تعطيل الأحكام الشرعية بخداع المصطلحات "النظام العالمي الجديد" نموذجاً
December 03, 2020

تعطيل الأحكام الشرعية بخداع المصطلحات "النظام العالمي الجديد" نموذجاً

تعطيل الأحكام الشرعية بخداع المصطلحات
"النظام العالمي الجديد" نموذجاً


يظُن بعض الناس أن العالم اليوم يُحكم بنظام عالمي جديد يرعى "حقوق الإنسان" وأن هذا النظام نظام قمة الحداثة والتقدم اقتصادياً وتكنولوجياً وأنه صديق الجميع ويعمل على حل مشكلاتهم في محاكمهم العالمية والدولية التي تنصاع لها جميع الدول ولا يحيد أي نظام حاكم عن هيمنة هذه الحكومة المركزية، فتجد أن نفس المؤسسات والجمعيات والمنظمات والقوات وحتى وزارات الصحة والتربية والتعليم التابعة لها تعمل في جميع البلاد حول العالم بالنمط نفسه. إلا أن الباحث عن الحق الذي يجعل العقيدة الإسلامية أساساً لتفكيره ووعيه السياسي، يربط بين الأحداث السياسية على أساس الأحكام الشرعية، فيفهم واقع هذا النظام على حقيقته ويعلم ما يجب أن يكون عليه حال البشرية وحال الأمة الإسلامية في المستقبل، وسيعي تماماً أن هذا النظام المجرم يشن حرباً على البشر عامة وعلى المسلمين خاصة، وأنه قد جعل العالم يمر بأسوأ حالاته عبر التاريخ!!


فالنظام العالمي نظام مفروض جبراً على العالم بالقوة العسكرية وهو نظام يحتكر الاقتصاد العالمي ويفرض عليه التعامل بالدولار ويفرض على الجميع نظام حكم رأسمالياً علمانياً فاشلاً في رعاية شؤون الإنسان وإشباع حاجاته الأساسية، وهذا ما يُعرف شرعاً بمرحلة الحكم الجبري؛ الوجه الحقيقي للنظام الرأسمالي العلماني الاستعماري، فالبشرية لم تمر بانحدار أسوأ من هذا الانحدار السريع في آخر مائة عام من تاريخها الطويل، فالنظام العالمي قد نشر السطحية في التفكير وعمم الثقافة الغربية المفلسة من خلال الإعلام الفاسد ويريد لأبناء المسلمين أن يكونوا متخلفين ورجعيين بتبنيهم أفكار الكفر الضالة ليبعدهم عن الإسلام وعن فهمه الصحيح كعقيدة ونظام، ويتم تجاهل أن للإسلام نظام حكم شاملاً أساسه الفكر الإسلامي المستنير مقارنة بالفكر السطحي الذي قام على أساسه هذا النظام الفاشل بامتياز، كما نرى في الواقع الفرق الشاسع بين حال الإنسان إبان الحكم الإسلامي وحاله اليوم في عصر الحكم الرأسمالي العلماني المنافق الذي يُظهر خلاف ما يُبطن. قال تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾ [سورة البقرة: 9-12].


فما يُعرف بالنظام العالمي الجديد بقيادة أمريكا وأوروبا - بريطانيا وفرنسا - والأطراف الأخرى كالصين وروسيا، ليس في حقيقته نظاماً جديداً بل نظام منافق، وهو امتداد للحقبة الاستعمارية الغربية الظالمة التي لا تتورع عن شن حروب دموية في أنحاء العالم بحسب مصالح هذه القوى السياسية، كما شنَّ أجدادهم قديماً حروباً دموية صليبية أهلكت الحرث والنسل للاستحواذ على الأراضي وقامت باستعمار الشعوب ونهب الثروات والسيطرة على مراكز القوة الاستراتيجية من خلال قواعد عسكرية، وخطت اتفاقيات دولية خيانية وهدفهم من ذلك استعباد البشر واستغلالهم لخدمة مصالحهم وإشباع رغباتهم وإرضاء شذوذهم، وقامت باستنزاف الناس معنوياً ومادياً ليركعوا لسيدهم "الإنسان الأبيض"، وتلك هي "عقدة" ذلك الاستعمار العنصري بجدارة الذي زرع في أذهان الشعوب المستعمَرة مفهوم "تفوق العرق الأبيض" وسيادته على الجميع وذلك واضح في تصريحات رؤساء أمريكا:


عندما انتهت الحرب العالمية الثانية، قال الرئيس الأمريكي روزفلت: "الآن يجب أمركة العالم". وفي عام 1961 رأى الرئيس كيندي أن الهدف من وجود الولايات المتحدة الأمريكية هو قيادة العالم كله، وفي العام 1963 قال نيكسون: "إن قيمنا للتصدير وليست بنا حاجة للاعتذار من أحد"، وقال جيمي كارتر عام 1976: "إن مسؤوليتنا تكمن في تأمين نظام دولي مستقر"... فلا عجب أنهم يطلقون على أنفسهم الدول العظمى ودول العالم الأول!


حتى اليوم نرى ذلك في المنبهرين بالغرب الكافر المستعمر من أبناء جلدتنا الذين يطالبون بالتوجه الديمقراطي وتطبيق حكومة مدنية تحكم بالعلمانية يزعمون أنها ستجعلهم يصبحون من الدول المتحضرة والمتقدمة كأمريكا وأوروبا، بينما هم أسوأ مثال للعالم في الدعارة والمخدرات والخمر والزنا والعنف والإرهاب والشذوذ وفي حياكة السيناريوهات الهزلية في الانتخابات وفي الأزمات العالمية الاقتصادية والاجتماعية والصحية، يعتبرون بلادهم "دولاً نامية" و"دول العالم الثالث" وهي دول منهوبة يهيمنون عليها ولا تملك قرارها ولا قوتها، كما النظام العالمي متخصص في إعلان الحرب على الأديان عامة وعلى الإسلام خاصة، فهو يقوم على أساس رأسمالي علماني يفصل الدين عن الحياة، همّه الاقتصاد والمادة، ويجعل من المنفعة مقياساً للأعمال فينظر الحاكم أو السيد للشعوب نظرة دونية خالية من الاحترام أو الحقوق أو القيم والأخلاق، بل يشجع هذا النظام الإنسان المُستضعَف على الكفر والفسق والانحلال والعنصرية والفتنة ليعيش حياة هذا "السيد الأبيض" المليئة بالشذوذ والأنانية وحب الذات والعهر ليسقط في مستنقع متعفن من الانحدار الفكري والكره لأخيه الإنسان ولخالق الإنسان جل وعلا، وظاهرياً يتشدقون بحريات وحقوق وسلام وتقرير مصير مزيف...


لن تنجح عقيدة تملي على الإنسان أن يفعل ما يشاء في أي وقت يشاء وكيفما شاء وبدون قيود! فإدارة شؤون الحياة لأصحاب هذا المبدأ وأنظمة الحياة التي تنبثق عن هذه العقيدة قائمة على المنفعة والمصالح المادية المشتركة كمقياس للأعمال، وبالتالي سيعم الإفساد والفجور والشهوات المحرمة والثروات الملطخة بدماء الفقراء وتشويه فطرة الإنسان وادعاء عدم حاجته للحياة وفق لما بيَّن الله تعالى في الإسلام، فالإنسان؛ نفسه وعِرضه وماله، عندهم رخيص ولا يساوي قرشاً واحداً طالما لم يكن من البيض حُكام وأثرياء ومترفي العالم. وهذه هي وجهة نظر الدول الراعية للنظام العالمي، وهي دول تنشر عقيدتها الكافرة باستعمار البلاد الأخرى وترسم حدودها بحسب مصالحها وتشعل الحروب الأهلية فيها لإشغال الشعوب عن العمل لتغيير الواقع المظلم لأنهم بكل تأكيد سيعملون على إسقاط هذا النظام الغربي الذي لم يقدم لهم إلا الكفر والفقر والجهل - وكل ما يخالف نظام الإسلام - والأمراض، وجعل من أعداء الله عز وجل ورسوله عليه الصلاة والسلام والمؤمنين أصدقاء، فلا يذكر اسم الدول العظمى إلا ويُذكر معها حرب إبادة أو احتلال أراض أو اتفاقية تساوم على قوت الشعب وتضغط اقتصادياً لنهب خيرات البلاد، وهذه هي سياستها الخارجية قديماً وجديداً.


فالنظام الاستعماري الجديد نظام يعبد الهوى ويحول الإنسان لمجرد ماكينة تعمل عمل الشيطان، وهو يعمل لإقصاء شرع رب العالمين أن يسود، ويسلب سلطان الأمة الإسلامية التي يجب أن تختار وأن تبايع خليفتها الذي يحكمها بالشرع، إلا أن هيمنة النظام العالمي على العالم تعمل على تعطيل هذا التطبيق. وذلك تحدٍ صريح للخالق عز وجل الذي جعل الإنسان مقيداً في الأرض بالأحكام الشرعية بينما حرره من عبودية البشر وجعل العبودية لله تعالى وحده. وفي الحقيقة هكذا يعيش 99% من سكان العالم يومه سواء أكان في الغرب أو في الشرق أو الشمال أو الجنوب بالنسبة للكرة الأرضية. أما الــ1% المتبقي الذي يعيشون في رغد من العيش في القصور، ملوك القهر والجبر، ويستحوذون على الثروات فهم الحُكام الذين يحكمون العالم بغير ما أنزل الله وتجدهم أكثر الناس عداوة للآخرين وجعلوا لهم الحق في سلب جميع حقوق البقية ولهم الحق في إبادة جميع من لا يعبد نظامهم الجديد الذي تتم عولمته بسيطرة حكومة واحدة عالمية ودولية وأممية ترأسها جهة واحدة (أمريكا) وصندوق نقد دولي واحد وبنك مركزي واحد وتتحكم بها معاهدات واتفاقيات ومواثيق واحدة ومجلس أمن واحد، ولنقل استعمار غربي إمبرياليّ واحد يعمل من خلال حكومة مركزية ينصاع لقوانينها ودساتيرها الوضعية ومواثيقها واتفاقياتها جميع الأنظمة الحاكمة العميلة للغرب وتسيطر من خلالها على صنع القرار في تلك البلاد.


إن الغرب يعمل جاهداً لفرض هذا النظام الجبري ليمنع قيام دولة الإسلام من جديد، وهذا ما يرعبهم فهم يعلمون أن للإسلام دولة وأنها الوحيدة القادرة على هدم نظامهم المهترئ، والذي فقدت البشرية بسببه عوامل نهضتها الفكرية ولم يعد لديها معنى للارتقاء أو للتمسك بالقيم الإنسانية السامية التي لن تتحقق إلا من خلال تطبيق الأحكام الشرعية الربانية الحكيمة والعادلة والعيش وفقاً للحياة الإسلامية المطمئنة التي تُكرم الإنسان وتحترم عقله لتعود للإنسانية كرامتها وليصبح القدوة للأجيال نماذج من الشخصيات القوية السوية المستقيمة التي تُبدع وتتقدم في كافة المجالات؛ الاقتصادية والتعليمية والعلمية والتكنولوجية والطبية... كما كانت في العصر الذهبي للخلافة الإسلامية حين ركعت البلاد الغربية وأذعنت لحكم الإسلام العادل الذي رعى شؤون الناس وأغناهم وأكرمهم وأعزهم بتطبيق الإسلام في كافة مناحي الحياة، ولم يكن تحصيل لقمة العيش بمشقة، ولم يكن هدف الإنسان في الحياة عدم السقوط في هاوية الفقر المدقع والعوز، ولم تنعدم الحاجيات الأساسية من المحاصيل كالقمح والسلع الضرورية كالأغذية والغاز والوقود والدواء التي تُباع بأسعار باهظة لا تُطاق، وعاش الجميع حياة سعيدة في كنف الدولة الإسلامية التي نشرت النور وقادت البشرية وسادتها على أساس لا إله إلا الله محمد رسول الله، فلم يتجرأ الأقزام على أصحاب المقامات العظيمة والرجال الذين كتبوا التاريخ بدمائهم الطاهرة.


إن دولة الخلافة الراشدة تحمل الدعوة الإسلامية للعالم، والحاكم يعامل فيها المحكومين - المسلم وغير المسلم - بالقوانين والدساتير الربانية، وأساس الحكم فيها هو العدل والتقوى والصدق والشفافية ومخافة الله عز وجل والسير على منهج رسول الله ﷺ. فمقياس الأعمال فيها هو الحلال والحرام وليس المنفعة والمصلحة المادية، مما يجعلها دولة رعاية ورحمة وهدى؛ دولة بدون حدود ولا سدود، يعيش فيها الإنسان والحيوان والطير والزرع بأمن وأمان. وأما مركزية دول الكفر فإنه نظام يحكم بالحديد والنار ويجلب الدمار والخراب للناس، وأما مركزية دولة الخلافة الراشدة فإنه نظام الحكم فيها بما أنزل الله وأنها دولة تحمل الرحمة والنور والاستقرار مادياً ومعنوياً للبشرية جمعاء، قال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِلعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنبياء: 107].


إن العالم اليوم بحاجة لنظام أصيل وليس لنظام جديد. فمن لا يعرف أن للإسلام نظاماً متميزاً ينظم ويعالج مشاكل البشر وهو من عند الله تعالى وذلك نظام الحكم في الإسلام الذي يُطبق الإسلام في دولة الخلافة الراشدة القادمة، هي دولة واحدة تحكم الأمة الإسلامية بل وتحكم جميع البشر وترعى شؤونهم بالإسلام؛ وهي دولة عظيمة منيعة تاريخها مشرق وحاضرها جميل ومستقبلها باهر، نجحت من قبل وستنجح من جديد في الريادة؛ سياستها الخارجية نشر الإسلام ليعم نوره العالم ولتنهض البشرية به نهضة فكرية مستنيرة بالقيم الإسلامية السامية لتأخذ بيد البشر للجنة ولإرضاء الله رب العالمين، وهي الحقبة التي ستلي حقبة الحكم الجبري بإذن الله تعالى لتنقذ البشرية من براثن هذا النظام القذر الذي أشقى النساء والأطفال والرجال وأشقى الحيوانات وأشقى الكون وأشقى الأرض والزرع والسماء... جاء في مسند الإمام أحمد: عن حُذَيْفَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلاَفَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكاً عَاضّاً فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكاً جَبْرِيَّةً فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلاَفَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ نُبُوَّةٍ. ثم سكت».


ولمثل ذلك فليعمل العاملون؛ ليوم قريب، يوم سقوط هؤلاء الكافرين وأذنابهم من المنافقين والغلبة للمتقين. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [سورة النساء: 124].


كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة محمد حمدي – ولاية السودان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر