سقف الصراع بين الهند وباكستان  محكوم بسقف السياسة الأمريكية واستراتيجيتها تجاه الصين
May 13, 2025

سقف الصراع بين الهند وباكستان محكوم بسقف السياسة الأمريكية واستراتيجيتها تجاه الصين

سقف الصراع بين الهند وباكستان

محكوم بسقف السياسة الأمريكية واستراتيجيتها تجاه الصين

يعتبر النظام العسكري الحاكم في باكستان تابعا لأمريكا، وما انفك قادته العسكريون يؤكدون موالاتهم لأمريكا باسم الشراكة الثنائية التي يطمعون في طول أمدها، فالنظام العسكري بباكستان أداة من أداوت السياسة الأمريكية واستراتيجيتها الكبرى في محاربة الإسلام وكذلك الهيمنة على أوراسيا لتحجيم وإضعاف منافسها الاستراتيجي الصين.

وكذلك هو نظام مودي بالهند؛ فقد انخرط كلية في السياسة الأمريكية لضرب الإسلام ولتحجيم واحتواء الصين، وصارت الهند مع مودي شقا رئيسيا في السياسة الاستراتيجية والجيوستراتيجية الأمريكية.

وكون نظامي باكستان والهند تابعين لأمريكا، وكون جيوستراتيجية الصراع بين الهند وباكستان تقع في منطقة أوراسيا الخطيرة وعلى حدود الصين الغربية، فإن الصراع الأخير بينهما يُقرأ ضمن دائرة السياسة الأمريكية، ويبقى سقف الصراع استراتيجيا وجيوستراتيجيا محكوما بسقف السياسة الأمريكية بمنطقة أوراسيا.

فأمريكا ترى في الصين أكبر تهديد لمصالحها وأخطر منافس لهيمنتها في أوراسيا، ولقد كانت الترجمة العملية لاستراتيجيتها في مواجهة الخطر الصيني، أن استخدمت دول آسيا والمحيط الهادئ لتطويق الصين بحزام ناري معادٍ، ووظفت شبه القارة الهندية وتحديدا الهند لهذا الغرض، وكانت الغاية تحجيم الصين كمقدمة لاحتوائها انتهاء بإضعافها.

الأمر الذي استدعى أمريكياً تعزيز قوة الهند وإضعاف خصمها باكستان وتحييد كشمير المحتلة وإخراجها من دائرة الصراع الباكستاني الهندي، وفرض الهند كقوة جيوستراتيجية بالمنطقة لمواجهة الصين، وظهر تخاذل وخنوع حكام باكستان التام للاستراتيجية الأمريكية إثر إعلان الهند في شهر آب/أغسطس عام 2019 أن كشمير المحتلة جزء من الهند.

لقد اعتُبِرت الهند دوما بالنسبة للسياسة الاستراتيجية الأمريكية كجزء من الإرث الاستراتيجي الاستعماري الغربي، بالأمس كانت الهند جزءاً من الاستراتيجية البريطانية واليوم تسلمتها اليد الاستراتيجية الأمريكية لتوظيفها في سياساتها ومشاريعها الجيوستراتيجية بمنطقة أوراسيا. ففي تقرير صادر عن وزارة الدفاع الأمريكية في تشرين الأول/أكتوبر 2002 ورد فيه "أن العسكريين الأمريكيين ماضون في خططهم للسعي للوصول إلى القواعد الهندية والبنى التحتية العسكرية... موقع الهند الاستراتيجي في وسط آسيا وكحلقة وصل بين الشرق الأوسط وأقصى آسيا يجعلها جذابة بالنسبة للجيش الأمريكي". وفي عام 2005 كان ممثل قيادة المحيط الهادئ أكثر وضوحا أمام أكاديمية الحرب الأمريكية حيث قال: "نحتاج للدعم الهندي الملموس لأن أهدافنا الاستراتيجية عالمية... لا يزال وضع القوة الأمريكية ضعيفا بشكل خطير في قوس المنطقة الواقعة بين جزيرة دييغو غارسيا في المحيط الهندي وأوكيناوا وغوان في المحيط الهادئ".

وهكذا بدأت أمريكا في عسكرة الهند وتقوية قدراتها القتالية لدمجها في استراتيجيتها الأمنية وصولا للزج بها في حربها الباردة المعدلة ضد الصين. ولقد بدأت عملية إدماج الهند في الاستراتيجية الأمريكية منذ عام 2004، ومضت بوتيرة أسرع مع حكومة مودي وخلال ولاية ترامب الأولى؛ ففي عام 2016 وقعت الهند مذكرة اتفاق تبادل لوجيستي مع أمريكا، والتي تسمح لكل دولة باستخدام المنشآت العسكرية للدولة الأخرى لأغراض معينة، وتم توقيع اتفاق شبيه سنة 2020 لتثبيت الأول، كما وقعت الهند مع أمريكا اتفاقيات لتأمين الاتصالات المشفرة بين الجيشين، وتم توجيه التسليح الهندي صوب سوق شركات السلاح الأمريكي.

واليوم وبعد زيارة مودي الأخيرة لأمريكا يوم 13 شباط/فبراير 2025، ولقائه بالرئيس الأمريكي ترامب الذي وصفه بـ"الصديق العظيم" والاتفاقيات الاستراتيجية التي وقعت، يظهر معها عزم إدارة ترامب على رفع وتيرة عسكرة الهند وتقوية قدراتها الاستراتيجية لدمجها وإلصاقها بالاستراتيجية الأمريكية تجاه الصين، ومودي هو فرصة أمريكا لتحقيق ذلك. وسبق الزيارة تصريح للخارجية الهندية من أن مودي وترامب سيناقشان تعزيز "كواد" وهو تحالف أمني في منطقة آسيا والمحيط الهادئ لمواجهة الصين يضم أمريكا والهند واليابان وأستراليا. وقد عقد بعد ذلك بتاريخ 21 كانون الثاني/يناير 2025 اجتماع تحالف "كواد" في واشنطن وجدد التزامه بتعزيز أمن منطقة المحيطين الهندي والهادئ، في إشارة إلى أن إدارة ترامب تضع مواجهة الخطر الصيني على رأس أولوياتها الاستراتيجية.

وأعلن ترامب خلال مؤتمر صحفي مشترك مع مودي "اتفقنا على أن تستورد الهند النفط والغاز من الولايات المتحدة". وأشار مودي "من أجل ضمان أمن الطاقة في الهند، سنركّز على التجارة في النفط والغاز... الاستثمار في البنى التحتية للطاقة سيزداد كذلك في مجال الطاقة النووية". وأوضح مودي أن بلاده وأمريكا ستركزان على إنشاء سلاسل توريد قوية للمعادن الاستراتيجية، هذا إلى جانب السعي لمضاعفة حجم التجارة المتبادلة مع أمريكا عدة مرات. كذلك أعلن ترامب أن واشنطن ستبيع نيودلهي مقاتلات من طراز إف-35، لتصبح الهند بذلك واحدة من الدول القليلة التي تمتلك هذه الطائرات فائقة التطور. وشدد على أنه "بدءاً من هذا العام، سنزيد المبيعات العسكرية للهند بمليارات الدولارات. كما أننا نمهّد الطريق أمام تزويد الهند، في نهاية المطاف، بمقاتلات من طراز إف35". وستسمح كذلك صفقة أبرمت أخيراً لشركة جنرال إلكتريك الأمريكية بالشراكة مع شركة هندوستان أيرونوتيكس الهندية لإنتاج محركات نفاثة للطائرات الهندية في الهند وبيع طائرات بدون طيار مسلحة مصنوعة في أمريكا. كما ذكر البيان المشترك أن "الزعماء أعلنوا عن خطط لتوقيع إطار عمل جديد هذا العام، مدته عشر سنوات، للشراكة الدفاعية الكبرى بين الولايات المتحدة والهند في القرن الواحد والعشرين".

فهذه الاتفاقيات تعتبر اختراقا استراتيجيا كبيرا بالنسبة لأمريكا إذ تمكنها من التحكم والسيطرة في قطاعات استراتيجية حساسة وخطيرة بالنسبة للهند كالطاقة والنووي والمعادن النادرة وسلاح الجو والأمن، وتوظيف الهند في حرب أمريكا الباردة ضد الصين.

الأمر الذي يضع الحدث العسكري الأخير بين الهند وباكستان ضمن النسق العام لسياسة أمريكا لمنطقة أوراسيا وضمن سياق استراتيجيتها، وعنصرا خادما ومساعدا للاستراتيجية وليس عنصر تشويش أو تخريب لها. فالهند الطرف الرئيسي في الاستراتيجية الأمريكية هي من بدأت العملية العسكرية ضد باكستان، واللافت هو سعي الهند لتطويق الحدث وإنهائه منذ اللحظات الأولى، يذكر أن الجيش الهندي قال في بيان إن قواته "شنت ضربة تستهدف البنية التحتية للإرهاب في باكستان وجامو وكشمير الخاضعة للاحتلال الباكستاني، والتي كانت تُخطط وتُوجه منها الهجمات الإرهابية ضد الهند، وفي المجمل، تم استهداف 9 مواقع"، وأضاف: "اتسمت إجراءاتنا بالتركيز والاعتدال وعدم التصعيد، ولم تُستهدف أي منشآت عسكرية باكستانية"، ما يعني أن الغاية من الحدث والدافع له يبحث من خارجه. كما أن اللافت كذلك هو في حجم خسائر سلاح الجو الهندي والذي يعد كارثة بالنسبة لحدث عسكري محدود لا يرقى لمستوى معركة، فقد علقت سي إن إن الأمريكية على ذلك بالقول "أظهر الصراع الأخير بين الهند وباكستان محدودية سلاح الجو الهندي". وقالت مصادر أمنية باكستانية، إن 3 من أصل 5 طائرات هندية أسقطتها كانت من طراز "رافال". وهي من بين أكثر المقاتلات تطوراً في سلاح الجو الهندي، وقد تم شراؤها خلال السنوات الأخيرة ضمن مساعي نيودلهي لتعزيز قدراتها العسكرية، وكانت الهند تمتلك 36 مقاتلة "رافال" في أسطولها الجوي، تم شراؤها من شركة "داسو للطيران" الفرنسية. وكذلك تم إسقاط طائرة ميغ 29 وطائرة سوخوي 30 روسيتي الصنع، وتعتمد الهند على روسيا في نحو 60٪ من معداتها الدفاعية، وتم أيضاً إسقاط طائرة مسيرة من طراز هيرون.

الأمر الذي يجعل الحدث الأخير بين الهند وباكستان شقاً في سياسة كبرى وليس ردة فعل على حدث أمني عابر، فالاتفاقيات التي عقدها مودي خلال زيارته الأخيرة لأمريكا تعتبر أكبر اختراق أمريكي للنسيج الاقتصادي والعسكري والأمني والاستراتيجي الهندي، وفي خضم التجاذبات والاستقطابات السياسية للطبقة السياسية الهندية يصبح تمرير هكذا اتفاقيات ضربة سياسية موجعة لمودي والنفوذ الأمريكي. فجاء الحدث العسكري الأخير كمسوغ ومبرر لهذه الاتفاقيات، فانتكاسة سلاح الجو الهندي بهذا الحجم يعطي مبررا للاتفاق العسكري مع أمريكا والحاجة الاستراتيجية لسلاح الجو الأمريكي بعد فشل السلاح الفرنسي والروسي واكتشاف محدوديتهما، ويعطي كذلك مبررا لتوسيع الاتفاق لمجالات دفاعية أخرى بحكم التفوق التكنولوجي الأمريكي. كما أن حرب روسيا وأوكرانيا والعقوبات المفروضة على روسيا تعطي مسوغا لمودي للاستغناء عن السوق الروسية والاعتماد على أمريكا في مجال الدفاع والطاقة، الأمر الذي يساعد على قطع سلاسل التوريد الروسية للهند (الطاقة والدفاع) وهو ما يضعف الروس ويخدم الاستراتيجية الأمريكية.

فيكاد يكون الحدث الأخير بين الهند وباكستان غطاء مودي لإخفاء انخراطه التام في السياسة الأمريكية واستراتيجيتها تجاه الصين وربط الهند وكل قطاعاتها الاستراتيجية بأمريكا.

أن يفعلها هندوسي عابد بقر فلا غرابة، ولكن يبقى الأنكى والأخزى هو انخراط حكام المسلمين الخونة في باكستان في حرب أمريكا ضد إسلامهم العظيم وأمتهم وخدمة لهيمنتها الظالمة الغاشمة، التي يدفع ثمنها من دماء المسلمين وثرواتهم.

معاشر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها: حكامكم كل حكامكم هم عملاء الاستعمار لاستئصال إسلامكم ونسف جمعكم وإدارة حارات الاستعمار نيابة عن عدوكم وخيانة قضاياكم خدمة لأعدائكم، حكامكم كل حكامكم هم أعداؤكم، وهل يعقل في عقل عاقل أن يكون عدوك حاكمك؟!

﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مُناجي محمد

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر