سيناء... بعد عقود من التهميش والظلم، يتم تهجير أهلها لحفظ أمن يهود!!
February 02, 2015

سيناء... بعد عقود من التهميش والظلم، يتم تهجير أهلها لحفظ أمن يهود!!


شبه جزيرة سيناء منطقة صحراوية وهي الجزء الشرقي من مصر. وتمثل 6% من مساحة مصر الإجمالية، ويسكنها مليون وأربعمائة ألف نسمة. لقد تعرضت سيناء للاحتلال من قبل كيان يهود عندما شارك مع فرنسا وإنجلترا في العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956م، ثم ما لبث أن انسحب منها نتيجة الضغوط الأمريكية التي تعرض لها آنذاك، ثم عادت دولة يهود واحتلتها سنة 1967م في حرب حزيران/يونيو، أو ما أطلق عليه العرب حينها بالنكسة، وكانت بحق نكسة إذ من خلالها تمكن كيان يهود من اغتصاب الضفة وقطاع غزة والجولان، فضلا عن سيناء التي ظلت تحت يد يهود بشكل مباشر حتى تم تحريك المياه الراكدة من خلال حرب السادس من أكتوبر، وهي الحرب التي رفض السادات اعتبارها حرب تحرير، وأصر أنها حرب تحريك.


وكانت اتفاقية كامب ديفيد 1977م التي رعتها دولة الكفر أمريكا هي القيد الذي من خلاله استطاعت أمريكا وربيبتها دولة يهود أن تُقيد مصر بها، فتزيحها من أمامها وتحيدها من صراع مستمر مع كيان يهود، الذي حقق أعظم انتصاراته من خلال مفاوضات جعلت مصر طرفاً محايداً وليس طرفاً أصيلاً في صراعٍ عقائدي بين يهود والمسلمين. وأكثر من ذلك أصبحت سيناء أرضا محروقة تشكل فاصل سلام بين طرفين تُعَدّ الحرب بينهما أمرا حتميا، وإن تم تأجيلها لوقت لاحق سيأتي حينما يزول النظام الحاكم في مصر الذي ظل لأكثر من ستين عاما نظاما خادما لأمريكا ومصالحها، لا يفكر حتى في الخروج عن طوعها أو عن الخط المرسوم لسياستها تجاه يهود.


لقد حرصت أمريكا أشد الحرص على حفظ كيان يهود، ظهر ذلك في رعايتها لاتفاقية كامب ديفيد، والتي جعلت جيش يهود يرتع على حدود مصر في سيناء، ويقتل كما يريد ومَن يريد من أبنائنا ثم يقول: "آسف"!!


فوفقاً للملحق الأمني للمعاهدة، فإن سيناء قد قُسّمت طولياً إلى ثلاث شرائح سميت من قناة السويس وحتى شريط (طابا - رفح) الحدودي مع الأراضي الفلسطينية بالمناطق (أ) و(ب) و(جـ). أما المنطقة (أ) فهي محصورة بين قناة السويس والخط (أ) بعرض 58 كيلو متراً، وفيها سُمح لمصر بفرقة مشاة ميكانيكية واحدة تتكون من 22 ألف جندي مشاة مع تسليح يقتصر على 230 دبابة و126 مدفعاً ميدانياً و126 مدفعاً مضاداً للطائرات عيار 37 ميلليمتراً و480 مركبة. ثم المنطقة (ب) وعرضها 109 كيلو مترات الواقعة شرق المنطقة (أ) وتقتصر على 4000 جندي من سلاح حرس الحدود مع أسلحة خفيفة. ثم المنطقة (ج) وعرضها 33 كيلو متراً وتنحصر بين الحدود الدولية من الشرق والمنطقة (ب) من الغرب، ولا يسمح فيها بأي وجود للقوات المسلحة المصرية وتقتصر على قوات من الشرطة. كذلك يحظر إنشاء أي مطارات أو موانئ عسكرية في كل سيناء. في المقابل، قيدت الاتفاقية كيان يهود فقط في المنطقة (د) التي تقع شرق الحدود الدولية وعرضها 4 كيلو مترات فقط، وحدد فيها عدد القوات بما لا يزيد على 4000 جندي.


وبرغم تلك الاتفاقية التي تحظر على الطيران العسكري المصري أن يحلق فوق المنطقة (ج)، والتي التزمت مصر بها ولم تحد عنها طوال العقود الطويلة الماضية، ولم يقع أي استثناء في ذلك إلا هذه الأيام حيث تتحرك طائرات الأباتشي في طول سيناء وعرضها ويتم الاستعانة بقوات عسكرية أكثر من المسموح به للاستعانة بها في الحرب التي يشنها النظام المصري على ما يسمى بالإرهاب، وذلك بعد التنسيق الأمني والمعلوماتي مع كيان يهود والذي تفرضه اتفاقية السلام وملاحقها الأمنية، إن الحملة الأمنية التي تشنها قوات الجيش والشرطة في سيناء منذ شهور تحت شعار محاربة الإرهاب تصب بالدرجة الأولى في صالح يهود، كما وتنبئ بكارثة إنسانية لا حدود لها، فالمشير السيسي الذي قال من قبل في تسجيل مسرب أن المواجهة الأمنية في سيناء يمكن أن تؤدي إلى انفصالها، كما حدث في السودان من قبل، وحذر من أن ذلك سيؤدي لوجود ثأر بين الجيش وأهل سيناء، لم يلتزم بهذا التحذير وقامت قواته بإحداث دمار غير مسبوق بمنازل مدنيين ومساجد بمدينة رفح شمالي سيناء لعمل منطقة عازلة مع غزة بطول 13 كيلو متراً وعرض 500 متر، والتي تم توسيعها إلى 1000 متر، مما تسبب في تشريد الآلاف من أهالي تلك المنطقة، حيث سيتم إزالة أكثر من 2000 منزل ونقل أكثر من 3100 عائلة.


ولنا أن نتساءل: من أين ستأتي الدولة بأموال لتعويض السكان المهجرين الذين ستصل تعويضاتهم لما يتجاوز المليار جنيه كما قال الرئيس السيسي في كلمته الاثنين 3/11/2014م، في حين أنه لا يترك مناسبة إلا ويردد فيها أنه لا توجد أموال للقيام بما يتوجب على الدولة القيام به من رعاية لمجموع الشعب لأنه حسب تعبيره بالعامية المصرية "مفيش"، ناهيك عن الأموال التي ستتكلفها الحملة العسكرية التي يقوم بها الجيش كل يوم في تلك المناطق، بجانب كلفة إقامة المنطقة العازلة والفاصل المائي بين مصر وبين غزة؟! إلا إذا تلقى الرجل وعوداً من أمريكا ويهود بالتكفل بدفع تلك الأموال له! كما لنا أن نتساءل: لماذا توجه أصابع الاتهام دائما إلى حماس والفلسطينيين في قطاع غزة، كما حصل بعد عملية كرم القواديس، وكما حصل هذه الأيام بعد العملية الأخيرة التي راح ضحيتها 30 جندياً بجانب إصابة ما يقرب من 80 آخرين؛ فقد قامت محكمة الأمور المستعجلة بإصدار حكم يعتبر كتائب القسام جماعة إرهابية، بينما لا يتذكر أحد أن هناك عدوا آخر يتربص بنا الدوائر وهو كيان يهود؟! إلا إذا تغيرت النظرة والعقيدة العسكرية للجيش ليصبح العدو صديقا ومعينا، والصديق عدواً لدودا يتربص بنا الدوائر؟!.


أليس مما يؤسف له أن يتم الاعتداء على جنود وضباط الجيش المصري ويقتل منهم تلك الأعداد الكبيرة وقد تُركوا لمصيرهم في معركة الصراع على كرسي الحكم أو بأيدٍ قذرة تتلاعب بمقدرات الأمة وبعناصر قوتها لتمكن لأعداء الأمة الإمساك بزمام السلطة لتحافظ له على مصالحه ونفوذه في بلادنا؟! ثم أليس مما يؤسف له أيضا أن يقوم جيش مصر الكنانة بالتنسيق مع أشد الناس عداوة للذين آمنوا؟! وضد من؟! ضد أهلنا في سيناء الذين أظهروا صمودا وثباتا في مواجهة سنوات الاحتلال اليهودي البغيض، والذين عانوا طويلا من الظلم والتهميش والتجاهل من خطط التنمية لعقود خلت وفي ظل حكومات متعاقبة. أليس الأجدر بجيش الكنانة العظيم أن يقوم بواجبه المقدس وهو الجهاد من أجل تحرير بيت المقدس من رجس يهود ودنسهم واستغلال طاقات شباب الأمة وحماستهم في هذا الاتجاه.


إن دولة الخلافة على منهاج النبوة وحدها هي من سيعيد الأمن والأمان للناس في كل ربوع مصر وليس في سيناء وحدها، وهي من سيقطع دابر كيان يهود المسخ الذي يضحك اليوم ملء فمه وهو يرى جيش مصر يحفظ له أمنه بينما يوجه سلاحه نحو أبنائه. وبالخلافة وحدها سيعود جيش مصر ليحرر أرض الإسراء والمعراج من رجس يهود ودنسهم كما حررها من قبل تحت قيادة صلاح الدين الأيوبي.


فهَلُمّوا أيّها الضباط المخلصون للوفاء بواجبكم في حماية هذه الأمة ونصرة دينها، وإقامة حكم الإسلام في ظل دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، لتفوزوا بسعادة الدارين، وتنالوا رضا الله سبحانه وتعالى.



كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
شريف زايد
رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر