صور مسيئة للغرب    
صور مسيئة للغرب    

سيظل الغرب على حاله وموقفه من الإسلام ومفاهيمه وأحكامه طالما أن الحقد الصليبي المورث لديه من زمن الحروب الصليبية مسيطرا ومهيمنا عليه، وطالما ظل متسربلا بسربال الرأسمالية العفنة التي أعمت قلوب سياسييه ورجال أعماله والمتنفذين وأصحاب القرار فيه، وطالما ظلت النصرانية التي لفظها وحشرها في زاوية النسيان بعيدا عن الحكم وصولجانه؛ حاضرة وبقوة ما دام الأمر يتعلق بالإسلام والمسلمين. ولذلك فإن ما قامت به تلك الصحيفة الساقطة التي لم يكن لها يوما قيمة عند القارىء الغربي إلا يوم أن تبجحت ونشرت تلك الصور المسيئة لرسول الإسلام صلى الله عليه وسلم، لتقوم بعدها بطباعة وتوزيع أكثر من مليوني نسخة، إن ما قامت به يعبر عن ذلك الحقد الدفين الذي يشاركهم فيه حكام الغرب الصليبي والكثير من الحاقدين الذين ألفوا العيش في ظلام الرأسمالية وأوحالها. وكأني بهؤلاء ولسان حالهم يقول إذا كنا نشرنا تلك الصور المسيئة فهذا رد فعل تجاه صوركم المسيئة لنا. فهم يسؤهم ويصيبهم الغمّ والكمد كلما رأوا راية العقاب خفاقة يحملها طفل أو شاب أو شيخ أو امرأة من المسلمين فتذكرهم بدين عظيم ظل عصيّاً على الهدم برغم الضربات التي تلقاها على يد أسلافهم الذين اجتمعوا بقضهم وقضيضهم لهدم الإسلام كمبدأ وعقيدة عقلية ينبثق عنها نظام، وبرغم أنهم تمكنوا من هدم دولة الإسلام منذ أكثر من تسعين عاما، إلا أنهم يرون الأمة تنتفض من تحت الركام لترفع راية الإسلام وتسعى بجد واجتهاد لاستعادة دولتها واستئناف حياتها الإسلامية من جديد. إن هؤلاء الذين رضوا أن يعيشوا كالأنعام بل أضل من الأنعام، يأكلون ويتمتعون ويلههم الأمل، دينهم دولارهم، وهمهم نهب ثروات الشعوب والأمم، تطحنهم الحياة المادية طحنا، لا يعرفون معنى للسعادة سوى إشباع أكبر قدر من متعهم الجسدية، مقياسهم المنفعة، حياتهم جامدة لا معنى لها، يصم آذانهم صوت الموسيقى الصاخبة عن سماع تساؤلات تنخر في أعماق أعماقهم؛ من أين أتيت؟ ولماذا أتيت؟ وإلى أين أذهب؟. إن قوما كهؤلاء بدلا من أن تتسع حدقات أعينهم ليروا في الإسلام وعقيدته ملاذا وملجأ؛ تسوؤهم صورة المسلمين برغم حياة الضنك والكفاف التي يعيشونها، يرونهم يحمدون الله الذي لا يحمد على مكروه سواه، يرونهم سعداء لأن معنى السعادة عندهم مختلف، فهو ليس إشباعا لجوعة البطن أو الفرج، بل هو مرضاة رب العالمين. هؤلاء الذين يعيشون حياة أسرية مفككة، كل فرد فيها تراه متكوّماً في زاوية من زوايا المنزل، منعزلا عن محيطة، تراه إما متسمّراً أمام شاشة الكمبيوتر، أو مشدوها أمام التلفاز، أو مع هاتفه النقال، لا كلام ولا سلام ولا صلة أرحام ولا علاقات مع الجيران، بينما تتراءى أمامهم صورة العائلة المسلمة المترابطة، فتفزعه صورة يراها مسيئة له عندما يرى عطف الأب على ابنه، واحترام الابن لأبيه، وتزاور المسلمين فيما بينهم، فقد أمرهم الله بذلك وظل الرسول صلى الله عليه وسلم يوصي الصحابة بالجار حتى ظنوا أنه سيورثه، أليست تلك صورا مسيئة تفزعهم وترعبهم وتملأ قلوبهم حقدا على الإسلام ونبيه وأهله، قال تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. يفزعهم ويسؤهم أن يروا أكثر من مليوني حاج بألوانهم وألسنتهم المختلفة المتباينة، يؤدون مناسك الحج في مشهد روحاني مهيب، بينما يرون كنائسهم خاوية على عروشها، وبدل أن يبحثوا في الإسلام وفي عقيدته لتطمئن به نفوسهم وتسكن به جوارحهم، تراهم يتعمدون الإساءة للإسلام ونبيه وأهله. كما تسؤهم تلك الخيرات التي أنعم الله بها علينا في بلادنا من كل أنواع الثروات، ومن وقت قريب قالوا كفرا وإفكا عظيما "لقد جئنا إلى هنا لنصحح خطأ الرب عندما جعل تلك الثروات في بلاد المسلمين"، قال تعالى: ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا﴾. لقد استغلت أمريكا أحداث الحادي عشر من سبتمبر ضد المسلمين، فقالت لشعبها لقد فعلوا ذلك لأنهم يكرهوننا، لأنهم قوم يكرهون طريقة عيشنا، لقد كتب ريتشارد برود هيزر، في نيويورك أوبزيرفر، في 17 أيلول 2001، واصفا الولايات المتحدة بقوله: "إنها إمبراطورية الرأسمالية والديمقراطية... وكل واحد في العالم غير سعيد بحظه ينظر إلينا، كبلاد وكمدنيّة، فيجدنا البديل. وإذا كان لديه عقلية طموحة، فإما أن يحاول أن يأتي إلينا، أو يقلدنا. وإذا كان لديه عقلية مضطهدة، فإنه يحمِّلنا المسؤولية. وإذا كان لديه موارد دولة معادية، أو ما يعادلها عملياً، فإنه سيحاول قتلنا... إن الفاشلين في العالم يكرهوننا؛ لأننا أقوياء، وأغنياء، وصالحين..". وها هي اليوم فرنسا تعيد نفس السيناريو وتريد أن تصور لنفسها ولشعبها أنهم فعلوا ذلك لأنهم يكروهوننا، لأن ثقافتهم رجعية ومفاهيمهم خاطئة، ولأن دينهم دين الإرهاب والقتل. ومما لا شك فيه أنه لا الحكومة الأمريكية ولا الحكومة الفرنسية تصدق نفسها عندما تقول ذلك لشعبها. إنها الحقيقة المُرّة التي تعرفها الأنظمة الغربية التي أجرمت في حق شعوبها قبل أن تجرم في حق أمة الإسلام، وهي أن الغرب هو من يكره الإسلام والمسلمين، وليس العكس كما يدعون، فالإسلام هو رسالة رب العالمين ليكون رحمة لهم، وهو الرسالة الخاتمة التي يحملها المسلمون للعالم حتى لا تتفلت منهم نفْس إلى النار، حتى يخرجوا الناس من ظلمات الرأسمالية إلى عدل الإسلام. فما الذي يملكه الغرب حقيقة حتى يكون محل حسد من المسلمين سوى الكثير من المثالب والنقائص، وهذا جانبا منها: 1. النمط الاستهلاكي كطريقة عيش تجعل من المرء عبدا لشهواته ورغباته. 2. مفهوم الحرية المفتقد للضوابط، فهو ممنوع إذا تعلق الأمر بإهانة رئيس أو ملك ومعاداة السامية، وهو مقدس ومحترم إذا تعلق بالإساءة للإسلام ونبيه وأهله. 3. مفهوم الفرد الذي يقدَّم كأنه صانع نفسه، وكلّي السيادة، بينما هو مجرد رقم في لعبة النفوذ والسلطة. 4. فرد لا يدين بشيء، لا للآخرين، ولا للمجتمع، أناني لا يهتم إلا بنفسه. 5. تراجع الزواج، والحياة العائلية، وكثرة الزنا والفواحش. 6. جهاز ضخم للتسلية والاتصال يمجد هذه الأفكار وينشرها. إذاً، ماذا بقي من خير في هذا المجتمع، يشدُّ أنظار المسلمين للاقتداء بحضارة الغرب "العظيمة" تلك. بقي ما يقال عنه رفاهية، وغنى، وكفاية، وتقدم في العلوم، والصناعات، والعمران... ولكنه في ظل فراغ، وضياع، وشقاء عند البشر. إن نشر تلك الصور المسيئة في فرنسا وما سبقه من قرارات للتضيق على المسلمين هناك كمنع الخمار في المدارس والنقاب في الشوارع، وما سيتبعه من قرارات مشابهة أو أكثر فظاعة، ليعبر عن مسار لئيم قرر الغرب أن يسير فيه إلى نهايته؛ عله يستطيع أن ينجز ما لم يستطع أن ينجزة طوال القرون السابقة. فبعد أن جيش جيوشه وأطلق كلابه من المبشرين والمستشرقين لتنهش في عقيدة الأمة وفكرها وحضارتها وتسقط دولتها، إذا به يفشل فشلا ذريعا في إسقاط إسلامها، وظل الإسلام عصيا على الكسر شامخا قويا في نفوس الكثير من أبناء الأمة، حتى جاء اليوم الذي تحمله طائفة ظاهرة على الحق لا يضرها من خذلها ولا من خالفها لتجعل من تمكينه مرة ثانية في الأرض قضية مصيرية دونها الحياة أو الموت، لتصل به عما قريب بتوفيق الله وعونه إلى استئناف حياة الأمة الإسلامية في ظل خلافة راشدة على منهاج النبوة موعود الله وبشرى نبيه صلى الله عليه وسلم. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحريرشريف زايدرئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

0:00 0:00
السرعة:
January 26, 2015

صور مسيئة للغرب  

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر