تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة السابعة عشرة
تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة السابعة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

0:00 0:00
السرعة:
November 16, 2025

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة السابعة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد احمد النادي

الحلقة السابعة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أما البغض في الله، فقد نهى الله سبحانه عن حب الكفار والمنافقين والفساق المجاهرين، لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل}. (الممتحنة1) 

وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون. ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور}. (آل عمران 119)

وروى الطبراني بإسناد جيد عن علي كرم الله وجهه في الجنة، قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "ثلاث هن حق: لا يجعل الله من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له، ولا يتولى الله عبد فيوليه غيره، ولا يحب رجل قوما إلا حشر معهم". وفي هذا نهي جازم عن محبة أهل السوء خشية أن يحشر معهم. 

وأخرج الترمذي في سننه، وقال هذا حديث حسن، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أعطى لله، ومنع لله، وأحب لله، وأبغض لله، وأنكح لله، فقد استكمل إيمانه". وكذلك روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال إني أحب فلانا فأحبه، قال: فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه. فيحبه أهل السماء، قال: ثم يوضع له القبول في الأرض. وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول إني أبغض فلانا فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، قال: فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض". 

وقوله صلى الله عليه وسلم: "ثم توضع له البغضاء في الأرض" خبر أريد به الطلب، وذلك بدلالة الاقتضاء، إذ إن هناك كثيرا من الكفار، والمنافقين، والفساق المجاهرين، يوجد من يحبهم ولا يبغضهم، فاقتضى صدق المخبر أن يكون المراد بالخبر الإنشاء أي الطلب، فكأنه يقول: يا أهل الأرض أبغضوا من أبغضه الله. 

وبالتالي فالحديث يدل على وجوب بغض من أبغضه الله، ويندرج تحتها وجوب بغض الألد الخصم، الوارد في حديث عائشة المتفق عليه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم"، ووجوب بغض من يبغض الأنصار الوارد في حديث البراء المتفق عليه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم: أو قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله". ووجوب بغض من يقول الحق بلسانه لا يجاوز حلقه، للحديث الذي أخرجه مسلم عن بسر بن سعيد عن عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الحرورية لما خرجت وهو مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه قالوا: لا حكم إلا لله. قال علي: كلمة حق أريد بها باطل، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف ناسا إني لأعرف صفتهم في هؤلاء "يقولون الحق بألسنتهم لا يجوز هذا منهم - وأشار إلى حلقه - من أبغض خلق الله إليه". قوله "لا يجوز" معناها لا يتعدى، ووجوب بغض الفاحش البذيء الوارد في حديث أبي الدرداء عند الترمذي، وقال هذا حديث حسن صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "... وإن الله ليبغض الفاحش البذيء". 

هذا وقد وردت بعض الآثار في بغض الصحابة للكفار، منها، ما رواه مسلم عن سلمة بن الأكوع قال: "... فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة، واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجرة، فكسحت شوكها، فاضطجعت في أصلها، قال: فأتاني أربعة من المشركين، من أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبغضتهم، فتحولت إلى شجرة أخرى ..." 

ومنها حديث جابر بن عبد الله عند أحمد أن عبد الله بن رواحة قال ليهود خيبر: "يا معشر اليهود، أنتم أبغض الخلق إلي، قتلتم أنبياء الله عز وجل، وكذبتم على الله، وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم ...". 

ومنها ما ورد في بغض من يظهر الشر من المسلمين، فقد أخرج أحمد وعبد الرزاق وأبو يعلى بإسناد حسن، والحاكم في المستدرك، وقال صحيح على شرط مسلم عن أبي فراس، قال: خطب عمر بن الخطاب، فقال: "... ومن أظهر منكم شرا ظننا به شرا، وأبغضناه عليه". 

فالحب في الله، والبغض في الله، من أعظم الأمور التي يتصف بها المسلم الذي يرجو رضوان الله ورحمته ونصره وجنته.

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

المزيد من القسم null

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الرابعة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الرابعة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

قلنا في الحلقة الماضية: إن الحب في الله يعني أن تحب العبد لله، أي بسبب إيمانه وطاعته، وفي هذه الحلقة نقول: إن أفضل الصاحبين المتحابين هو أشدهما حبا لصاحبه، لما رواه ابن عبد البر في التمهيد، والحاكم في المستدرك، وابن حبان في صحيحه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تحاب رجلان في الله قط، إلا كان أفضلهما أشدهما حبا لصاحبه".

ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، لما رواه مسلم عن أم الدرداء، قالت: حدثني سيدي، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من دعا لأخيه بظهر الغيب، قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل" أي بمثل ما دعوت له به، وسيدها هو أبو الدرداء وهي تعني زوجها احتراما له. 

وروى مسلم عن صفوان - وهو ابن عبد الله بن صفوان - وكانت تحته الدرداء قال قدمت الشام فأتيت أبا الدرداء في منزله فلم أجده ووجدت أم الدرداء فقالت أتريد الحج العام فقلت نعم. قالت فادع الله لنا بخير فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول "دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل". قال: فخرجت إلى السوق، فلقيت أبا الدرداء، فقال لي مثل ذلك.

كما يسن أن يطلب من أخيه الدعاء له، لما رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح، عن عمر بن الخطاب قال: استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في العمرة، فأذن لي وقال: "لا تنسنا يا أخي من دعائك" فقال كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا. وفي رواية قال: "أشركنا يا أخي في دعائك".

ومن السنة أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. روى مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى، فأرصد الله له على مدرجته ملكا، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية. قال هل لك عليه من نعمة تَرُبُّها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله عز وجل. قال فإني رسول الله إليك، بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه".

وأخرج أحمد بإسناد حسن والحاكم، وصححه عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم يرفعه إلى الرب عز وجل قال: "حقت محبتي للمتحابين في، وحقت محبتي للمتزاورين في، وحقت محبتي للمتباذلين في، وحقت محبتي للمتواصلين في".

وأخرج مالك في الموطأ بإسناد صحيح عن معاذ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال الله تعالى: وجبت محبتي للمتحابين في، والمتجالسين في، والمتزاورين في، والمتباذلين في". 

وأخرج البخاري عن عائشة قالت: "لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية...".

وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم عظم أجر المؤمن الذي يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويحرص على جلب الخير له في دنياه وآخرته ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ففي حديث أنس المتفق عليه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". 

وفي حديث عبد الله بن عمرو، عند ابن خزيمة في صحيحه، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في المستدرك، وقال صحيح على شرط الشيخين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره". 

ومن هذا الباب أن يكون في حاجة أخيه وسعه، وأن يفرج عنه كربه جهده، ففي حديث ابن عمر المتفق عليه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة"، وبإسناد حسن رجاله ثقات أخرج الطبراني من حديث زيد بن ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزال الله في حاجة العبد ما دام في حاجة أخيه".

ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك، لما رواه الطبراني في الصغير بإسناد حسن من حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لقي أخاه المسلم بما يحب ليسره بذلك، سره الله عز وجل يوم القيامة". كما يندب له أن يلقى أخاه بوجه طلق، لما رواه مسلم عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق". ولما رواه أحمد والترمذي وقال: حسن  صحيح، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل معروف صدقة، وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق، وأن تفرغ من دلوك في إناء أخيك". 

أيها المسلمون:

بعد أن سمعتم ما سمعتم، وعرفتم ما عرفتم، ورأيتم ما رأيتم، من حب الصحابة لله تبارك وتعالى ولرسول الله صلى الله عليه وسلم، وحب الصحابة بعضهم بعضا في الله جل في علاه، فهلا كنا مثلهم في حبنا لله ولرسوله وللمؤمنين؛ ليكون الله معنا كما كان معهم، وليكرمنا بنصره كما أكرمهم، ولنكون يوم القيامة معهم في صحبة سيد المرسلين، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.