تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة السادسة عشرة
تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة السادسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

0:00 0:00
السرعة:
November 15, 2025

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة السادسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد احمد النادي

الحلقة السادسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: قال الله تعالى في محكم كتابه وهو أصدق القائلين: بسم الله الر‌حمن الر‌حيم {والعصر‌. إن الإنسان لفي خسر‌. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر‌}. 

سورة العصر مكية، وقد جاءت في غاية الإيجاز والبيان، لتوضيح سبب سعادة الإنسان أو شقاوته، ونجاحه في هذه الحياة أو خسرانه ودماره. وقد أقسم الله تعالى بالعصر وهو الزمان الذي ينتهي فيه عمر الإنسان، وما فيه من أصناف العجائب، والعبر الدالة على قدرة الله وحكمته، على أن جنس الإنسان في خسارة ونقصان، إلا من اتصف بالأوصاف الأربعة وهي (الإيمان) و(العمل الصالح) و(التواصي بالحق) و(التواصي بالصبر) وهي أسس الفضيلة، وأساس الدين، ولهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله: لو لم ينـزل الله سوى هذه السورة لكفت الناس.

أقسم الله سبحانه بالدهر والزمان لما فيه من أصناف الغرائب والعجائب، والعبر والعظات، على أن الإنسان في خسران، لأنه يفضل العاجلة على الآجلة، وتغلب عليه الأهواء والشهوات، قال ابن عباس: العصر هو الدهر، أقسم الله تعالى به لاشتماله على أصناف العجائب، وقال قتادة: العصر هو آخر ساعات النهار، أقسم به كما أقسم بالضحى لما فيهما من دلائل القدرة الباهرة، والعظة البالغة ... وإنما أقسم تعالى بالزمان، لأنه رأس عمر الإنسان، فكل لحظة تمضي فإنها من عمرك ونقص من أجلك، كما قال القائل: 

إنـا لنفـرح بالأيـام  نقطعها          وكل يوم مضى نقص من الأجل

قال القرطبي : أقسم الله عز وجل بالعصر - وهو الدهر - لما فيه من التنبيه بتصرف الأحوال وتبدلها، وما فيها من الدلالة على الصانع، وقيل: إنه قسم بصلاة العصر لأنها أفضل الصلوات. واستثنى سبحانه ممن هم في الخسران الذين آمنوا وعملوا الصالحات أي الذين جمعوا بين الإيمان وصالح الأعمال، فهؤلاء هم الفائزون، لأنهم باعوا شهوات الحياة الدنيا، واشتروا بها نعيم الجنة، واستبدلوا الباقيات الصالحات، بالشهوات العاجلة.

ولأنهم وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر، أي أوصى بعضهم بعضا بالحق، وهو الخير كله، من الإيمان، والتصديق، وعبادة الرحمن. وتواصوا بالصبر على الشدائد والمصائب، وعلى فعل الطاعات، وترك المحرمات.. لقد حكم تعالى بالخسارة على جميع الناس إلا من أتى بهذه الأشياء الأربعة وهي: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، فإن نجاة الإنسان لا تكون، إلا إذا كمل الإنسان نفسه بالإيمان، والعمل الصالح، وكمل غيره بالنصح والإرشاد، فيكون قد جمع بين حق الله، وحق العباد، وهذا هو السر في تخصيص هذه الأمور الأربعة بالذكر، في هذه السورة القصيرة. وقد أوجب الله سبحانه قبول المسلم عذر أخيه، وحفظ سره، ونصحه: أما قبول عذره، فلما رواه ابن ماجه بإسنادين جيدين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من اعتذر إلى أخيه بمعذرة فلم يقبلها، كان عليه مثل خطيئة صاحب مكس". والمكس: الضريبة التي يأخذها الماكس، وهو العشار الذي يأخذ عشر الأموال ضرائب على البضائع المستوردة.

وأما حفظ سره، فلما رواه أبو داود والترمذي بإسناد حسن عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا حدث رجل رجلا بحديث، ثم التفت فهو أمانة" والأمانة واجبة الحفظ، وتضييعها خيانة، والحديث يدل على حفظ المسلم سر أخيه حتى لو لم يطلب ذلك صراحة، بل بقرائن الحال كأن يحدث أخاه بحديث وهو يلتفت حوله خشية أن يسمع الحديث غيرهما. وواضح أنه من باب أولى لو طلب منه صراحة حفظ سره. وهذا إذا لم يكن في الحديث أذى عاما في حق من حقوق الله. فللجليس أن ينصحه وينهاه، وله أن يشهد قبل أن يستشهد كما جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أنبئكم بخير الشهود، الذي يشهد قبل أن يستشهد". وأما نصحه، فلحديث جرير بن عبد الله المتفق عليه قال: "بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم"، وحديث تميم بن أوس الداري عند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الدين النصيحة قلنا لمن؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". قال الخطابي: "ومعنى الحديث عماد الدين وقوامه النصيحة، كقوله صلى الله عليه وسلم: "الحج عرفة". أي عماده ومعظمه عرفة". كما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم حق المسلم على المسلم، والأجر العظيم فيه، أخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حق المسلم على المسلم ست، قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه". فهلا التزمنا بأداء هذه الحقوق كي يرضى عنا خالقنا؟

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

المزيد من القسم null

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الرابعة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الرابعة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

قلنا في الحلقة الماضية: إن الحب في الله يعني أن تحب العبد لله، أي بسبب إيمانه وطاعته، وفي هذه الحلقة نقول: إن أفضل الصاحبين المتحابين هو أشدهما حبا لصاحبه، لما رواه ابن عبد البر في التمهيد، والحاكم في المستدرك، وابن حبان في صحيحه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تحاب رجلان في الله قط، إلا كان أفضلهما أشدهما حبا لصاحبه".

ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، لما رواه مسلم عن أم الدرداء، قالت: حدثني سيدي، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من دعا لأخيه بظهر الغيب، قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل" أي بمثل ما دعوت له به، وسيدها هو أبو الدرداء وهي تعني زوجها احتراما له. 

وروى مسلم عن صفوان - وهو ابن عبد الله بن صفوان - وكانت تحته الدرداء قال قدمت الشام فأتيت أبا الدرداء في منزله فلم أجده ووجدت أم الدرداء فقالت أتريد الحج العام فقلت نعم. قالت فادع الله لنا بخير فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول "دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل". قال: فخرجت إلى السوق، فلقيت أبا الدرداء، فقال لي مثل ذلك.

كما يسن أن يطلب من أخيه الدعاء له، لما رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح، عن عمر بن الخطاب قال: استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في العمرة، فأذن لي وقال: "لا تنسنا يا أخي من دعائك" فقال كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا. وفي رواية قال: "أشركنا يا أخي في دعائك".

ومن السنة أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. روى مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى، فأرصد الله له على مدرجته ملكا، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية. قال هل لك عليه من نعمة تَرُبُّها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله عز وجل. قال فإني رسول الله إليك، بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه".

وأخرج أحمد بإسناد حسن والحاكم، وصححه عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم يرفعه إلى الرب عز وجل قال: "حقت محبتي للمتحابين في، وحقت محبتي للمتزاورين في، وحقت محبتي للمتباذلين في، وحقت محبتي للمتواصلين في".

وأخرج مالك في الموطأ بإسناد صحيح عن معاذ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال الله تعالى: وجبت محبتي للمتحابين في، والمتجالسين في، والمتزاورين في، والمتباذلين في". 

وأخرج البخاري عن عائشة قالت: "لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية...".

وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم عظم أجر المؤمن الذي يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويحرص على جلب الخير له في دنياه وآخرته ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ففي حديث أنس المتفق عليه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". 

وفي حديث عبد الله بن عمرو، عند ابن خزيمة في صحيحه، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في المستدرك، وقال صحيح على شرط الشيخين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره". 

ومن هذا الباب أن يكون في حاجة أخيه وسعه، وأن يفرج عنه كربه جهده، ففي حديث ابن عمر المتفق عليه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة"، وبإسناد حسن رجاله ثقات أخرج الطبراني من حديث زيد بن ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزال الله في حاجة العبد ما دام في حاجة أخيه".

ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك، لما رواه الطبراني في الصغير بإسناد حسن من حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لقي أخاه المسلم بما يحب ليسره بذلك، سره الله عز وجل يوم القيامة". كما يندب له أن يلقى أخاه بوجه طلق، لما رواه مسلم عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق". ولما رواه أحمد والترمذي وقال: حسن  صحيح، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل معروف صدقة، وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق، وأن تفرغ من دلوك في إناء أخيك". 

أيها المسلمون:

بعد أن سمعتم ما سمعتم، وعرفتم ما عرفتم، ورأيتم ما رأيتم، من حب الصحابة لله تبارك وتعالى ولرسول الله صلى الله عليه وسلم، وحب الصحابة بعضهم بعضا في الله جل في علاه، فهلا كنا مثلهم في حبنا لله ولرسوله وللمؤمنين؛ ليكون الله معنا كما كان معهم، وليكرمنا بنصره كما أكرمهم، ولنكون يوم القيامة معهم في صحبة سيد المرسلين، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.