تعطيل الأحكام الشرعية بخداع المصطلحات   إصلاح الفرد نموذجاً
September 14, 2017

تعطيل الأحكام الشرعية بخداع المصطلحات إصلاح الفرد نموذجاً

تعطيل الأحكام الشرعية بخداع المصطلحات

إصلاح الفرد نموذجاً

انتشرت بين المسلمين فكرة "إصلاح الفرد والمجتمع" التي تُعد فكرة هدامة إن وُضعت في إطارها الأصلي الذي استعاره بعض المفكرين والدعاة من الواقع العلماني الفاسد فيما يُعرف بـ"الإصلاح الفردي" ذلك إن كان الهدف من الأعمال والجهود المكثفة التي تُبذل لتحقيقها، ويُراد منها، في نهاية المطاف، التغيير على واقع جماعة المسلمين والأمة الإسلامية جمعاء والنهضة بها فكرياً على أساس الإسلام في خضم صراع الحضارات والحرب بين الحق والباطل. فلقد أصبح للمصطلح الفضفاض "إصلاح الفرد" معانٍ ودلالاتٌ أخرى غير المقصد الشرعي، ارتبطت بأفكار دخيلة على المسلمين.

فالفكرة الأساسية للمقولة المشهورة "صلاح الفرد يصلح المجتمع" مقولة مضللة لأن نتيجتها المباشرة هي الإيحاء بعدم أهمية تطبيق الأحكام الشرعية الخاصة بالمسلمين كجماعة يعيشون مع بعضهم بعضاً وبينهم علاقات دائمية. ونتيجتها المحتومة الابتعاد كلياً عن منظومة الحكم والدولة. ولنُعطِ أفضل مثال على ذلك: نحن نرى اهتمام الأفراد بالعبادات الفردية دون اتخاذهم للإسلام مبدأ ونظام حياة متكاملاً أساسه العقيدة الإسلامية التي تنبثق عنها أنظمة الحياة المختلفة؛ وهي النظام الاقتصادي في الإسلام والنظام الاجتماعي والسياسي والتعليمي والإعلامي، كلها تُطبق بواسطة نظام الحكم الشرعي في هذه الدولة وأجهزتها ومنها الجيش والشرطة لينشأ في كنفها مجتمع أجواؤه إيمانية وطابعه إسلامي يبعث على الطمأنينة والسعادة، يردع الأفراد ويبعدهم عن المعاصي بالحسنى ويصعُب ارتكابها في جماعة المسلمين لتسود الفضيلة والاكتفاء والعدل ورعاية شؤون الإنسان بقوانين ربانية. إلا أن نظام الإسلام قد حبسته الأنظمة داخل المساجد كما حبس العلمانيون النصرانية داخل الكنائس حين فصلوا الدين عن الحياة وعن الدولة. ونظام الإسلام مختلف من أساسه ومغاير تماماً للمبدأ الرأسمالي الغربي وأنظمته الظالمة المطبقة على المسلمين في بلادهم، فلن تنفع استعارة مفاهيم دخيلة من الثقافة الغربية الكافرة لنطبقها على الإسلام والمسلمين، وهذا هو سبب الفوضى الفكرية وانحطاط الفكر في بلاد المسلمين اليوم.

ونحن نرى تداعيات العمل بهذا المفهوم، مفهوم "إصلاح الفرد"، والمسلمون محارَبون في دينهم وممنوعون من العيش حياة إسلامية كريمة، تحكم مجتمعاتهم القيم الغربية المنحلة بسبب المبدأ الرأسمالي المتعفن الذي ينص على البقاء للأقوى ويضرب بالفقراء والمساكين ورعاية الشؤون عرض الحائط، فهل نطالب الجائع والبائس والفقير بإصلاح نفسه يا ترى؟ وكيف سيغير ذلك واقع المسلمين الفاسد؟! أم أن علينا أن نطبق أنظمة الإسلام على الناس ليسعدوا ويشبعوا ويهنؤوا ويعبدوا الله تعالى كما أراد الله سبحانه؟ إلا أن هذه السطحية في التعامل مع الواقع طبيعية إن عدنا لمصدر هذا المفهوم الخطير؛ إصلاح الفرد ليصلح المجتمع، إذ إن مصدره هو العقيدة العلمانية الليبرالية التي تفصل الدين عن الحياة وتقوم على تقديس الفرد وحرياته وحقوقه ورغباته. لقد استغل الغربيون الاستعماريون الكفار الإمكانيات الكبيرة المتاحة لديهم لنشر الثقافة الغربية المنحلة في بلاد المسلمين بالقوة السياسية والعسكرية والاقتصادية والإعلامية والتعليمية تحت غطاء حقوق الأفراد والإنسانية والأخلاق وهم أبعد ما يكونون عن ذلك. فجوهر عقيدة العلمانيين فصل الدين عن الحياة، والعيش على أساس الحريات المطلقة تحت مسمى الليبرالية، وهي: "التركيز على أهمية الفرد وضرورة تحرره من كل نوع من أنواع السيطرة والاستبداد، فالعلماني أو الليبرالي يقدس التحرر مما يراه التسلط بنوعيه: تسلط الدولة (الاستبداد السياسي)، وتسلط الجماعة (الاستبداد الاجتماعي)، لذلك نجد الجذور التاريخيَّة لليبرالية في الحركات التي جعلت الفرد غاية بذاته، معارضة في كثير من الأحيان التقاليد والأعراف والسلطة رافضة جعل إرادة الفرد مجرد امتداد لإرادة الجماعة." (الموسوعة العربية الفلسفية).

ففصل الدين عن الحياة عقيدة ينبثق عنها نظام ينظر إلى حرية الأفراد كغاية أولى ورئيسية، وأنه لكل فرد الحق والحرية في اختيار أسلوب الحياة الذي يناسبه، إلا أنه، وتطويعاً للمفهوم ليلائم المجتمع في بلاد المسلمين، لم تترك الحريات مطلقة وحددت ضمن "إصلاح الفرد" الخاطئ حتى يتقبل المسلمون ذلك المفهوم ويتحول شيئاً فشيئاً إلى المفهوم الغربي للفرد، ولقد ساهم الليبراليون العرب من أمثال طه حسين وأحمد لطفي السيد في نشر مفهوم الفردية والحريات الغربية وإلباسها ثوب الإسلام، وخلط واقع المجتمع بالمفهوم الرأسمالي الغربي الذي يهتم بالفرد دون الجماعة، خلطه مع واقع المجتمع ومفهومه الإسلامي الصحيح واهتمامه بالفرد وبالجماعة وتأطير العلاقات بين الأفراد والمجتمع والدولة بالأحكام الشرعية الخاصة بالعلاقات بينهم. حتى إن نظام الحكم الديمقراطي الغربي يقوم على هذه الفكرة "رأي الأغلبية"، "رأي الأفراد"، بغض النظر عما ستؤول إليه نتيجة آرائهم ونوعية تأثيرها على المجتمع تحاكماً للمصالح المادية والنفعية الرأسمالية واستناداً على الحريات المطلقة.

إن من يتبع منهج إصلاح الفرد بالمفهوم الغربي يكون قد شارك في هلاك المسلمين! فهذا المنهج الغامض روج له المنضبعون بثقافة الغرب الكافر لتربية المسلم على الأنانية وعلى اللهث وراء مصالحه المادية الدنيوية لإشباع رغباته والعيش على هواه، بدلاً عن تعليمه التفكير الإسلامي الصحيح بحمل الأمانة "الإسلام" ونشره في ربوع العالم، والاهتمام بأمر المسلمين والعمل الجاد لإعلاء كلمة الله تعالى في الأرض وتحقيق سبب وجود الخلق في الحياة، ألا وهو عبادة الله سبحانه وتعالى وطاعته والسعي لإرضائه عز وجل والعمل لإقامة شرعه أفراداً وجماعات في دولة إسلامية قوية عزيزة. ذلك لأن من يتصرف على أساس ذلك المفهوم يعتقد أن الحفاظ على السنن يكفي وأن هذا هو كل الإسلام، بينما يكون تاركاً للفروض، ولا يدرك المسلم أنه يعيش حياة دونية في جحيم الحكام الرويبضات ولا يدرك أنه قادر على تغيير الأوضاع كونه يشعر بالخوف والضعف والإحباط لأنه يفكر بشكل فردي وكونه مقصرا لأن "نفسه غير منصلحة" فهو لن يرتقي لمرتبة الصحابة رضوان الله عليهم وهو لا يصل أبدا لقمة ذلك الإصلاح! فكيف به أن يواجه دولة وحكاما وأجهزة قمعية! ويكون قد تقاعس عن القيام بفرض العمل للتغيير على واقع المسلمين الفاسد، مع أنه يعترف بغياب الإسلام وغياب الحياة الإسلامية، وأنه واقع جاهلي يجب تغييره كما فعل رسول الله ﷺ. إلا أنه قد تحكمت به فكرة التفرد والفردية وليس له من الجماعة إلا صلاة الجمعة على عجالة وبقي له العيش تبعاً للهوى والحريات الشخصية وتحصيل المنافع المادية فينعزل بنفسه وبمشاكله التي يبحث لها عن حلول بعيداً عن المجتمع وعن الدولة، مع أنها مشاكل مشتركة؛ البطالة وغلاء المعيشة وصعوبة الزواج والتعليم المتدني وغياب رعاية الشؤون والفقر والجوع والجهل وعدم التقدير والاحترام بين الأمم وانعدام الأمن والأمان؛ فباتت أهدافه تنحصر في الأكل والشرب والأعمال اليومية وتمضية الوقت، وربما يشاهد الأخبار، فيسمع ويرى المجازر في الشام والعراق واليمن وحرب الإبادة في بورما، فيحزن ويتحسر على حال الأمة، لكنه سريعاً ما ينسى حزنه، ويدعو بأدعية مختلفة للمنكوبين ويصلي ركعتين سنة، ويحفظ آيات من القرآن الكريم، لكنه لا يأبه بالحل الشرعي السياسي للقضية، ألا وهو استنهاض همم المسلمين ورفع الصوت عالياً للمطالبة بتحريك جيوش المسلمين، وكسر قيود الحكام المنبوذين! فهو يرى طالما أنه وأسرته بخير، وأنه قرأ الأذكار ودفع صدقة أو تبرع يمكنه الآن أن ينسى وينام، ولعل ذلك يُفسر سبب انبراء العالم للدعاء لضحايا الإبادة والمجازر الفظيعة التي ارتكبت ولا زالت في بورما ضد مسلمي الروهينجا، بالطبع يعتقد هذا الفرد المسلم أنه قام بعمل كبير استوفى المطلوب لكنه لم يغير شيئاً، وهو في الحقيقة قد تقاعس عن العمل والانضمام للكتلة السياسية العاملة للتغيير الجذري والانقلابي على طريقة رسول الله ﷺ، وتحويل الدولة إلى دولة تحكم بما أنزل الله تعالى والمجتمع العلماني إلى مجتمع تكون الأفكار والمشاعر الإسلامية فيه هي السائدة، تلك الكتلة التي تعمل لإيجاد خليفة واحد للمسلمين ليطبق عليهم نظام الإسلام في دولة الخلافة، والتي ستُقام بها جميع الفروض وتحل بها جميع المشكلات المشتركة ويُحمل الإسلام ليُنشَر بالدعوة والجهاد للعالم.

ومن تبعات هذا المفهوم الخطير أيضاً أن على المسلم "إصلاح" بيته وأسرته أولا ولا دخل له بمن حوله أي لا دخل له بالأنظمة الفاسدة في المجتمع أو بالحكم وما تطبقه الأنظمة الحاكمة من دساتير وقوانين في بلاد المسلمين فإن "انصلح" هو و"أصلح" بيته وأسرته سينصلح حال المجتمع والدولة تلقائياً!! إلا أن هذا المفهوم مغاير لواقع المجتمع والدولة. فالمجتمع يتكون من أربعة مقومات؛ الأفراد والأفكار والمشاعر السائدة والقوانين المطبقة على الناس. وهذه المقومات ترتبط بعضها ببعض؛ فلن تعيش أسرة منعزلة عن قوانين الدولة والمجتمع، كما تجد أن تأثير المجتمع أقوى من تأثير الأفراد وهذا واقع ملموس فالرأي العام السائد في المجتمع هو نتيجة لمجموع الأفكار والمشاعر التي يجب أن تستند إلى قاعدة فكرية راسخة هي العقيدة الإسلامية. فهذا المجتمع لن ينصلح تلقائياً بل يجب العمل على ضبط مقوماته الأربعة وفقاً للشرع الحنيف، وأن يتكون عند الناس وعي عام عندما ترتبط أفكارهم ومشاعرهم بالعقيدة الإسلامية مصدراً لمعالجة وتنظيم أمور حياتهم، فيطالبون بتطبيق شرع الله عليهم بدستور وقوانين الدولة.

فإن "أصلحت" كل الأفراد في الأسر، مثلاً تلقوا أحسن تعليم بأحسن الوسائل التعليمية وتربوا على أتم الأخلاق والآداب والفضائل، وتعودوا على نقد الذات وتحري المثالية، فلا يغتابون ولا ينمون ويغضون البصر، ويكتمون الغيظ، مسالمون ولا يسبون أحداً ولا يتجسسون على أحد، لا دخل لهم بالسياسة، ولا يفتعلون المشاكل، ليسوا إرهابيين، هذه بعض الصفات التي يروج لها دعاة المصطلح، ثم خرجوا للمجتمع الفاسد وبتأثير الجماعة على الفرد، لفسد أغلبية الناس فمنهم الضعيف ومنهم القوي في مقاومة الباطل المنتشر. وإن "أصلحت" كل الأفراد في الأسر، فهل هذا يرفع ظلم الدولة والقمع والفقر والجوع والجهل والمرض في المجتمعات؟! الجواب لا. لأن واقع المسملين الفاسد أنه فُرضت عليهم سياسات النظام الحاكم التي سيطرت على الناس من خلال القوانين الوضعية وتحكمت في الأفراد وأفكارهم ومشاعرهم عبر التعليم والإعلام، كما تحكمت في أموالهم وثروات البلاد وأداروا دفة المجتمع بالتلاعب والتضليل للسيطرة على آلاف المسلمين ونشر الثقافة الغربية المنحلة، ويبقى من يحاول "إصلاح نفسه" ومن يحاول الحفاظ على تربيته في البيت تربية إسلامية، يصبح في مهب الريح قابضاً على دينه كالجمر، فالأجواء من حوله غير "منصلحة" بل ومهيأة للانحلال والبعد عن الإسلام بالكامل، حتى ظهر جيل من أبناء المسلمين يحمل فكرة "دع الخلق للخالق وانشغل بإصلاح نفسك" وفكرة "اختيار طريق الانحلال أو الالتزام حرية شخصية" وفكرة "الإيمان في القلب" وفكرة "إنما الأعمال بالنيات"، كلها أُخذت دلالاتها بالفهم العام الذي مصدره الواقع الفاسد ولم تؤخذ هذه المفاهيم من تفسير القرآن الكريم أو شرح السنة النبوية الشريفة لتكون مفاهيم إسلامية نقية صحيحة.

إن المنهج المستقيم هو التغيير وليس إصلاح الواقع الفاسد أو جعله مصدراً للكيفية التي يعيش بها المسلم حياته. فمن حدد دور المسلم الفرد في هذه الحياة هو خالق الإنسان والحياة والكون، ومن حدد دور جماعة المسلمين في هذه الحياة هو الله تعالى، ومن حدد شكل المجتمع المسلم ودولة المسلمين وأنظمة الحياة الإسلامية هو الله تعالى وحده لا شريك له. وهذا ما عمل له رسول الله ﷺ حيث لم يأمر رسول الله ﷺ صحابته رضوان الله عليهم أجمعين بـ"إصلاح أنفسهم" بل أمرهم والمسلمين بعبادة الله الواحد الأحد وأمرهم بطاعة الله تعالى وطاعة الرسول ﷺ لتتوج بطاعة أولي الأمر؛ هؤلاء من فهموا الإسلام كمبدأ، أي حملوه عقيدة ونظاما عالميا يشمل جميع العباد ويشمل جميع نواحي الحياة، هؤلاء الأتقياء من يحكمون الناس بما أنزل الله تعالى في مجتمع علاقة الأفراد فيه بأفكارهم ومشاعرهم وقوانينهم علاقة واضحة؛ ألا وهي علاقة القائم بأوامر الله سبحانه والواقع فيها، وورد ذلك في حديث السفينة، فالفرد والجماعة سلامتهم في رعايتهم لبعضهم بعضا وفقاً لأحكام الله والتزام حدوده، فإن تركوا هذا التقيد بأوامر الله ونواهيه وتناصحوا آمرين بعضهم بعضًا بالمعروف وناهين بعضهم بعضا عن المنكر نجوا جميعاً وإن تركوه هلكوا جميعا، كمن في السفينة التي تمثل منظومة العلاقات بين الفرد والمجتمع والدولة ونظام الإسلام:

قال رسول الله ﷺ: «مَثَلُ القَائِم في حُدُودِ اللَّه والْوَاقِع فيها، كَمثل قَومٍ اسْتَهَموا على سَفِينَةٍ، فَأَصابَ بَعْضُهم أعْلاهَا، وبعضُهم أَسْفلَهَا، فكان الذي في أَسفلها إذا استَقَوْا من الماء مَرُّوا على مَنْ فَوقَهمْ، فقالوا: لو أنا خَرَقْنا في نَصِيبِنَا خَرقا ولَمْ نُؤذِ مَنْ فَوقَنا؟ فإن تَرَكُوهُمْ وما أَرَادوا هَلَكوا وهلكوا جَميعا، وإنْ أخذُوا على أيديِهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَميعا». [رواه البخاري عن النعمان بن بشير]، وقال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: 181].

يقول سيد قطب عن الآية الكريمة: "إن صفة هذه الأمة - والتي لا ينقطع وجودها من الأرض أيًّا كان عددها - أنهم (يهدون بالحق)؛ فهم دعاة إلى الحق، لا يسكتون عن الدعوة به، وإليه، ولا يتقوقعون على أنفسهم، ولا ينزوون بالحق الذي يعرفونه، ولكنهم يهدون به غيرهم، فلهم قيادة فيمن حولهم من الضالين، ولهم عمل إيجابي لا يقتصر على معرفة الحق، إنما يتجاوزنه إلى الهداية به، والدعوة إليه والقيادة باسمه."

وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].

وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ﴾، من عافية ونعمة، فيزيل ذلك عنهم ويهلكهم ﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ من ذلك بظلم بعضهم بعضا، واعتداء بعضهم على بعض، فتحل بهم حينئذ عقوبته وتغييره. (تفسير الطبري).

على المسلم اليوم أن يقوم بتغيير ما بنفسه من الأفكار العلمانية وأن يرجع للعقيدة الإسلامية النقية وأن يجعلها منطلقاً لكل حياته وأن يعي دوره في الحياة كفرد وكجزء من المجتمع والدولة وأن يوطد مكانه ليحمل الأمانة وأن يكون لديه دور في قيادته لأمته الإسلامية حتى تنهض فكرياً لتكون خير أمة أخرجت للناس بين الأمم. وعلى جميع المسلمين تغيير أفكارهم ومفاهيمهم لتكون أفكاراً ومفاهيم إسلامية فينضبط سلوكهم بالإسلام وفقاً لذلك وأن يقوموا بمسؤولياتهم الشرعية ليتحقق تغيير واقعهم المزري، فالنهضة نهضة فكرية. فمسألة "إصلاح الفرد ليصلح المجتمع" منهج علماني، إلا أن تغيير المفاهيم ومحاسبة النفس ومجاهدتها وضبط الشخصية لتكون شخصية إسلامية منهج رباني. والفرد المسلم راع ومسؤول عن رعيته، وقد ذُكرت واجبات الفرد المسلم مقترنة بواجبات جماعة المسلمين في مواضع كثيرة في القرآن الكريم والسنة الشريفة. ومثل ذلك حديث رسول الله ﷺ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ ومَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، - قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ - وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». [أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما عن ابن عمر]

قال الإمام القرطبي رحمه الله: (قال العلماء: الأمر بالمعروف باليد على الأمراء، وباللسان على العلماء، وبالقلب على الضعفاء، ويعني عوام الناس.)

كما على المسلم تفقد حاله مع الله ومحاسبة نفسه دائماً كالشرطي الذي يقوم على أمر الناس، عليه أن يقوم على أمر نفسه وأمر من حوله وذلك هو التواصي بالحق، قال الله سبحانه وتعالى في سورة العصر: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. [سورة العصر]

إن العمل للتغيير يلزمه العمل على طريقة سيدنا محمد رسول الله ﷺ في التغيير. ولقد أمر الله تعالى المسلمين أن تكون منهم كتلة عملها عمل سياسي. وتتكون هذه الكتلة من مسلمين يصلون ويصومون ويرفعون أصواتهم بالدعاء ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحاسبون الحكام ويهتمون بأمر المسلمين حول العالم، متبنين قضايا الأمة الإسلامية، يبينون للناس أحكام الله الشرعية الخاصة بالأفراد وبالمجتمع وبنظام الحكم، وما يجب أن يكون حالهم شرعاً عليه، يدعون إلى تطبيق الإسلام كاملاً في دولة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وفي كل الأحوال يجب على المسلم أن لا يهمل تقويم شخصيته الإسلامية وتهذيبها بأخلاق الإسلام والتقوى وتقييدها بالأحكام الشرعية في أعماله المختلفة كفرد أو كعضو فاعل في المجتمع أو كتابع للدولة التي ترعى شؤون حياته هو وأسرته ومجتمعه. ليس الفرض أن ينتظر الكثيرون "إصلاح أنفسهم" بشكل فردي ويمتنعون عن القيام بالفروض الجماعية، وليس الفرض أن يسكت

المسلم على انتهاكات المجرمين لحرمات الله تعالى أو أن يصمت على محاسبة الحكام أو أن يتغاضى عن سقطات علماء البلاط شيوخ السلاطين الذين قالوا أصلحوا أنفسكم وليس لكم دخل بغيركم، وقالوا اللهم أصلح حكامنا وقالوا ادعوا لحكامكم بإصلاح أنفسهم!! بينما المسلمون يبادون والإسلام يُهان وأموال المسلمين وثرواتهم ومقدرَاتهم بيد الكفار، والرويبضات الظالمون نائمون وغافلون وفي طغيانهم يعمهون، والناس أصبحت جاهلة بأمور دينها لا تجد من يهديها ويأخذ بيدها ولا من يعلمها الصلاة أفراداً وجماعات، ولا من يعاقب تارك الصلاة - الحاكم الذي يطبق الإسلام - وقس على ذلك سائر الأحكام الشرعية.

قال جل وعلا: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104].

قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ ثم قال: «الخير اتباع القرآن وسنتي» رواه ابن مردويه.

والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبا على كل فرد من الأمة بحسبه، كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». وفي رواية: «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل».

وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان الهاشمي، أخبرنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهلي، عن حذيفة بن اليمان، أن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم». (تفسير بن كثير).

وتغيير المجتمع سيظهر بتغيير القوانين الفاسدة المطبقة إلى القوانين الشرعية وسيعيش الناس وفقاً للإسلام عندما يُحكم المسلمون بالإسلام، عندها ستُستأنف الحياة الإسلامية في كنف الدولة الإسلامية، دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، حياة راقية متقدمة سهلة جميلة وغير معقدة كما عاشوا من قبل لمئات السنين وستُلقى العلمانية الرأسمالية وقساوتها ودعواتها لتقديس الفرد وانحطاطه دون تقديس الخالق عز وجل في هاوية سحيقة قريبا بإذن الله تعالى. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال في قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110] قال: (خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا الإسلام).

ولمثل ذلك فليعمل العاملون، والله من وراء القصد.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

غادة محمد حمدي – ولاية السودان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر