سوريا ومشكلتها الحقيقية
سوريا ومشكلتها الحقيقية

ألقى وزير خارجية سوريا أسعد الشيباني خطابا أمام مجلس الأمن يوم 25/4/2025، وذلك في أول حضور لسوريا، بعد فرار الطاغية بشار أسد، قال قيه: "أنا في مجلس الأمن لأمثل سوريا الجديدة". وتابع "نطلب من مجلسكم الكريم ممارسة الضغط على إسرائيل للانسحاب من سوريا" وأضاف قائلا: "العدوان الإسرائيلي المستمر على سوريا يقوض السلام والأمن اللذين نسعى إلى تحقيقهما" وقال: "أعلنا مرارا التزامنا بأن سوريا لن تشكل تهديدا لأي دولة في المنطقة والعالم بما فيها إسرائيل". وأكد استعداد الإدارة السورية الجديدة التطبيع مع كيان يهود عندما طالب برفع العقوبات عن سوريا بقوله "

0:00 0:00
السرعة:
April 30, 2025

سوريا ومشكلتها الحقيقية

سوريا ومشكلتها الحقيقية

ألقى وزير خارجية سوريا أسعد الشيباني خطابا أمام مجلس الأمن يوم 25/4/2025، وذلك في أول حضور لسوريا، بعد فرار الطاغية بشار أسد، قال قيه: "أنا في مجلس الأمن لأمثل سوريا الجديدة". وتابع "نطلب من مجلسكم الكريم ممارسة الضغط على إسرائيل للانسحاب من سوريا" وأضاف قائلا: "العدوان الإسرائيلي المستمر على سوريا يقوض السلام والأمن اللذين نسعى إلى تحقيقهما" وقال: "أعلنا مرارا التزامنا بأن سوريا لن تشكل تهديدا لأي دولة في المنطقة والعالم بما فيها إسرائيل". وأكد استعداد الإدارة السورية الجديدة التطبيع مع كيان يهود عندما طالب برفع العقوبات عن سوريا بقوله "يمكن أن يكون (رفع العقوبات) خطوة حاسمة تسهم في تحويل سوريا من بلاد تعرف بماضيها المظلم إلى شريك نشط وقوي في السلام والازدهار والاقتصاد العالمي".

وقد كشفت باربرا ليف المساعدة السابقة لوزير خارجية أمريكا يوم 25/4/2025 للقناة 12 العبرية بأن "أحمد الشرع تعهد بشكل صريح بأن سوريا لن تهدد إسرائيل في المستقبل، وتعهد بعدم السماح لأي جهة أو دولة بتهديدها من الأراضي السورية"، وقد التقته في دمشق يوم 19/12/2024 قبل أن تغادر منصبها في الإدارة الأمريكية السابقة. وقالت: "خلال لقائي مع الشرع، أعجبت بمصداقيته، وكان يثير إعجاب المسؤولين في الإدارة الأمريكية السابقة ببراغماتيته، الزمن وحده سيكشف ما إذا كان قد غيّر نهجه بالفعل".

فهنا يؤكد حكام سوريا الجدد بتصريحاتهم ويشهد لهم العدو أنهم لا يختلفون عن محمود عباس وسلطته الفلسطينية، ولا عن حكام المسلمين قاطبة، والذين أول ما يتعهدون به عندما يتم إيصالهم إلى الحكم هو عدم تهديد كيان يهود أو أن يسمحوا بتهديده انطلاقا من البلاد التي سيتولون حكمها، لأن ذلك من أولويات المصالح الأمريكية في المنطقة. وقد اتخذوا التوسل لأمريكا خاصة ولمجلس الأمن والنظام الدولي حجر الزاوية في السياسة الخارجية، فيتوسلون لهذه القوى بأن تحل لهم قضاياهم أو تعيد لهم أراضيهم المحتلة بدون قتال على حساب التخلي عن فلسطين والاعتراف باغتصاب يهود لها؛ لأنهم غير مستعدين للتضحية والتحدي، ويهابون الموت ويحبون الحياة كحب يهود لها، وقد خدعتهم المناصب والألقاب وبريق الشهرة وكيل المديح لهم من المنافقين أو المنتفعين ومن السذج البسيطين، وأعرضوا عن الناصحين.

والموضوع ليس فقط في هذه القضية مع العدو الغاصب لفلسطين ولأجزاء من سوريا ولبنان، وهي بلاد واحدة لا تتجزأ رغم التجزئة الاصطناعية الاستعمارية لها، وإنما في معالجة كافة الأمور السياسية والاقتصادية والمجتمعية، فيبحثون عن الحلول لدى الدول الكبرى والتابعة لها من الدول الإقليمية والمؤسسات الدولية، فنسوا مبدأهم ومصادر شرعهم.

إن هناك مشكلة شائكة، تتمثل في الذين يتم إيصالهم إلى الحكم بعد الثورات بأنهم لا يستندون إلى قوى الأمة الذاتية بما فيها من قدرات وإمكانيات حتى يلبوا تطلعات ومطالب الناس الذين ثاروا، ويخادعونهم بأنهم سيلبونها، أو هكذا يتوهم الناس، بل ما يلبث هؤلاء الحكام إلا أن يتجهوا نحو الخارج ليلبوا مطالب الدول الاستعمارية وأتباعها في المنطقة تحت ذرائع مختلفة! فلا يتصفون بصفة رجل الدولة، بل إنهم يفتقرون إلى العقائدية والمبدئية في العمل السياسي، وقد أبوا إلا الالتصاق بالواقع، واعتبروه المبدأ والمقياس ومصدر التفكير، فقالوا علينا أن نكون واقعيين، براغماتيين، وأن نسلم بالأمر الواقع، فيسيرون وراء الذي يفرض الواقع وغير مستعدين للعمل على تغيير الواقع وإيجاد واقع جديد حسب فكرهم بحيث يجعلون الآخرين يخضعون له. وبذلك امتدحهم الأمريكان والغرب وأتباعهم في المنطقة.

نعم إن القوي المتغلب يعمل على فرض الواقع، كأمريكا اليوم، ويعمل على جعل الآخرين يستسلمون له وأن يكيفوا أعمالهم وتحركاتهم حسبه، ويعملون على تحقيق أهدافهم بقدر ما يسمح لهم هذا الواقع تحت هيمنة القوة المتغلبة. وعندما تقوم قوة أخرى وتقف في وجهها أو تتحداها يبدأ الصراع بينهما.

وهذا شيء طبيعي، فيجب على القوة الإسلامية العقائدية لو لم تكن دولة بعد، عندما تكون كيانا كحزب مبدئي، أن تتحدى هذا الواقع وتفرض واقعا جديدا حسب مبدئها، وذلك بالكفاح السياسي الشرس والصراع الفكري القوي حتى إذا ما أقامت دولتها المبدئية جعلت دول العالم تستسلم لما تفرضه من واقع حسب مبدئها، وتجعلها تتعامل معه وتتحرك ضمنه، فالمسلم الذي أسلم وجهه لله رب العالمين قوي بمبدئه متغلب بعقيدته على كافة العقائد والمبادئ.

ولهذا فإن رسول الله ﷺ مع حزبه حزب الصحابة رضوان الله عليهم تحدى الواقع ولم يخضع له؛ فتصدى لقادة قريش وهاجم عقائدهم وأفكارهم وسفّه أحلامهم وعاداتهم وتقاليدهم، وعمل على نشر أفكاره وإيجاد رأي عام لها، وبدأ يبحث عن نصرة له حتى يقيم دولته على أسس مبدئية راسخة رسوخ الجبال. وبهذه الطريقة تمكن من إقامتها، ففرض واقعا جديدا على الداخل والخارج، ولم يتردد أبدا في القتال ولو بأقل الإمكانيات حتى يصبح المبدأ الإسلامي هو السائد والدولة الإسلامية هي المهيمنة، وبذلك تمكن من تحرير جزيرة العرب من الشرك والكفر خلال عقد من الزمن، وجعلها دولة كبرى عندما بدأ يصارع دولة الروم أكبر دولة في العالم في ذلك الوقت.

نعم هذا هو حل المشكلة، فتصبح سوريا وغيرها من البلاد الإسلامية عزيزة قوية ودولة كبرى عالميا، وذلك بأن يتمكن الذين يسيرون على خطا الرسول ﷺ من استلام الحكم وقيادة البلاد. وإلا سيبقى الناس يدورون في دوامة خانقة وفي دائرة مغلقة لا يخرجون منها، يعودون إلى النقطة التي بدأوا منها، ويصيبهم اليأس والإحباط، فيستسلمون.

إن الحياة هي عبارة عن صراع بين الحق والباطل، والإيمان والكفر، وبين الخير والشر، منذ أن خلق الله البشرية إلى أن يرث الأرض ومن عليها. فوجب على المسلمين وهم على الحق ودعاة الخير، وأهل الإيمان والتقوى، وقد ألزمهم الله كلمة التقوى وهم أهلها وأحق بها، أن يخوضوا هذا الصراع ويستعدوا للتضحية بالغالي والنفيس، وبالنفس والولد والوالد، في سبيل سيادة مبدئهم ليستحقوا وراثة الأرض والجنة معا، وأن لا يستسلموا للكفار ودعاة الشر، الذين جعلوا في قلوبهم حمية الجاهلية، بل عليهم أن يتأسوا برسولهم وقائدهم إلى الأبد محمد ﷺ، وقد أمرهم ربهم بذلك وحذرهم من مخالفته.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أسعد منصور

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر