عن طريق تغيير قانون اللباس. إن قانون "الهندام العام" الخاص بالموظفين العاملين في القطاع العام، تضمن بنودًا تقيد من حرية كل من النساء والرجال. وهو ما يعدّ انتهاكًا لحرية الفكر والعقيدة، ولحقوق العمل، وشكلًا من أشكال التمييز. ويتم استثناء اللواتي يتعين عليهن ارتداء ملابس رسمية، بمن فيهن العاملات في القوات المسلحة التركية، والشرطة، فضلًا عن القاضيات والمدعيات العامات". وهذا يعني بقاء الحظر ساريًا على العاملات في الجيش والشرطة والقضاء.


قد يشعر البعض أن هذا سببٌ يستوجب تقدير النظام الديمقراطي العلماني في تركيا والثناء عليه. إلا أنه ينبغي علينا أن نتذكر أن هذا الحظر قد تم تنفيذه في المقام الأول في ظِل النظام العلماني، وأنه ظَل ساري المفعول لسنوات عديدة تحت النظام الديمقراطي في تركيا، والذي بموجبه أجبرت الآلاف من النساء المسلمات للكفاح من أجل التزامهن بفرض من فرائض الإسلام الواجبة عليهن. ولا يزال الزي الإسلامي تحت نفس هذا النظام الديمقراطي العلماني، ممنوعًا في مختلف قطاعات المجتمع التركي. كما أنه تحت هذا النظام نفسه قد صدر حظر الخمار والنقاب في كل من فرنسا وبلجيكا وإيطاليا ودول علمانية غربية أخرى. فكيف يمكن لهذا الرفع الجزئي لحظر الخمار أن ينظر إليه باعتباره سببًا للاحتفال بالنظام الديمقراطي العلماني؟


فإذا كانت الديمقراطية نظامًا مفيدا حتى يتم تقديمه للنساء المسلمات، فلماذا تضطر الآلاف من النساء في الأنظمة الديمقراطية إلى الخروج إلى الشوارع والكفاح من أجل حقوقهن؟ إن الديمقراطية هي النظام الذي يتم تفسيره وتطبيقه تمامًا وفقا لأذهان أصحاب السلطة، وبالتالي فهو نظامٌ عارٍ على الإطلاق من أية موثوقية أو نزاهة. وإذا كان ممكنًا باسم الديمقراطية ارتكاب الكثير من الظلم ضد المرأة المسلمة، فما الذي يضمن أن الديمقراطية لن يتم إعادة تفسيرها من قبل السياسيين في المستقبل من أجل سحب هذه الحقوق الأساسية التي منحت للنساء مرة أخرى؟ وإذا كانت الديمقراطية تمتلك البنية الأساسية لتوفير العدالة للبشرية، فهل هذا يعني أن النساء المسلمات اللواتي يعشن خارج تركيا، في معابد الديمقراطية في فرنسا وبلجيكا وروسيا وكندا والعديد من الدول الغربية الأخرى حيث يفرض حظر اللباس الإسلامي بالقوة، هن لسن جزءًا من الإنسانية؟ ففي ظل مثل هذه الدول الديمقراطية العلمانية، حرمت النساء والفتيات المسلمات من الحصول على التعليم الجيد، ومن العمل، والرعاية الصحية، وحتى القدرة على التحرك بحرية داخل مجتمعاتهن، وذلك لمجرد أنهن رغبن في ممارسة معتقداتهن الدينية الراسخة؛ بعد أن تم الحكم على حقوقهن بكل وضوح بأنها تافهة وعديمة الأهمية!


وعلاوة على ذلك، فإنه ينبغي علينا أن نفهم أن حزمة الإصلاحات الديمقراطية هذه، وكما هو واضح من اسمها، لا تهدف إلى الامتثال لأمر الله سبحانه وتعالى، لأنها لا تزال تمنع النساء اللواتي يخدمن في القوات المسلحة التركية، وفي الشرطة والنظام القضائي من الالتزام بارتداء اللباس الذي أوجبه الله عليهن. وبالإضافة إلى ذلك، مع استثناء المدارس الثانوية الإسلامية، فإن الخمار للفتيات المكلفات شرعاً لا يزال محظورًا في جميع المدارس الأخرى. فإذا كانت هذه الحزمة الديمقراطية تجسد العدالة، فلماذا لم تشمل هذه العدالة هؤلاء النساء والفتيات أيضًا؟ وهذا يدل مرة أخرى على أن الديمقراطية هي نظام بشري مستند إلى القوانين الوضعية، وعلى هذا النحو فإنها تقف دائمًا في تناقض حاد مع نظام الله وستظل دائما معادية له. وعلاوة على ذلك، فإن النساء في تركيا الديمقراطية لا زلن يواجهن مستويات وبائية من العنف فضلًا عن الاستغلال الاقتصادي داخل مجتمعهن، وكذلك تعانين من معدلات الفقر المرتفعة والأزمات الاقتصادية، وهي المشاكل التي ما زالت لم تُحلّ لملايين النساء في جميع أنحاء العالم تحت النظام الديمقراطي العلماني. لذلك، فإن تقديم الرفع الجزئي لحظر الخمار من خلال هذه الحزمة الديمقراطية كما لو أنها قد رفعت القهر عن النساء المسلمات في تركيا واعتبارها نعمة موهوبة للمسلمين، هو خداعٌ ووهمٌ كاذب! وفي الواقع، فإن أي شيء آخر سوى التطبيق الكامل للإسلام سيؤدي حتمًا إلى ظلم المرأة والرجل على حد سواء، فالله سبحانه وتعالى يقول: ((وَمَن لَّمۡ يَحۡڪُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰٓٮِٕكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ)) [المائدة: 45]


وفوق ذلك فإن تركيا الديمقراطية، حتى في ظل حكم حزب العدالة والتنمية ذي الجذور الإسلامية، تبقى هي الدولة التي لا تزال فيها النساء اللواتي يأمرن بالمعروف وينهين عن المنكر ويعملن لإقامة حكم الله، وإعادة الخلافة، فتواجهن الاضطهاد والسجن. فلا هن، ولا أزواجهن، ولا إخوانهن، ولا آباؤهن أو أبناؤهن، سينالون أية فائدة من حزمة التحول الديمقراطي هذه. إن حزب التحرير، وهو حزب سياسي عالمي مبدؤه الإسلام ولا يستخدم العنف في عمله ويعمل لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الخلافة، فإنه ما زال محظورًا في إطار القانون الديمقراطي في تركيا. ولا يزال أعضاؤه يعتقلون بتهمة الانتماء إلى منظمة إرهابية، على الرغم من أن أسلحتهم هي فقط أصواتهم والعبارات التي تدعو إلى التطبيق الكامل للإسلام.


ولذلك فإن هذه الحزمة الديمقراطية ليست أكثر من حبوب مسمومة؛ يجبر السكان المسلمون في تركيا على ابتلاعها، وهي تخدم فكرة الحرية الشخصية في حين تضع طاعة الله سبحانه وتعالى في آخر اهتماماتها. إن الرفع الجزئي لحظر الخمار تبعته حملة "10 مليون توقيع للخمار" التي بدأت في بداية عام 2013، وحملة العصيان المدني التي حصلت بدعم من اتحاد نقابة الموظفين العموميين ميمور سين منذ آذار/مارس من هذا العام. وبالتالي فإن الهدف من تمرير مثل هذه القوانين هو بكل وقاحة لإيهام المسلمين بأن حقوقهم بممارسة الأحكام الإسلامية يمكن تأمينها من خلال العملية الديمقراطية ونظامها، وأنه ليست هناك حاجة لتطبيق نظام الله سبحانه وتعالى في الحكم حتى يعيشوا حياة إسلامية جيدة أو لتنظيم شؤون دولتهم. ومع ذلك، فإن الشمس لا يمكن أن تغطى بغربال! فمقارنة نظام الله سبحانه تعالى المثالي والسامي في حماية وضمان مبادئ الإسلام وتنظيم شؤون البشر، بالنظام العلماني الديمقراطي المعيب والفاسد والذي يسبب تعاسة لا توصف للنساء والرجال، للمسلمين وغير المسلمين على حد سواء، هو مثل مقارنة النور بالظلام. فالله سبحانه وتعالى يقول: ((وَمَا يَسۡتَوِى ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ (١٩) وَلَا ٱلظُّلُمَـٰتُ وَلَا ٱلنُّورُ (٢٠) وَلَا ٱلظِّلُّ وَلَا ٱلۡحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسۡتَوِى ٱلۡأَحۡيَآءُ وَلَا ٱلۡأَمۡوَٲتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُسۡمِعُ مَن يَشَآءُۖ وَمَآ أَنتَ بِمُسۡمِعٍ۬ مَّن فِى ٱلۡقُبُورِ (٢٢) إِنۡ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ)). [فاطر19-23] .


وعلاوة على ذلك، فإن حزمة الديمقراطية هذه لا تقدم أي حل للتعذيب والظلم والقهر، والذبح الذي تواجهه النساء المسلمات في جميع أنحاء العالم كما هو الحال في بورما وأفغانستان وفلسطين وكشمير وآسيا الوسطى، وباكستان، والصومال، وسوريا (جارة تركيا)، وهو واجب على هذه الأمة، وعلى أية دولة تمثل الإسلام حقًا أن تسرع في معالجته. ولكن بدلًا من ذلك، نرى استمرار الحفاظ على مبادئ تركيا القومية الفاسدة في البلاد؛ تلك المبادئ التي تجعل قادتها يديرون ظهورهم للمسلمين من الدول الأخرى في الوقت الذي هم في أمسّ الحاجة إليهم، ويعتبرونهم أجانب بدلًا من كونهم إخوة وأخوات لهم في الإسلام، فلا يحركون ساكنا لوقف إراقة دمائهم وإنهاء معاناتهم.


لذلك، فإنه بغض النظر عن عدد الحزم الديمقراطية القادمة، فإن هذا النظام لن يستطيع أبدًا أن يكون نظامًا عادلَا يزيل الظلم عن بنات هذه الأمة، أو يمكنهن من أداء كل الفرائض التي أوجبها الله عليهن والعيش وفقًا لأوامر خالقهن سبحانه وتعالى. والديمقراطية لن تكون أبدًا النظام الذي يوفر الحياة الكريمة لهذه الأمة، أو يحل المشاكل التي تواجها البشرية. وعلاوة على ذلك، فإن رمي الفتات لمسلمي تركيا لا يمكن أن يرضي رغبتهم في التغيير الإسلامي الحقيقي الذي يسعون إليه أو امتصاص غضبهم إزاء التقاعس عن حماية دماء أبناء أمتهم.


إن السبيل لحل مشاكل المرأة المسلمة وكل الناس لا يتوصل إليه من خلال الديمقراطية، بل فقط من خلال الإسلام. وفي الواقع، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا بقدوم مثل هذه الأنظمة غير الإسلامية وكيف ينبغي لنا أن نواجهها. فقد قال صلى الله عليه وسلم: «ألا إن رحى الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار، ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب، ألا إنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم إن عصيتموهم قتلوكم وإن أطعتموهم أضلوكم، قالوا: يا رسول الله كيف نصنع؟ قال: كما صنع أصحاب عيسى ابن مريم نشروا بالمناشير وحملوا على الخشب، موت في طاعة الله خير من حياة في معصية الله». [الطبراني، المعجم الكبير، المعجم الصغير].


إن دولة الخلافة، وحدها التي يمكنها أن تضمن حق المرأة المسلمة في ممارسة عقيدتها الإسلامية وأداء جميع فرائضها وواجباتها الإسلامية، بما في ذلك الالتزام بلباسها الإسلامي - الخمار والجلباب - دون مضايقة، أو خوف أو تمييز، لأن الخلافة القادمة بإذن الله ستكون على منهاج نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فقد أجلى صلى الله عليه وسلم قبيلة بنو قينقاع بأكملها، انتصارا لامرأة مسلمة. فالخلافة وحدها هي التي ستتعامل بأقصى درجات الحزم والشدة مع أي انتهاك لكرامة المرأة أو أي عمل من أعمال العنف أو الإساءة التي تضر بها، وتفرض عقوبات قاسية على كل من يعتدي عليها ويضر بها جسديًا أو يسيء لسمعتها. وستقوم الخلافة بحشد الجيوش للدفاع عن دماء وكرامة بنات هذه الأمة في سوريا وبورما وتحريرهن من الظلم الواقع عليهن. تمامًا كما فعل الخليفة المعتصم الذي أرسل جيشًا ضخمًا استجابةً لنداء امرأة مسلمة استنجدت به كانت قد اعتقلت وأهينت من قبل الرومان. فنظام الخلافة وحده هو الذي يلزم الحاكم أن يكون راعيًا لشعبه وبالتالي يتحمل الحاكم الأعباء الاقتصادية للمرأة على ظهره، ويضمن تمتعها بحياة آمنة ومستقرة ماليًا، وينقل لها المواد الغذائية بيديه إذا كانت جائعةً كما فعل الخليفة عمر بن الخطاب مع المرأة الفقيرة وأطفالها في المدينة المنورة. إنه فقط في ظل الخلافة يمكن للمرأة المطالبة بالعدالة دون التعرض للاضطهاد أو الإهانة أو الاعتقال، لأنها هي الدولة التي سوف تشجع النساء على أن يصبحن ناشطات سياسيًا، وستسهل عليهن، بدلًا من محاربتهن، أداءَ واجبهن الإسلامي في محاسبة الحاكم وستثمن آراءهن السياسية حق التثمين. ويعود هذا إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أحد الفرائض الأساسية التي أوجب الله سبحانه وتعالى على المسلمين والمسلمات القيام بها، قال تعالى: ((وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَـٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٍ۬‌ۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ)) [التوبة: 71].


ولذلك فإن النساء في ظل الخلافة سيصبحن قادرات على المطالبة بحقوقهن التي منحهن الله سبحانه وتعالى إياها، وسيتم تكريمهن لأدائهن هذا الواجب وذلك كما كان أيام الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فعندما أعلن عمر أنه يريد تحديد المهور، وقفت امرأة ورفعت صوتها أمام الملأ وانتقدت قرار عمر رضي الله عنه علانية، قائلة: "ليس ذلك لك يا عمر. كيف تقولها والله تعالى يقول: ((وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا)). فقال عمر: "أصابت امرأة وأخطأ عمر"، وتراجع على الفور عن قراره.


إن كل هذا مكفول وفقًا لقوانين الله سبحانه وتعالى، ولكن فقط من خلال تطبيقها بالكامل تحت النظام الإسلامي لدولة الخلافة، فإن هذا النظام وحده، الذي شرعه الله سبحانه وتعالى هو الذي يمكنه ضمان العدالة الحقيقية واتخاذ التدابير الحقيقية والفعالة ضد اضطهاد المرأة والبشرية جمعاء.


أخواتي العزيزات في الإسلام! إننا في حزب التحرير ندعوكن لدراسة كتبنا المفصلة الشاملة وكذلك مشروع دستور دولة الخلافة الذي أعده الحزب، لكي تدركن بالتفصيل مكانة المرأة وحقوقها في ظل حكم الإسلام. وإننا ندعوكن أخواتي العزيزات، وأنتن اللواتي ترغبن بصدق في الفلاح في الدنيا، وفي الآخرة، بأن تنأين بأنفسكن عن الأفكار والمفاهيم غير الإسلامية وعن تطبيق أي مبدأ غير الإسلام في حياتكن، وندعوكن بأن تعتصمن بحبل الله سبحانه وتعالى وتتبعن سبيله. قال تعالى: ((وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٲطِى مُسۡتَقِيمً۬ا فَٱتَّبِعُوهُ‌ۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦ‌ۚ ذَٲلِكُمۡ وَصَّٮٰكُم بِهِۦ لَعَلَّڪُمۡ تَتَّقُونَ)) [سورة الأنعام: 153].

أم خالد
عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير